كتب وروايات مهمة لك في سنة 2021.


معطف غوغول:

هناك مقولة اشتهرت في العالم، تنسب لديستويفسكي: “كلنا خرجنا من معطف غوغول”.


وهو اعتراف لواحد من أكبر كتّاب روسيا والعالم، بقيمة ومكانة الكاتب الروسي نيكولاي غوغول؛ رغم أنهما يختلفان في حجم الكتابة وكثافتها السردية، وغزارة الإنتاج.

غوغول كتب روايتين فقط وبعض المسرحيات.

لكنه اشتهر خاصة بقصصه القصيرة، ومن بينها قصة “المعطف”؛ التي انتصر فيها للموظفين المهمشين والفقراء. يصفه النقاد بأنه مؤسس المذهب الواقعي النقدي الساخر في الأدب.قرأت له روايتين:

الأنفس الميتة، وتراس بومبا، هذه الأخيرة التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي ملحمي ناجح، سبق أن عرضه التلفزيون الجزائري على شاشته؛ إلى جانب طبعا، قصصه القصيرة الرائعة على غرار:

المعطف، الأنف، مذكرات مجنون، هذه القصة التي حوّلها المسرحي الجزائري الراحل عبد القادر علولة، بطريقته، إلى مسرحية معروفة في المسرح الجزائري، وهي مسرحية “حمق سليم”؛ المسرحية التي تدين الجهاز الإداري البيروقراطي، بوصفه جهازا يقضي على إنسانية الفرد.

هي فرصة لمن لم يقرأ لهذا الكاتب العظيم، أن يقرأ له، ولمن قرأ له قديما أن يعيد قراءة أعماله من جديد، خاصة القصص القصيرة، التي لا تستدعي وقتا طويلا لإنهائها.

أعماله جميعا مترجمة إلى اللغة العربية، ومتاحة للقراءة على النت.

اللون أرجواني الرواية الشهيرة للكاتبة اليس ووكر:

تعتبر الكاتبة الأمريكية الكبيرة أليس ووكر (1944) واحدة من أبرز الكتّاب الأمريكيين المعاصرين، كاتبة غزيرة الإنتاج، فهي شاعرة (أصدرت عشر مجموعات شعرية) وقاصة وروائية ( 13 عملا)؛ إضافة إلى تأليفها العديد من الكتب في النقد والفكر والسياسة. نكاد لا نعرف شيئا عنها، رغم أنها صاحبة مواقف شجاعة تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العادلة في العالم؛ من مواقفها أنها رفضت ترجمة روايتها الشهيرة “اللون أرجواني” إلى اللغة العبرية، رغم كل الإغراءات؛ كما أنها زارت مدينة غزة سنة 2009 متضامنة مع الشعب الفلسطيني، وأعلنت حينها أن “النظام الاسرائيلي في ممارساته العنصرية أسوأ من نظام الأبارتيد ضد السود”.

وكالعادة تم اتهامها بمعاداة السامية، ولقيت جراء ذلك ألوانا من التضييق وأصبحت عرضة للإشاعات. لكن قوة وعمق وقيمة نصوصها، ومواقفها الإنسانية؛ جعلها تتجاوز تلك التضييقات، وتفرض نفسها صوتا أدبيا متميّزا في امريكا والعالم.

روايتها الشهيرة “اللون أرجواني” The Color Purple ، نالت سنة 1982 جائزة “بوليتزر”، وهي أعلى جائزة أدبية في أمريكا، سبق أن نالها كبار الكتّاب الأمريكيين كهمنغواي، فولكنر، شتاينبك، وفيليب روث. تحوّلت هذه الرواية إلى فيلم سينمائي ناجح للمخرج الكبير ستيفان سبيليبرغ. كما بيع منها ما يزيد عن 6 ملايين نسخة، وتعتبر أحد خمسة كتب الأكثر قراءة في أمريكا.

ورغم هذه النجاح العالمي والمواقف الإنسانية، لم تترجم روايتها الشهيرة إلى اللغة العربية، إلاّ في سنة 2018، بمبادرة من دار المدى العراقية، ترجمتها السورية سيزار كبيبو (تبدو الترجمة غير موفقة في نقل هذا العمل الجميل إلى اللغة العربية).

“اللون أرجواني” رواية عميقة، يجب التحلي، وأنت تطالعها، بكثير من الصبر والتأني لإدراك مقاصدها. أحداثها في مجملها مستوحاة من وقائع حقيقية.

عاشت معاناتها الكاتبة في شبابها وطفولتها. الرواية تتناول قصة حياة امرأة زنجية اسمها سيلي، تعاني الاضطهاد الجسدي من زوجها والعنصرية من المجتمع الأمريكي.

تقول سيلي بطلة الرواية : “أنا فقيرة، سوداء، وربما قبيحة ولا أستطيع الطبخ بشكل جيد؛ ولكني موجودة”.

“سألتني ماذا تفعلين عندما تغضبين؟ قلت بعد تفكري في الأمر: لا أستطيع حتى تذكر المرة الأخيرة التي غضبت فيها، كانت أمي تثير غضبي لما تحملني إياه من مشاق. ثم عايشت شدة مرضها، فعدلت عن ذلك. لم أغضب من أبي لأنه أبي.

يقول الانجيل : أكرم أباك وأمك مهما كانت الظروف. ثم أصبحت أشعر بالغثيان، كلما أحسست بالغضب، أو طالعني إحساس به. أشعر برغبة بالتقيؤ. هذا مريع. إلى أن أمسيت لا أشعر بشيء على الإطلاق ” (ص 57 ).

تفتتح الرواية بكلمة قالها المغنّي وعازف البيانو الكفيف ستيفي ووندر: “أرني السبيل لأكون مثلك، أرني كيف السبيل إلى ذلك”.

