روايات مدهشة، إقرأها الآن في سنة 2021.


رواية صلصال إمراتين/ الكاتبة ميسلون فاخر

كيف يمكن للموتى، ان يعودوا متى شاءوا مستعيرين أجساد حية لحضور عوالم جديدة يعيشون عبرها حياة جديدة وتجارب مختلفة؟

عالمين مختلفين، يعيش بهما القارىء، في (صلصال إمرأتين)، في الرواية الثانية للكاتبة، (ميسلون فاخر)، عالمين من المأسي، عالم النحاتة الفرنسية كاميل كلوديل، ونسختها الثانية، العراقيـــة…

بشخصين فنيتين (رياض، و راوية) تستفتح الكاتبة روايتها، بقصة نحاتان عراقيان، عاشى، قصة حب، كجميع العراقيين اولاد الخائبات، انجبى، كاميل كلوديل، الفتاة، ذات الموهبة العالية، والتي هي نسخة عن النحاتة، الفرنسية الذي ذكرت انفاً…

تتسارع الاحداث، ويفنى الاب، في الحرب العراقية-الايرانية، وتفتح أبواب، الفواجع… من لحظتها… والى ان تنتهي بكاميل، في احدا مستشفيات، السويد، طريحة، بلا منقذ….

أوقات الرواية/ الحرب العراقية الايرانية، وما بعدها من حصار سنه (١٩٩١).

العوالم/فرنسا، العراق، روسيا، وانتهائاً بالسويد..

الفكرة/ كأفكار الكتاب العراقيين، الذين عاشوا الحقبتين، من الحرب..

الاسلوب السردي/ سهل ممتع، تدير الكاتبة، الحوار والاحداث بسلاسة، ومهارة عالية جداً، والاحظ ذلك في انتقالها مابين العوالم، الاثنين، وبين الماضي والحاضر..

اللغة/ عالية الجودة، وأَول رواية عراقية حديثة، لم أرى فيها الكلمات، (الشعبية)…

رؤيتي/ الاحظ في هذا الرواية وما قبلها، ولاحظت اكثر في هذه الرواية، ان الكاتبة، استعملت كلمات الاغاني، القديمة، والاشعار، بكثرة، كأغنيات فيروز، وهذا شيء متجدد، وألتفاتة رائعه..

رواية “سكوت، العارفة إيزابيل تتحدّث”

أنهيت قراءة رواية جديدة صدرت حديثا للكاتب الدكتور عبد القادر عميش، بطبعة أنيقة عن دار الأمل للنشر بتيزي وزو؛ عنوان الرواية : “سكوت، العارفة إيزابيل تتحدّث”. رواية مختلفة، في ثيمتها، في أسلوب كتابتها، وخاصة في سياق وظروف تأليفها؛ تكاد تشبه رواية “دم الغزال” لمرزاق بقطاش، ثمة قواسم مشتركة في الهاجس والتفرّد، والتجربة المعاشة؛ وكما أعلن بقطاش أن روايته تتناول “تجربة موت” عاشها بنفسه، وكتب عنها بدمه وجرحه ووجدانه؛ لذلك تبدو خارجة عن “المألوف السردي”.

يمكننا أن نصف رواية عبد القادر عميش، بأنها “تجربة جنون”، عاشها بقلبه ووجدانه وصدق أحاسيسه.

الدكتور عبد القادر عميش، أكاديمي محنّك، صاحب خبرة طويلة في التدريس الجامعي؛ أنجز العديد من الأعمال في الشعر والقصة والرواية والدراسات النقدية؛ عرف عنه الرصانة والحكمة وهدوء النفس، ولكنه منذ أن قرأ أعمال ايزابيل ايبرهارت (الرحّالة الأوروبية التي عشقت الصحراء الجزائرية) وتعرّف على مسار حياتها، أحسّ بشيء عميق يتسلل إلى كيانه، كما لم يشعر به في حياته؛ سيعثر في زيارة قادته إلى المغرب الشقيق، على الأعمال الكاملة لايزابيل مترجمة إلى اللغة العربية؛ ستغمره البهجة والسرور، سيشتريها رغم سعرها المرتفع، وسيترك كل شيء بين يديه، وسرعان ما ينكب على قراءتها بنهم شديد؛ وعندما يعود إلى بلده الجزائر، سيؤجل كل مشاريعه الأدبية والأكاديمية، وسيشرع في الكتابة عنها.

