قراءة في رواية حقائق الحياة الصغيرة/ بقلم ميرفت الخزاعي.


قراءة وتحليل لرواية حقائق الحياة الصغيرة للكاتب لؤي حمزة عباس من طرف الكاتبة المبدعة ميرفت الخزاعي.

غلاف رواية حقائق الحياة الصغيرة

الجرذان: تلك الكائنات التي قد لا يعيرها احد اهتمامه او ملاحظته حتى ، فهي تمرُ خطفا وتجري مسرعةً مبتعدة حالما تلمحُ ظلَ إنسان اوتشم رائحتهُ ، وقلما تتوقف في مكانٍ واحد أكثرَ من بضعِ دقائق.
اعزو عدم اخذها من حيز تفكير شخص ما سوى لحظات ، ربما لشكلها وهيئتها …. واترك لكم وضع الصفة التي تعجبكم او ترغبون بإطلاقها عليهم في الفراغ.
اما عن نفسي فسأقول غير اللطيفة او المحببة ، فبعد ان تعرفت على بعض “حقائق الحياة الصغيرة ” والتي اتضح فيما بعد إنها كبيرة كفاية ، توجب عليَّ ان احترم كل الكائنات وإن لم احب بعضها اواستسيغ وجودها.
او ربما تعاطفا مع بطل الحكاية، الفتى الذي عاش وحيدا طوال حياته فأتخذ من الجرذان انيسا وصديقا ، يتحدثُ اليهم ، يلاعبهم، يبثُ لهم اوجاعه، همومه، يشاركونه _ كما يظن_ مشاكله ، احلامه ، غضبه ، حزنه ، سخطه ، ويمدون له يد العون والمساعدة اذا ما احتاج إليها وغالبا ما كان يحدثُ ذلك.

الجُرذ توأمُ الانسان وظله:

سر الانجذاب بين بطل الرواية وتلك الحيوانات ، الوافرة النشاط والحيوية ليلا، التي تعيشُ بعيدا عن الاضواء؛ شعوره بأنه كان واحدا منها في حياةٍ سابقة.
فأيُ سببٍ ذلك الذي يدعو شخصا للإيمان والاعتقاد بنظرية تناسخ الارواح وحلولها في اجسادٍ اخرى فيتخيل نفسه طائرا او فراشة او ثعبانا او حتى جرذا؟!
هل هي الوحشة والغربة التي يشعر بها عندما يكون بين افراد جنسهِ.
والدافع لإيجاد الرفقة والصحبة فالوحدةُ مخيفة وقاتلة.
ام هو الشعور بالضعف والعجز والاضطهاد والظلم والحاجة للاستعانة ببعض مدد القوة.

*الرمز والدلالة

ما الذي يقبعُ خلفَ هوية هذا الحيوان (القارض) ولماذا اختاره واصطفاهُ المؤلف ليكون مركزَ الحكاية ولاعبا أساسيا في ساحتها؟!
ربما عنى المؤلف بذلك الكائن الصغير الحجم نسبيا ، المنزوي في الاماكن المظلمة وانفاق ودهاليز الحياة.
الحارسَ الوفي، التابع المطيع الذي لا يعصي امرا لسيده ، الاداة السرية او اليد التي يضربُ بها ويكيل الانتقام ، النادر الظهور، القوي والواضح الفعل والتأثير.
الموتُ واحد ، فبِمَ تختلفُ اذن ميتةَ القط او الكلب عن ميتة الجُرذ؟!
ألئن الاخير يحظى بشعبيةٍ واسعة لدى بني البشر وألفةٍ محببة تجعلهُ اثيرا ومحطَ اهتمام وعناية.
يكادُ الامر يكرر نفسه في عالمنا البشري فيفرح بعضُ الناس ويبتهجوا لموتٍ أناسٍ آخرين او اذيتهم لكنهم يحزنون لفراق غيرهم ، فما الذي يدعونا لذلك التصنيف ووفقِ اي قانون؟!
الجرذان كائناتٌ غير متطلبة ، يمكنها العيش في اتعس الظروف البيئية واكثرها قسوة. وهي إن لم تجد ما تأكلهُ في زمن القحط والمجاعة ، تلجأ لقضمِ ذيلها.
فالجُرذ ، رمز للتحمل القهري والتكيف والاستعداد للتأقلم وهذا ما دفع العلماء ومراكز الابحاث الطبية لاستخدامه في إجراء التجارب.