رواية الحياة السرّية للكتّاب للكاتب غيوم ميسو:

للسنة التاسعة على التوالي، يتربّع الروائي الفرنسي غيوم ميسو على عرش مبيعات الرواية في فرنسا؛ فقد بلغ حجم مبيعات روايته الجديدة “الحياة السرّية للكتّاب” في سنة 2019، أكثر من 1مليون و400 ألف نسخة، متجاوزا بكثير صاحب المرتبة الثانية ميشال بوسي. غيوم ميسو روائي محترف، يجيد نسج الحكاية بامتياز، جميع عناصر التشويق تتوافر في أعماله.

قرأت روايته الأخيرة “الحياة السرية للكتّاب”، رواية جميلة ومشوّقة، تأسرك بسردها حتى النهاية. تتناول قصة روائي ناجح، يقرّر في لحظة معيّنة أن ينسحب من الكتابة نهائيا، ويعيش منقطعا عن العالم في جزيرة نائية، ولكن الأحداث ستتوالى، وسيجد نفسه متورطا رغما عنه في جريمة هزت الجزيرة الهادئة.

الجميل في الرواية أن غيوم ميسو، يتخيّل بطله الكاتب كما لو أنه كاتب حقيقي، هكذا ينزل مثلا، ضيفا على برنامج بيرنار بيفو الشهير “ابوستروف”، ويجيب على أسئلته؛ كما يدرج مقاطع من مقالات لصحف معروفة تتحدث عنه.

وفي مقدمة الرواية يضع خريطة الجزيرة التي قرر البطل الكاتب الإقامة فيها. كما ستجد مع مستهل كل مقطع من الرواية، كلمات مأثورة لكتّاب كبار، ذات صلة بالمنحى السردي للرواية. فمثلا يبدأ الرواية بمقولة للكاتب الايطالي الشهير امبيرتو ايكو :

“لكي تعيش، يجب أن تحكي حكايات” وهو الكاتب الذي تتعدد مقولاته في الرواية؛ هناك مقولة أوردها ليوجين يونسكو الكاتب المسرحي المعروف:

” لا توجد عطلة للكاتب، إمّا أن يكتب أو يفكر في الكتابة”؛ وهي المقولة التي تمثل في اعتقادي جوهر الرواية.

أعتقد أن غيوم ميسو جدير بالقراءة من طرف المبدعين عندنا، لأنه يملك تقنيات رائعة في السرد، سيستفيدون منها حتما. ومن حسن الحظ أن معظم أعماله مترجمة إلى اللغة العربية، ومتاحة للتحميل.

رواية المغارة المتفجرة:

رواية “المغارة المتفجرة”، رواية مؤثرة وعميقة، تدور أحداثها أثناء ثورة التحرير، بطلتها فتاة يتيمة الأبوين، تقيم داخل مغارة جبليّة استخدمها المجاهدون كمستشفى ميداني، اشتغلت فيه كممرّضة تتكفّل بعلاج جرحى الحرب من الثوار، تصغي لبوح الجرحى والمعطوبين، وتسجّل تفاصيل اعترافاتهم، عبر توالي فصول الرواية.

تقع الفتاة في حبّ أحد الثوّار الجرحى، ليتوّج حُبّهما بزواج باهت وسط عتمة المغارة، بدون احتفال. وسرعان ما يتعرّض الموقع إلى قصف جوي مدمّر. لم يلبث أن تفقد زوجها، ويصاب طفلهما بتشوّه في رجليه ويفقد بصره؛ هكذا وأمام هول ما عاشته ستصاب بما يشبه الجنون.

اشتهرت رواية “المغارة المتفجرة”، بمقدمة رائعة وضعها كاتب ياسين، اعتبر الرواية قصيدة طويلة نثرية، تُقرأ كرواية. كما كتب جملة عميقة، أصبحت على كل لسان، جملة تنتصر للمرأة التي تكتب، رغم كل الظروف والعراقيل والاكراهات، جملة صالحة الأمس واليوم والغد:

“المرأة التي تكتب في الوقت الحاضر في بلدنا، تساوي ثقلها باروداً”.

كتبت أصيلة الأوراس الأشمّ، بعد انتظار دام عشرين سنة، روايتها الثانية والأخيرة عنوانها: “آرّيس”؛ كانت ستكتب أكثر، بفضل موهبتها الإبداعية، ولغتها الشاعرية الراقية.

كانت ستتحف المكتبة الجزائرية بأعمال أدبية رائعة، لو وجدت بعض الدعم والتشجيع، والتفرغ للكتابة، فقد أخذ منها عملها كطبيبة نفسانية وقتها وجهدها كله. كما أنها عانت في سنواتها الأخيرة معاناة شديدة مع المرض.

هكذا ستسقط فريسة الاضطرابات النفسية وهي الطبيبة المتخصصة، بعد أن عاشت أهوالاً أخرى، غير تلك التي كتبت عن تفاصيلها داخل المغارة التي تحوّلت إلى مستشفى أثناء حرب التحرير؛ أهوال ستعيشها بعد استقلال بلدها، سنوات التسعينيات، بكل مآسيها؛ وتلك قصة أخرى.

رواية الكلمة المخنوقة لخليفة بن عمارة:

لم يكن نشر رواية: (La parole étranglée) أو الكلمة المخنوقة، لخليفة بن عمارة، سهلا في الثمانينيات؛ كانت المؤسسة الوطنية للكتاب، هي التي تحتكر عملية الطبع في الجزائر. في الحوار الذي أجريته مع الكاتب والمؤرخ خليفة بن عمارة، منذ نحو ثلاث سنوات؛ حدثني عن ظروف نشر روايته “الكلمة المخنوقة”، والصعوبات التي اعترضت نشرها.

في سنة 1988، أودعتُ لدى المؤسسة الوطنية للكتاب، مخطوطا لرواية جديدة باللغة الفرنسية، يحمل عنوان (chronique d’une forfaiture)، أي وقائع جريمة موظف.