ثم تأتي اللحظة المفصلية، عندما يزور القنادسة في الجنوب الغربي الجزائري، من هناك سيكتشف زاويتها الزيانية، والأجواء الصوفية التي تعبق بنفحاتها المنطقة، سيتذكر زيارة ايزابيل للقنادسة، ونصوصها الجميلة عنها وعن سكانها الطيّبين وزاويتها؛ وهي التي أعلنت أمام الفرنسيين، افتخارها بأنها مسلمة، تنتمي إلى الطريقة القادرية.

هكذا سينعكس شغفه بالأجواء الصوفية بشكل جليّ وواضح، على لغة الرواية وسردها، مؤثثا بأقوال مأثورة لأقطاب الصوفية، يتصدّرهم شيخ المتصوفة: النفري، الذي يستهل مقولته كافتتاح لروايته:

“قال لي أكتب من أنت لتعرف من أنت… وقال لي الوقفة وراء ما يقال والمعرفة منتهى ما يقال”.

لم يكتف عبد القادر عميش بالكتابة عن ايزابيل، سينتقل إلى مرحلة أخرى تبدو مدهشة، هي مرحلة التجلي، كما يصفها، مرحلة الصدق مع الكتابة؛ سيطلق على منزله العائلي، بمدينة الشلف، اسم “ايزابيل ايبرهارت” في ذكرى رحيلها المصادف ليوم 21 اكتوبر 1904، وسيكتب اسمها بأحرف بارزة على باب المنزل، ويعلن ذلك على صفحته بجميع اللغات، التي كانت تجيدها ايزابيل ايبرهارت.

يقول على لسانها في مقطع اخترته من الرواية: “ثم التفتت جهتي وهي تشير بيدها الناصعة البياض التي تدفقت كشلال من نور جبهتي:

والآن .. فليسمح لي عزيزي وقرّة عيني، أن أنقل لكم هذا الخبر السّار، وأكشف لكم سرّا عظيما وعملا تاريخيا، سيخلد اسمي إلى الأبد؛ لقد شيّد لي عزيزي مقاما يليق بي، وسمّاه باسمي، سيكون محجًا لمريديي وأتباعي أحبابي. من كل أطراف الأرض وبطونها.

فمن قصد مقامي هناك، كمن قصد ضريحي في مقبرة سيدي بوجمعة بالعين الصفراء. وهكذا قد جسّد عزيزي وقرة عيني جنون تعلقه بي. وصدق محبته وإخلاصه، فالله الله درّك من مريد. وعندها صفق الفقراء وفي عيونهم دمع فرح وابتهاج. ثم رآها الجميع تخلع برنوسها وتلبسني أياه، وهي تكرر: هذا جزاء صنيعك وهذا جزاء وفاء المحب لحبيبه”.

رواية الفقراء لدوستويفسكــــــــــــي:

-العمل الادبي الأول للكاتب التي يتضمن الروايــــة الأولى له، وقد لاقت اعجاب العديد من النقاد في القرن التاسع عشر والى هذا اليوم، فهـــو الاديب الذي عرف عنه أنه سلط الضوء على الطبقة الفقيرة من المجتــــمع آنذاك، فأعماله امتداد للصراع الذي يلاقيه مجموعه الفقراء يوميا.