*تهديد وخطرِ دائم

بالنسبة للسلطة والقائمين عليها تشكلُ الجرذان مصدر ازعاجٍ وقلق لها فوجودها وتكاثرها يولد الفوضى كونها اداة هدم وتخريب، مع امكانية هروبها وصعوبة الامساك بها وقطنها لاماكن بعيدة لا تصلها اياديها.
لاغرابة ان يُعجب الفتى بأقربائه الجرذان كما يعتقد وربما زادته الكتب التي كانت تشتريها له جدته كلما مرا بساحة ام البروم بالعشار، اعجابا بها فقد ساعد بعض اجداده سندريلا الفتاة الفقيرة التي تحولت لأميرة بين ليلة وضحاها كما تروي الحكاية الشعبية.
واصلتُ القراءة رغم شعور الحزن والضيق والحنق الذي انتابني وانا استكشفُ بعض الذكريات التي كان البطل شاهدا عليها فقد سُردت بأسلوب قاسٍ ومؤلم خاصة اذا ما علمتهم بأني من محبي ومربي ومُقتني القطط.
أتكون تلك الافعال والممارسات القاسية التي يداومُ الاولاد على فعلها نهارات صيف البصرة المشتعلة قربَّ النهر من تعذيب للقطط والحيوانات تفريغا للطاقة الكبيرة الكامنة في دواخلهم واجسادهم الفتية . اوهو حب ممارسة السلطة على من هم ادنى واضعف منهم ليُنَمَّوا الشعور بقوتهم ونفوذهم .
وربما هذا ما جعلهم يهرعون لساحات الوغى في الثمانينيات ليفرغوا تلك الشحنات في خصومهم واعدائهم.
جرذ الحرب او الجندي الجُرذ
لا فرق فكلاهما يمثلان الاستصغار والشأن الحقير و يعبران عن الشخصيات الدونية ، الملتصقة بالأرض ، المُتربة ، غير المسموحِ لها برفع رؤوسها ومطالعة السماء فهي مكان لذوي الرُتب العالية المزدانة بالنجوم المذهبة .
يحبُ معظم البشر اقتناءَ حيوانٍ يعتنون به ويدللونه مثلا كلب، قط، طيور سلحفاة واحيانا ضفادع او سحالي وحتى أفاعٍ.
واظن ذلك يعود لأسباب كثيرة ، لا تعد ولا تحصى كالشعور بالوحدة او الرغبة بإيجاد شريك لا يتذمر او يمل ولا يغضب او يزعل او يهجر. كائن اقل قوة منه واضعفَ حيلة.
او ربما تباهيا بقدراته او استعراضا لعضلاته او لإثارة اعجاب آخرين او نيل رضاهم او اظهارا لإنسانيته ورأفته.
لكن هل يقتصر هذا الامرعلى الحيوانات فقط؟!
هناك من يقتني إنسانا مثله كحيوانٍ مدلل او أليف ويسعى لتدجينه.
يبدأ بتلقينه الاوامر والتعليمات وتدريبه ليصبح تابعا له ، مسلوب الارادة بل حتى القدرة على التفكير، يطيع وينفذ دون اي نقاش.

*الجُرذ راويا

الجرذ هو ذلك الصوت الخافت ، الكامن في العتمة ، مستودعُ الاسرار وحارسها الامين، فهو مستمعٌ جيد للقصص وإن لم يعيها او يفهمها بكل تفاصيلها لكنه قادرٌ على التقاط اشاراتها ومن ثم تسريبها عبر قنوات تصريف المياه.
اذ يرى المؤلف إن الجرذان ليست وسيطا لنقل الطفيليات والامراض فقط بل الحكايات ايضا.
فهي امتداد لأسلافها الذين شهدوا بدء الحياة الاولى وتكونها وتطورها.
منذ خلق ابونا آدم وامنا حواء وظهور الحاجة للكلام والحديث وصار الحكي طريقة لتنويم الاطفال وتهدئة خوفهم وتسليتهم وقتل الوقت وابعاد الملل ليالي الشتاء الطويلة الباردة . فمن منهما كان الراوي حقا ، الجرذ ام الفتى ومن صاحب القصة والحكاية ؟!

0 تعليقات

    أترك تعليق