تتناول الرواية عملية اختلاس ضخمة لأموال تعدّ بالملايير، قام بها مسؤول سامٍ، في إحدى ولايات الجنوب؛ تتحدّث الرواية بضمير المتكلّم. انتظرت طويلا، لم أتلق ردّا لمدة خمسة أشهر؛ وعندما اتصلت هاتفيًا، مستفسرًا عن مصير المخطوط لدى المؤسسة الوطنية للكتاب، التي كانت تحتكر عملية النّشر أيامها، أجابني مسؤول المؤسسة، بأنهم لم يحصلوا بعد على تقرير لجنة القراءة، وقبل أن يقطع المكالمة، قال لي مُعاتبًا باللغة الفرنسية: “لم يكن مستحسنا منك أن تكتب: “الحزب الواحد لم يعد إلاّ شبحًا لنفسه! “.

في نهاية شهر ديسمبر من السّنة نفسها، أرسلت لي المؤسسة الوطنية للكتاب تقرير لجنة القراءة: طلبوا مني تغيير العنوان “وقائع جريمة موظف”.

هكذا وقع الاتفاق على عنوان (La parole étranglée) أي الكلمة المخنوقة، في إيحاء ربما لحريّة الصحافة التي بدأت بوادرها تتحقّق يومها، ومما كُتب في تقرير اللجنة ما يلي:

“نشعر أن مؤلف الكتاب يملك موهبة السّرد، وأنه كاتب متميّز..”. ثم يضيف تقرير لجنة القراءة: “لكن هناك انتهاك في المخطوط ، للأخلاقيات المعنوية والسّياسية، من خلال 38 صفحة”.

«des atteintes à l’éthique morale et politique; dans 38 pages»


هكذا انتظرت إلى غاية سنة 1990، حيث تمّ الإفراج عن روايتي “الكلمة المخنوقة”، بعد نشرها من طرف المؤسسة الوطنية للكتاب، وقد أدرجت كتوطئة، في مقدّمة الرواية، مقطعًا من مسرحية للكاتب الروسي غوغول (مسرحية المفتش العام) حول الفساد الاداري.

موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب الطيب صالح:


“موسم الهجرة إلى الشمال” للكاتب السوداني الراحل الطيب صالح، واحدة من الروايات العربية الرائعة التي قرأتها في وقت مبكر، كانت متوفرة في المكتبات العمومية، ومتاحة للاستعارة.

أدهشتني لغة كتابتها وسردها وموضوعها؛ كانت من الروايات النادرة التي أعدت قراءتها أكثر من مرة.

رواية مشوقة من خلال استخدام خاصية الحكي والسخرية المواربة، واللغة البسيطة التي اختارها عن قصد الطيب صالح؛ هكذا يأسرك تشويق الحكي، تستمتع، وسرعان ما يغيب المعنى مع القراءة الأولى، وأنت تتابع مغامرات مصطفى سعيد، بطل الرواية القادم من الجنوب، وهو يغامر صوب الشمال بحثا عن المعنى.


لكنك مع القراءة الثانية أو الثالثة، ستكتشف أشياء عميقة لم يقلها التاريخ المدرسي، والوجه الآخر لصراع الشرق مع الغرب، لم تقرأها في الكتب العديدة التي تناولت “ببرودة” هذه القضية الحساسة.

“موسم الهجرة إلى الشمال” ستغنيك عن قراءاتك، وستعطيك مفاتيح الإحاطة بموضوع الصراع، من عمق واقع عاش أحداثه الطيب صالح بنفسه، حتى وإن لم يعترف صراحة بذلك.

بعد استمتاعي بقراءة رواية الطيب صالح، وإعجابي بها، سارعت إلى البحث عن رواياته الأخرى التي كتبها، لكن خيبتي كانت كبيرة لم أستطع أن أكملها، أقصد خاصة روايتيه: عرس الزين ومريود.

قد لا أضيف شيئا جديدا، إن قلت أن رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، نجحت كما لم تنجح رواية عربية أخرى، في مبيعاتها الهائلة وتعدد طبعاتها، وترجماتها، وكذلك الاهتمام الواسع بها نقديا وأكاديميا في جميع الدول العربية.

قرأت انه تم تحويلها إلى فيلم سينمائي، لكنني لم أشاهد الفيلم؛ ثم تابعت لقاءات إذاعية وتلفزيونية أجريت مع الطيب صالح، اكتشفت فيه، محدثا لبقا، وأديبا يحفظ الشعر العربي القديم عن ظهر قلب، وإنسانا سريع البديهة وصاحب نكتة مثلما هو حال الإنسان السوداني عموما.


اقتباس من الرواية:


“إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجّل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء”.

رواية تمر وقعمول للكاتب الليبي محمد الأصفر:

وصلتني من ألمانيا حيث يقيم الكاتب الليبي محمد الأصفر، روايته الجديدة : “تمر وقعمول”؛ كنت سعيدا بقراءتها، ليس لأنني كنت أعرف قيمة محمد الأصفر، من خلال مقالاته المتنوّعة، في الأدب والنقد والثقافة، التي كان يكتبها في كبرى الصحف والمجلات العربية؛ ولكن لأنني كنت أشعر ببعض العتب، لأننا في الجزائر لا نكاد نعرف شيئا عن ليبيا، البلد الشقيق الذي نتقاسم معه اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا، أقصد لا نعرف شيئا عن ثقافاته وإبداعه ومبدعيه، ما عدا اسما أو اسمين؛ هكذا اكتشفت أن الكاتب الليبي محمد الأصفر، ليس فحسب كاتبا متميّزا في كتاباته الصحفية، كما عرفته؛ بل عرفت أنه قاص وروائي، أصدر أكثر من عشر روايات. ولعل روايته الأخيرة “تمر وقعمول”.