الرواية/ الفقــــراء، حيث في طيات الورق الأصفر المائل الى البياض، احداث الشخصيتين المركزيتين، (ماكار الكسيفيتش) والمتهالكة جدا الى حد اشفاق القارئ العاطفي (فيريانكا الكسيفنا) حيث جمعتهم شبابيك البنايات المطلة الى بعضها، في مدينة بيرسبورغ الروسيـــة، حيث بدأت من هناك الرسائل المرسلة والمستلمة، على يد (فيدورا) التي كانت تجمها علاقة سكن مع (فرفارا).

ادبيات الرسائل هي الصيغة التي جاءت بها الرواية، وافتقرت إلى الفصول المتعددة حيث حلت محلها الأولى.

تعدد الكلمات على لسان (ماكار) وبشكل ملحوظ كاد ان يشل حركة الرواية، في صفحة 220، كرر كلمــة (يا أميمتـــي) ست مرات، وكذلك (فريانكا! آه رباه! رباه!………) وعلى هذا الصياغ، في جميع صفحات العمل تقريباً، لعل القارئ من نوع الذين يبحثون عن جودة البناء السردي لا يحكمون من العمل الأول، لهكذا كاتب غير مجرى الادب العالمي.

الأسلوب السردي من حيث السهولة، فأنه سهل جدا لا يصعب على ابسط القراء، وكذلك لعبة الترجمة الجيدة دور كبير في تلك السهولة.

علينا ان نقر كقراء وناقدين، في المستقبل ان ادب الرسائل سهل مقارنتاً بأنواع الادب المعاصرة.

الرواية محاكاة لواقع الطبقات الدنيا من المجتمع الروسي، وما يعيشونه من بساطة، والملاحظ من ذلك اذلال للنفس وتصغيرها، ولا يرى الفقر على انه واقع حال، بل اذلال للنفس وشعور بالمهانة الى حد التفكير بالانتحار.

علينا ان نقر كذلك بعدم التوفيق باختيار الموضوع ونهايته والاحداث التي دارة بين كهل لا يقرب شيء لفتاة عزباء، أخوة او حب اخر، وانتهت بزواج الفتاة من رجل غريب وعدم تقبل (ماكار) بالأمر، وظل يبحث عن الامل المنقطع.

في وسط الرواية إلى بداية نهايتها، نلاحظ تطور السرد لدى الكاتب بما يسميه (أليغورية) أي الرمزية المرادفة عندنا، إلى انه يدور السرد في أسلوب البساطة المتهالكة.

وصف الراوي على لسان (فرفارا) الخـــــريف ، ( كنت احب الخريف، ذلك الفصل الذي تكون فيه سنابل القمح قد خضعت لعمليات التجميع والادخار مع نهاية الصيف، وكافه عمليات الحصاد والدروس قد انتهت، وحل أوان السهر في الاكواخ،……………هذه الغابة التي تكتسي في المساء غلالة لون ازرق مجلل بالسواد، حين يلفها في المساء على الخصوص، ذلك الضباب الرطب الذي تبدو من خلاله الأشجار، وكأنها كائنات عملاقة، أو أشبــــه بأشباح مخيفـــــة …….)، هذا هي الاستعارات البسيط والتشبيه الفقير الوحيد الذي جاء به الراوي وغرسة بين الســـــرد.

بقلم مبارك المبارك.

رواية ملائكة وشياطين لدان براون:

برع الكاتب الأمريكي (دان براون) في روايته (ملائكة وشياطين) التي سبقت روايته الشهيرة (شيفرة دافنشي). تدور أحداث رواية (ملائكة وشياطين) حول حربٍ بين العلم متمثلاً في الطبقة المستنيرة، والدين متمثلاً في الكنيسة الكاثوليكية. الرواية من ترجمة مركز التعريب والترجمة – نشر الدار العربية للعلوم.