وأنا أنهي قراءتها، أكدت لي أنه روائي مختلف ومتميّز، في سرده وأسلوب كتابته وثيماته المنتقاة بعناية؛ طريقته في الكتابة مثل طريقته في الحياة، كما قال “فهو ضد الرتابة والرصانة والاتساق والنظام والنص المحكم والأحداث الموضوعية”.

يقيم محمد الأصفر الآن في ألمانيا، انتقل إليها منذ أكتوبر 2016، لأنه فكّر أن الوضع الراهن في بلده، لا يتيح له التعبير بحرية، وهو الذي طال أعماله المنع والتضييق هناك، حتى أن كتبه جميعا طبعت خارج ليبيا، فليس غريبا أن يساند بمواقفه وقلمه ونضاله ووجدانه، الثورة الليبية، في إسقاط النظام البائد، قبل أن تنحرف الأحداث وتأخذ مجرى آخر.

الوقائع والأحداث التي عاشها الروائي، بأسى وحسرة وألم، في بلده ليبيا، والحنين الذي راوده بمقامه في ألمانيا، وهو يتذكر أشياء في الحياة عاشها وتفاعل معها، لا تزال راسخة في ذاكرته؛ هي التي ستؤثث المتن السردي للرواية، انطلاقا من العنوان بوصفه عتبة النص.

وإذا كنّا نعرف التمر ودلالاته ورمزيته، لكن ما هو القعمول؟ لعله نفس التساؤل الذي طرحته على نفسي، لكنني وجدت الإجابة عنه بالتفصيل في الرواية، عبر بعض صفحاتها:

“القعمول خرشوف برّي لا ينبت إلاّ في أرض برقة بشرق ليبيا، مثل النخلة لها سعف من شوك لكن لا ينتج عراجين تمر؛ ثمرة القعمول، تشبه الوردة لكن بتلاتها عبارة عن سعيفات خضراء تنتهي بشوكة، وللحصول على الجزء الصالح للأكل لابد وان تنزع البتلات بتلة بتلة، كي تصل الى قاعدة القعمولة، المغطاة بطبقة بيضاء، شبيهة بالشَّعر ينبغي أن تخرطها باسنانك قبل بدء مضغك لخير القعمولة واكلها بالشفاء والهناء (ص73).

ولقيمة وأهمية هذه الثمرة، تقام مهرجانات تحتفي بها المدن الليبية خاصة منطقة برقة، وبالتالي صار له رمزية خاصة في نفوس الليبيين:

“كل شوكة فيه ذاكرة عتيقة، قلم تدوين خالد، نعم هو يشعر بالغائبين، خاصة في أوقات الحروب، حيث يموت الشباب فيها بشكل عبثي، يشعر بهم حقا ويبكيهم، يمكنكم أن تشعر بمذاق الدمع وأنت تأكله، أيعقل أن يكون قلب القعمول يبكي؟ أيعقل أن يكون شوكه هو الآخر يبكي؟ نعم يمكن ذلك وهاهو حزن القعمول قد أثر فينا، جعل أجواء جلسة أكله مع الأصدقاء أو العائلة اقرب إلى الحزن منها الى المرح. بكاء الشوك أمرّ وأشدّ حرقة من بكاء الورد” (ص 74) .

رواية “تمر وقعمول”، رواية تحتفي بالجزئيات والتفاصيل؛ تحفر وتنقب وتبحث. مقسّمة إلى عدة أجزاء صغيرة معنونة، يمكنك أن تقرأ كل جزء كقصة قصيرة، يجمعها خيط دلالي مشترك. تقع في 134 صفحة، وقد صدرت حديثا بطبعة أنيقة عن دارالجيدة في الأردن.

رواية عطش للكاتبة اميلي نوثومب:


الروائية البلجيكية آميلي نوثومب ظاهرة أدبية مثيرة للانتباه، تتصدر روايتها الأخيرة “عطش” Soif المرتبة الأولى، ضمن قائمة الروايات الأكثر مبيعا في فرنسا والدول الفرانكفونية.

وتحقق روايتها إلى جانب ذلك استحسان النقاد ورضاهم؛

هكذا تكاد تحقق أعمالها جميعا معادلة المقروئية الواسعة والقيمة الفنية، وهي معادلة عسيرة وصعبة المنال، يطمح لتحقيقها جميع الروائيين في العالم.

روايتها “عطش”، مرشحة بقوّة للفوز هذه السنة بجائزة غونكور، بعد أن تم اختيارها ضمن القائمة الثانية.

يُعرف عن آميلي نوثومب غزارة الإنتاج، بمعدل رواية واحدة كل سنة، منذ أول رواية لها Hygiène de l’assassin والتي صدرت سنة 1992؛

ترجمها للغة العربية الكاتب والمترجم المغربي عبد الكريم جويطي، تحت عنوان “نظافة القاتل”، بترجمة جيّدة وجميلة.

وقد حققت هذه الرواية رغم أنها أول رواية لها، نجاحا باهرا، من خلال حصولها على عدة جوائز أدبية وتحويلها الى فيلم سينمائي وعرض مسرحي، تجسدت من خلالها موهبة الكاتبة البلجيكية، وتعدد معارفها في الفلسفة وعلم النفس والتاريخ وكذلك “قدرتها على الغوص في السراديب المظلمة للنفس البشرية.. كل ذلك بلغة حادة وقاسية ودقيقة في رسم مصائر الشخصيات”؛ كما كتب المترجم المغربي في مقدمة الرواية المترجمة.

رواية صديقتي المذهلة:

الدخول الأدبي في ايطاليا، شأنها شأن البلدان الأوروبية الأخرى، عبارة عن نشاط حثيث على جميع الأصعدة للاحتفاء بالأعمال الأدبية الجديدة؛ غير أن خبرا بصدور عمل روائي جديد في ايطاليا، أثار انتباه الجميع، ولفت كل الأنظار حوله في ايطاليا والعالم، مختزلا الدخول الأدبي في السؤال عن طبيعة هذا العمل الروائي الجديد لأشهر روائية في ايطاليا والعالم.. هكذا أعلنت دار نشر ايطالية أن الكاتبة الايطالية إيلينا فيرانتي (Elena Ferrante) ستصدر مطلع شهر نوفمبر القادم رواية جديدة، لم يفصح عن عنوانها وموضوعها.

إيلينا فيرانتي، هو الاسم المستعار لكاتبة ايطالية مجهولة الهوية، لا توجد لها صورة ولم يسمع لها صوت، ترفض تماما الظهور في الإعلام، ماعدا حوارات تجريها عن طريق الايميل بالتنسيق مع ناشرها؛ وقد باءت جميع محاولات التعرف عليها بالفشل. اشتهرت خاصة برواية تتألف من أربعة أجزاء تحمل عنوان «صديقتي المذهلة»، نالت استحسان النقاد واقبال القراء، فقد بيع منها أكثر من 10 ملايين نسخة في ايطاليا والعالم، وترجمت الى أكثر من 40 لغة.

صنّفت من أجمل ما أنتجه الأدب الإيطالي المعاصر واعتبرت “تحفة أدبية بكل ما في الكلمة من معنى”. الرواية تتناول حياة صديقتين من مدينة نابولي، تمتد تقلبات الحياة بينهما منذ الطفولة، إلى مراحل متقدمة من عمرهما، في إطار صداقة أبدية يعيشان من خلالها محنة الحياة وظروفها القاسية.

من حسن الحظ رواية «صديقتي المذهلة» مترجمة الى اللغة العربية بأجزائها الأربعة، من طرف المترجم السوري الشاب معاوية عبد المجيد مباشرة من اللغة الايطالية، بترجمة جميلة صدرت عن دار الآداب، وهي متاحة للتحميل.

رواية صغار ديسمبر للروائية كوثر عظيمي:

تبدو الروائية الجزائرية الشابة كوثر عظيمي، الكاتبة الوحيدة التي برزت بقوة في الدخول الأدبي الجديد في فرنسا، في غياب واضح للأسماء الفرانكفونية الجزائرية والمغاربية، من خلال روايتها الجديدة الصادرة حديثا والموسومة “صغار ديسمبر”؛ والتي يظهر أنها في طريقها لحصاد نجاح يضاهي وقد يتجاوز ما حققته روايتها السابقة:

“ثرواتنا”. هكذا تم هذا الأسبوع اختيار روايتها الجديدة ضمن القائمة الأولية لجائزة “رونودو”، وتم ترشيحها كذلك لنيل جائزة الرواية العربية التي يشرف عليها معهد العالم العربي بباريس.

رواية “صغار ديسمبر” رواية شيّقة، كتبتها صاحبتها بأسلوب سهل ومقتصد، تقول وجع البلاد، تسمي الأشياء بأسمائها، بعيدا عن الزخرفة اللغوية والتهويم؛ رواية تتحدث عن الفساد والثراء الفاحش، عن الحقرة والاستبداد وعن الوعي بامكانية تغيير الأشياء. تدور أحداثها في حي 11 ديسمبر بدالي ابراهيم في العاصمة، حيث تتواجد قطعة أرضية مهملة، استغلها الأطفال – في غياب تام لأماكن اللعب والترفيه- للاستراحة ولعب كرة القدم رغم حالتها البائسة.

فجأة ستأتي سيارة مصفحة، ينزل منها جنرالان بلباس مدني، يتأبطان مخططا لبناء فيلتين لهما؛ سيتفطن الصغار للأمر ويسرعون نحوهما، يدافعون عن الأرض باستماتة، لحد الاشتباك معهما، ستساندهم امرأة مسنّة مجاهدة، ستسخط وتندد وتضرب بعصاها بشجاعة.

ورغم الترويع باستدعاء الصغار للدرك للتحقيق، وتحذير أبائهم، لكنهم سيتجندون باستماتة للدفاع عن أرضهم.

للإشارة الروائية كوثر عظيمي هي ابنة الضابط المتقاعد والمعارض السياسي الدكتور أحمد عظيمي، لا شك أنه أفادها في كثير من التفاصيل المؤثثة لعملها الجديد؛ رواية تستحق القراءة والترجمة للغة العربية، يمكن على ضوئها أخذ فكرة عن نوع ناجح من الكتابات، يقول الأشياء دون لف ولا دوران، بإمكانها أن تبلور فكرة الى عمل سردي دون السقوط في أسر اللغة، والحشو الذي لا طائل من ورائه.

اغاثا كريستي والكتب الأكثر مبيعًا:

هناك أطروحة منتشرة بيننا كقرّاء وكتّاب، على أنها حقيقة مطلقة؛ هي أنّ الكتب الأكثر مبيعًا ورواجا، أو ما يطلق عليها “البيست سيلر”، مآلها الزوال السريع، وأنها ستنجح لمدة زمنية، ثم يطويها النسيان إلى الأبد ! لكن يبدو أنها أطروحة أثبت الزمن بطلانها؛ أو على الأقل بالنسبة لاغاثا كريستي الكاتبة الانجليزية الشهيرة.

هكذا قرأت هذا السبت في صحيفة بلجيكية، أن روايتها الشهيرة “عشرة زنوج صغار”، Ten Little Niggers بيع منها أكثر من 100 مليون نسخة، وبذلك تعتبر واحدة من أكثر الروايات مقروئية في التاريخ. كانت اغاثا كريستي قد كتبتها عام 1939.