في البداية شدَّ (دان براون) القارئ بمدخلٍ سرد فيه جريمة قتل لعالمٍ فيزيائي يعمل في مركز الأبحاث السويسري اسمه (ليوناردو فيترا) تمَّ اقتلاع عينه ووسمه في صدره بالنار بوسم الطبقة المستنيرة. ثم بعد ذلك استنجد مدير المركز (ماسيميليان كوهلر) بالأستاذ (روبرت لانغدون) المتخصص في تدريس الأيقونات بجامعة هارفارد، والمهتم بشأن الطبقة. اكتشف (روبوت لانغدون) أن سر اغتيال (فيترا) هو بسبب اختراع المادة المضادة التي تعمل عمل القنابل بقوة أكبر بمساعدة ابنته (فيكتوريا فيترا) العالمة في علم الفيزياء.

لاحقاً تلقى المركز اتصالاً من القاتل أخبر فيه (كوهلر) أن موقع المادة المضادة في مدينة الفاتيكان.
أرسل كوهلر فيكتوريا ولانغدون ليبحثا عن المادة المضادة وعند وصولهما وجدا أن الفاتيكان مشغول بتنصيب بابا جديد نظراً لوفاة البابا السابق. في حين كان الكرادلة الأربعة المرشحين للمنصب مفقودين.

استعان الفاتيكان بهذين الاثنين ليخوضا مغامرات متتالية مليئة بالإثارة والمفاجآت ومحاولات فكِّ شيفرة الطبقة المستنيرة بالاستعانة بقصيدة موجودة في كتاب (البيان) لغاليلو. وعلى أثر رموز القصيدة يتبارى لانغدون وفيكتوريا وطاقم من الحرس السويسري مع القاتل، لمحاولة إنقاذ الكرادلة الأربعة بعد تلقي السكرتير البابوي خبراً من القاتل باستيلاء الطبقة المستنيرة على هؤلاء الكرادلة وقتل البابا السابق.

في كل مرة كان القاتل يقوم بوسم كاردينال من الكرادلة الأربعة بوسمٍ مختلفٍ من أوسمة الطبقة المستنيرة بعد أن يختار مذبحاً من مذابح العلم الذي يمثل ذلك الوسم (التراب – الهواء – النار – الماء).
وعند وصول لانغدون وفيكتوريا إلى مذبح النار حاول القاتل قتل لانغدون الذي نجا بعد عناء بأعجوبة، ولكن تمكن القاتل من خطف فيكتوريا، وأخذها إلى مقر الطبقة المستنيرة.

في نهاية الأمر قتل لانغدون القاتل في موقع الطبقة المستنيرة (كنيسة التنور)، بعد أن أنقذ فيكتوريا فيترا من بين يديه بدون أن ينجح في أخذ معلومات من القاتل عن المادة المضادة. غير أنه أخبرهما بأن رئيس الطبقة المستنيرة سوف يقتل الحرس البابوي بعد وسمه.


ليواصل لانغدون من جديد مسابقة شبح آخر من الطبقة المستنيرة، ويُفاجأ بأن كوهلر المتوقع بأنه هو الذي يدير الطبقة المستنيرة قادم لمقابلة السكرتير البابوي. وعند وصول لانغدون إلى مكتب السكرتير وجده موسوماً بشعار الطبقة المستنيرة وهو مغمى عليه، والسيد كوهلر يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد اعتداء الحرس السويسري عليه لاعتقادهم أنه هو من قام بوسم السكرتير. وقبل أن يموت سلَّم لانغدون شريط فيديو.

حمل لانغدون السكرتير بمعية بعض الحرس البابوي بنقالة المرضى لإسعافه في مستشفى خارج الفاتيكان. وفي طريقهم إلى الهليكوبتر استعاد السكرتير وعيه وردَّد كلمات توحي بمعرفته بمكان المادة المضادة وأخبر الجميع أن الله قد كلمه!.. ثم هرول إلى داخل الكنيسة الكاثوليكية ونزل إلى باطن الأرض حيث مقبرة الموتى القديمة، يتبعه كل من لانغدون وفيكتوريا وبعض الحرس وكاميرا قناة (بي بي سي) لتنقل الحدث مباشراً على الهواء.