أزيد من ثمانين سنة مرّت على تأليفها، ولا زالت تلهم، وتترجم ويعاد طبعها؛ حسب الجريدة هناك فيلم أمريكي يصوّر حاليا، اقتبس قصته من هذه الرواية، وهناك مسلسل جديد سيعرض هذا الأسبوع في قناة خاصة فرنسية، اقتبسه أيضا من هذه الرواية، تحت عنوان : “كانوا عشرة”.

وسبق أن تحوّلت الرواية إلى أفلام سينمائية ومسلسلات إذاعية وتلفزيونية في عدد كبير من بلدان العالم، من بينها مصر ولبنان وسوريا. كما أن الترجمة العربية للرواية، تعددت عناوينها، وهو ما يعني رواجها : “ثم لم يبق أحد”، “جزيرة الموت”، “أغنية الموت”، “واختفى كل شيء”.

تدور أحداث الرواية حول عشرة أشخاص، لا يجمعهم أي قاسم مشترك ولا انسجام بينهم، اجتذبتهم دعوة غامضة إلى جزيرة مقفرة معزولة، وفجأة وخلال تناول العشاء سمعوا صوتاً للمضيف المجهول، يتهم كل واحد منهم بارتكاب جريمة. سرعان ما يقتل أول المدعوين. التوتر يتزايد، حينما يلاحظ المدعوون، أن القاتل ليس إلا واحداً من بينهم، إنهم يتناقصون واحداً تلو الآخر؛ ثم … لم يبق أحد!

من منّا في مرحلة ما من مراحل حياته، لم يقرأ لملكة الروايات البوليسية، رواية من رواياتها البوليسية ؟ عندما طلب مني في ندوة أدبية، نصيحة للمبتدئين في القراءة برواية عالمية، قلت لهم :

عليكم بروايات أغاثا كريستي، سألني صديق يومها : كيف؟ أجبت: وهل تريدني أن أنصحهم بكافكا مثلا؟ أو مارسيل بروست أو وليم فوكنر مثلا؟ القراءة صعبة البدايات، وحتى تبلغ مرحلة الشغف، يجب أن تبدأ من السهل والمشوّق والمدهش.

رواية الخبز الحافي للكاتب المغربي محمد شكري:

كنت أسمع بالخبز الحافي، الرواية الشهيرة للكاتب المغربي الراحل محمد شكري، كان قد قرأها بعض من أصدقائي، باللغة الفرنسية في الثمانينيات، وحدثوني عنها، بعد أن كان قد ترجمها إلى اللغة الفرنسية الكاتب الفرانكو مغربي المعروف الطاهر بن جلون، تحت عنوان (Le Pain Nu). تأخر صدورها باللغة العربية، وهي اللغة التي كتب بها محمد شكري عمله المثير للجدل.

بعد ذلك صدرت النسخة الأصلية باللغة العربية؛ لم أتمكن من الاطلاع عليها، لأنها كانت ممنوعة. هكذا صارت أمنية قراءتها كالحلم، أمنية كان مستحيلا أن تتحقق؛ إلى أن ظهر الانترنيت، ولاحت معه بشائر الفرج بقراءة كل الكتب الممنوعة وغير الممنوعة؛ سرعان ما أتيحت الرواية للتحميل، ليقدم الجميع على قراءتها بشغف، بعضهم من باب “كل ممنوع مرغوب”.

بعد ذلك شاهدت الفيلم السينمائي المقتبس قصته من الرواية، من إخراج المخرج الجزائري المقيم في ايطاليا رشيد بن حاج. كانت مفاجأة غير متوقعة، كان يبدو صعبا تحويل الرواية بمشاهدها الجريئة إلى فيلم سينمائي. في هذا الفيلم يظهر محمد شكري، قبل وفاته بوقت قصير، وهو يزور قبر أخيه عبد القادر شكري، الأخ الأصغر الذي تبلغ نهايته الفظيعة ذروة المأساة.

الرواية ببوحها وسردها وتفاصيلها المثيرة، أحدثت ثورة في الكتابة في الوطن العربي، لم يتعوّد المتلقي العربي على قراءتها بهذا الشكل وبهذه الطريقة.

سيكتب محمد شكري في الرواية، مقدمة جميلة بلغتها الباذخة ومعانيها العميقة، اليكم هذا المقطع منها:

“صباح الخير أيها الليليون، صباح الخير أيها النهاريون.. صباح الخير يا طنجة المنغرسة في زمن زئبقي.. ها أنذا أعود لأجوس كالسائر نائماً عبر الأزقة والذكريات، عبر ما خططته عن حياتي الماضية /الحاضرة.. كلمات واستيهامات وندوب لا يلئمها القول.. أين عمري من هذا النسَج الكلامي؟

لكن عبير الأماسي والليالي المكتظة بالتوجّس واندفاع المغامرة، يتسلل إلى داخلتي ليعيد رماد الجمرات غُلالة شفافة آسرةً.. لقد علمتني الحياة أن أنتظر. أن أعيَ لعبة الزمن بدون أن أتنازل عن عمق ما استحصدته:

قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتماً طريقها. لا يهم ما ستؤول إليه، الأهم هو أن تُشعل عاطفة أو حزناً أو نزوة غافية… أن تشعل لهيباً في المناطق اليباب الموات.. فيا أيها الليليون والنهاريون.. أيها المتشائمون والمتفائلون.. أيها المتمردون.. أيها المراهقون.. أيها العقلاء:

لا تنسوا أن “لعبة الزمن” أقوى منا، لعبة مميتة هي، لا يمكن أن نواجهها إلا بأن نعيش الموت السابق لموتنا، لإماتتنا: أن نرقص على حبال المخاطرة نشداناً للحياة”.

رواية الربوة المنسية للكاتب مولود معمري:

اكتشفت الكاتب الجزائري مولود معمري (1917-1989) الذي تعود ذكرى رحيله اليوم 26 فبراير، من خلال فيلم “الأفيون والعصا”، للمخرج أحمد راشدي، والمقتبس من إحدى رواياته بنفس العنوان : L’Opium et le bâton؛ وهو واحد من أنجح الأفلام وأروعها في تاريخ السينما الجزائرية.

ثم بعد ذلك من خلال روايته الرائعة “الربوة المنسية”، الرواية التي أدهشت الأديب المصري الكبير طه حسين، وكتب عنها مقالا نقديا، نشر في كتابه “نقد وإصلاح”؛ حيث وصف هذا العمل، قائلا:

“كتاب رائع أشد الروعة وأقصاها، بحيث يمكن أن يُعَدَّ من خير ما أخرج في الأدب الناطق بالفرنسية أثناء هذه الأعوام الأخيرة، وإنْ كنتُ لا أعرف أنه ظفر بجائزة من هذه الجوائز الكثيرة التي تُمنَح في فرنسا، لكتب لا ترقى إلى منزلة هذا الكتاب روعة وجمالًا”؛ ثم يضيف عميد الأدب العربي قائلا، أن هذه الرواية “تقدّم دراسة اجتماعية عميقة دقيقة مفصَّلة مستقصاة، تصوِّر أهل هذه الربوة في عزلتهم تلك”.

في بداية التسعينيات، تم اقتباس رواية “الربوة المنسية”، في فيلم بنفس العنوان، من إخراج المخرج الراحل عبد الرحمن بوقرموح، ويُعتبر أول فيلم جزائري ناطق باللغة الأمازيغية.

عرف الفيلم تأخرا في إنجازه، لكن تجنّد سكان المنطقة وتضافرهم يومها، ودعمهم المادي والمعنوي للفيلم، سمح بإنهاء تصويره وعرضه.

يتميّز الكاتب مولود معمري إلى جانب التأليف الروائي، باهتماماته الأكاديمية المتعلقة بالتراث الأمازيغي عبر جميع مناطق الجزائر، إذ لم يقتصر اهتمامه على منطقة محددة في الجزائر، بل أنجز بحوثا انثربولوجية قيّمة، خاصة حول تراث أهليل قورارة، المنتشر في منطقة الجنوب الغربي الجزائري، وهو ما ساهم بعد ذلك، في إدراجه من طرف منظمة اليونسكو، ضمن التراث الثقافي اللامادي للانسانية.

رواية “الرّبوة المنسية”، رائعة من روائع الأدب الجزائري، تماما مثل “نجمة” لكاتب ياسين؛ اللاز للطاهر وطار، وريح الجنوب لعبد الحميد بن هدوقة. تستحق أن يقرأها الجميع، تدرّس في المدارس والجامعات، وتترجم الى جميع اللغات.

كتاب “معذبو الأرض” لفرانز فانون:

كتاب “معذبو الأرض” Les Damnés de la Terre لفرانز فانون، يعتبر أحد أهم وأشهر الكتب في العالم، التي تناولت بالتحليل ثورات التحرير ومسألة الاستعمار، متخذا من الثورة الجزائرية نموذجا. وهي الثورة التي لم يقف فرانز فانون، محللا ومنظرا لها فحسب، بل انضم إلى صفوفها مؤمنا بقضيتها وعدالتها. سرعان ما اختار الجزائر وطنا له وجنسيته، ودفن على أرضها؛ بعد أن تقلد عدة مناصب سياسية ودبلوماسية هامة في الحكومة الجزائرية المؤقتة.


كتاب “معذبو الأرض” يدرّس في كبرى جامعات العالم، هناك عدد لا يحصى من الطبعات، كما ترجم إلى عدد كبير من لغات العالم؛ ومما زاد الكتاب شهرة وقيمة فكرية، المقدمة الطويلة التي كتبها الفيلسوف الفرنسي الكبير جان بول سارتر.

ترجمه إلى اللغة العربية، أحد كبار المترجمين العرب في العصر الحديث: سامي الدروبي، رفقة جمال الآتاسي. وقد وقع اختيارهما على عنوان “معذبو الأرض”، بدل “المعذبون في الأرض”، حتى لا يقع الخلط – فيما يبدو- بينه وبين كتاب طه حسين المعروف.


غير أنه ولدوافع سياسية غير مفهومة، تم إهمال أعمال فانون بعد الاستقلال، بسبب انتقاده في هذا الكتاب، الأحزاب الثورية التي قادت معارك التحرير في إفريقيا، وتنبّأ بفشلها الذريع، بعد حصولها على الاستقلال، بعدما حذّر من اقتصار مهمّتها على حشد المناضلين في المناسبات الرسمية والأعياد الوطنية والمهرجانات الفلكلورية.

هكذا فهمت القيادة السياسية للبلاد آنذاك، كما يؤكد المؤرخ محمد الميلي من خلال كتابه القيّم “فانون والثورة الجزائرية”، أن الأمر يتعلق بحزب جبهة التحرير الوطني. لذلك سارع الحزب العتيد في التضييق عليه ومنع أعماله في فترة معينة من استقلال الجزائر، قبل أن يعاد له الاعتبار من جديد، بعد أن عرفوا – متأخرين- أنه كان فعلا على حق.
——
كنت اشتريت كتاب “معذبو الأرض”، من مكتبة مدينتي، طبعة المؤسسة الوطنية للفنون الجميلة في إطار سلسلة أنيس، التي نشرت أعمالا تراثية كثيرة بأسعار زهيدة. لكنني تفاجأت أن هذه الطبعة لا تتضمن المقدّمة المهمة التي كتبها الفيلسوف جان بول سارتر، ولا تشير كذلك للمترجمين السوريين: سامي الدروبي وجمال الآتاسي؛ وذلك قبل أن أعثر على الكتاب كاملا للتحميل، متاحا على النت بمقدمة سارتر، وترجمة الدروبي.

رواية أورليان المثيرة للجدل:

أثارت رواية “أورليان” الصادرة حديثا، للكاتب الفرنسي يان مواكس جدلا واسعا في فرنسا، وهي عبارة عن رواية سيرية أحداثها مستوحاة من وقائع حقيقية عاشها الكاتب عبر مراحل طفولته.

حيث عاش طفولة قاسية جدا مع أب لم يرحمه، كان يضربه ضربا مبرحا بسبب وبدون سبب، يغلق عليه داخل مرآب ويتركه هناك لأيام، وكان يعنفه ويشتمه دائما.

وعندما علم الأب بمضمون الكتاب، استشاط غضبا، وقام بتكذيب الوقائع جملة وتفصيلا، معترفا أنه كان صارما في تربيته لأبنائه، لكنه لم يكن يتصرف بعنف وهمجية كما ادّعى ابنه في الرواية. وسرعان ما رفع دعوى قضائية، باسمه واسم عائلته على ابنه كاتب الرواية.

وهي التداعيات فيما يبدو التي أسعدت الروائي، فقد ارتفعت مبيعات الرواية وصارت حديث الناس والإعلام. إلى أن حدثت المفاجأة التي لم يكن ينتظرها أبدا الروائي.

فقد عثر شقيقه الأصغر الذي كان ساخطا عليه مثل أبيه، على مخطوطات للروائي عندما كان شابا، تتضمن كتابات ورسومات تسخر وتتهكم من اليهود وتشكك في المحرقة.

كان شقيقه الأصغر يعرف – بمكره – أن لاشيء سيحطم مستقبل شقيقه الروائي المغضوب عليه عائليا من دون تهمة العداء للسامية.

هكذا أرسل تلك المخطوطات لمجلة فرنسية، التي سارعت في نشرها؛

ليبدأ الهجوم على الروائي وإدانته، وبعد أن كان يوصف بالروائي متعدد المواهب، ومستقبل الرواية الفرنسية، وينال الجوائز الأدبية، صار شخصا غير مرغوب فيه، الأمر الذي دفع الروائي مضطرا الى الاعتذار. هكذا لم يعتذر لأبيه وأمه وأسرته، مصرّا على تأكيد العنف الأسري الذي تعرض له، بينما اعتذر على رسومات كتبها في مراهقته ضد اليهود.

رواية “أورليان” وهو اسم المدينة الفرنسية مسقط رأس الروائي، رواية مثيرة تستحق القراءة، رغم بعض المبالغة في وصف العنف الأسري؛ تنقسم إلى فصلين، الفصل الأول عنونه:

“في الداخل”، ويقصد المنزل والأسرة، وفيه يحكي عن الجانب المظلم من حياته ممثلا في العنف المسلط عليه في المنزل العائلي، أما الفصل الثاني عنونه :

في الخارج؛ ويتحدث فيه عن الجوانب المضيئة في حياته من خلال المدرسة، التي سيكتشف في عوالمها ملكة الكتابة لديه، وتبرز مواهبه في الرسم والموسيقى، وفي تعرّفه على أصدقائه وأشياء أخرى جميلة، اكتشفها بعيدا عن الأسرة.
—-
رواية Orléans متاحة للتحميل عن طريق Epub

لقراءة المزيد من التحليلات الروائية:

https://art-analyse.com/category/%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%88%d9%85%d8%a4%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%86/%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%aa/

لقراءة المزيد حول رواية أورليان للكاتب الفرنسي, اضغط على الرابط:

http://sawtalahrar.net/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A/%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/%D8%B2%D9%88%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%86%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7.html

رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني:

من لم يقرأ “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، ضيّع الكثير من جمال اللغة والسرد والمعنى. رواية القضية الفلسطينية بامتياز، تقول الغبن والتشرّد والمأساة، في صفحات قليلة، لا تتجاوز 90 صفحة. رواية ناجحة من حيث المقروئية الواسعة التي حققتها، ومن حيث الترجمة إلى لغات عديدة في العالم.


قرأتها أكثر من مرة، وتأثرت كثيرا بمصائر أبطالها الثلاثة، ورغبتهم الملحة في الهروب إلى الكويت حيث النفط والثروة. شاهدتها كذلك، فيلما جميلا يحمل عنوان: “المخدوعون”، من إخراج المخرج المصري توفيق صالح، وقد حقق هذا الفيلم، مثل الرواية، نجاحا كبيرا.

أتذكر أنني اشتريت هذه الرواية من السوق الأسبوعي لمدينتي، نهاية الثمانينيات وبمبلغ زهيد: 20 دج؛ اشتريتها من بائع كتب متجوّل، يبيع كتبا مفروشة على الأرض، كما يفعل بائعو الأثاث والأواني. للأسف ظاهرة بيع الكتب في الشوارع والأسواق الشعبية، اختفت تماما، مثل جميع الأشياء الجميلة.

عندما اقترب ابو خزيران صاحب الشاحنة التي تقلّ الفلسطينيين الثلاثة مختبئين داخل الخزان، من الحدود؛ كانت شمس الصحراء محرقة لا تطاق، توقف أمام نقطة مراقبة، يحاول إمضاء وثائقه بسرعة، لكن تهكم الموظفين وسخريتهم منه لإمضاء الوقت معه، جعله يتأخر عن الالتحاق بالشاحنة؛ وسرعان ما اكتشف فظاعة المأساة.. وهنا تأتي عبارة غسان كنفاني الشهيرة، مختتما الرواية، على لسان سائق الشاحنة؛ الذي كان يصرخ، وهو في حالة هستيرية:

“لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟”.

هذه العبارة القويّة بدلالاتها وعمق معانيها، كتب يحللها عشرات النقاد العرب، وألهمت الفنان الفلسطيني الشهيد ناجي العلي، رسومات رائعة الجمال والمعنى.

0 تعليقات

    أترك تعليق