وصل السكرتير إلى مقبرة أحد الباباوات الأوائل وأخرج من القبر علبة بلاستيكية صغيرة بداخلها ومضة ضوئية خضراء، تشير الأرقام الموضوعة عليها إلى أن الزمن المتبقي للانفجار سبع دقائق.
أخذ السكرتير البابوي العلبة وهرول نحو الطائرة المروحية المعدّة لنقله إلى المستشفى وصعد عليها ومعه لانغدون وارتفع بها لأميال، وترك المروحية تعمل أوتوماتيكياً.

بعد خمس دقائق انفجرت الطائرة مكونةً بقعة ضوء كبيرة في السماء، متمددة خطفت الأبصار وبعثت حرارة عالية في الأجواء. خيم السكون والحزن على الحشد الذي كان حاضراً في لحظة الانفجار، وملأ احساس الفجيعة فيكتوريا على لانغدون.
بعدها بلحظات هبط السكرتير أعلى الكنيسة بمنطاد مع صلوات الحشد لله يطلب حماية الفاتيكان. فهتف الجميع باسمه واستبشروا لنجاته، بينما سقط لانغدون في نهر (التيبر) فاقداً وعيه لينقذه أحد أطباء مستشفى (تيبرينا) ويقوم بمعالجته.
قدَّمت الممرضة للانغدون الأوراق وشريط الفيديو الذي وجدته في سترته المبللة فأستمع لمشادة كلامية وطلب منهم نقله إلى (الكابيلا) الكنيسية وقامت الممرضة بنقله إلى هناك.

عرض لانغدون الفيديو أمام مجمع الكرادلة المجتمعين في الخلوة الانتخابية فكشف لهم أن الطبقة المستنيرة ما هي إلا أخوية بائدة وأن ملاك الكنيسة (السكرتير البابوي) هو نفسه شيطانها من خلال الفيديو المسجل.
بعدها برر لهم السكرتير البابوي سبب فعلته وقتله لأبيه بالتبني (البابا القتيل) وباقي الكرادلة، ثم أحرق نفسه أمام الملأ بزيت المصابيح الذي دهن به جسده وأشعله، فلقي حتفه بهذه الطريقة وأخرس الأفواه.

ختم دان براون روايته بزواج روبرت لانغدون بفيكتوريا فيترا التي كان مولعاً بها منذ البداية وقدَّم لهما البابا الجديد شعار الطبقة المستنيرة كشكر وتذكار لمساهمتهما في إنقاذ الفاتيكان وحفظ سره.
الجدير بالذكر أن الرواية مزودة بخريطة للفاتيكان وأن دان براون قد عكس كمية العمارة في تلك الدولة المكتظة بالمعالم التاريخية. بحيث أنك تجد نفسك أمام سراديب وممرات تحكي عن عبقرية الطبقة المستنيرة وتكشف عن كثير من أسرار الكنيسة وآثارها.

ما يتميز به أسلوب دان براون هو التشويق والإثارة وشدِّ انتباه القارئ لرسم فكرة معينة ثم يأتي لدحضها في لمح البصر.
رواية (ملائكة وشياطين) تحتوي على حبكة جهنمية تنبئ عن عقلية دان براون الجبَّارة التي تجرُّك جرَّاً للسير في أغوارها وكشف أسرارها والاستمتاع بها.

بقلم شموخ الحجازي – السودان.

رواية (منسي إنسان نادر على طريقته) للطيب صالح:

تعد رواية منسي من روايات السيرة الذاتية فهي تحكي قصة حياة (منسي) صديق (الطيب صالح) وحكاياتهما معاً، ولو أن الرواية احتوت على قصص تاريخية بطريقة سلسلة تتناسب مع الأحداث.
تبدأ القصة من وفاة (منسي) والخلاف حول دفنه؛ فهو قد كان قبطياً من صعيد مصر ثم أسلم بعد ذلك وتزوج للمرة الثانية من امرأة سعودية. أما زوجته الأولى فقد كانت أمريكية تزوج بها وهما في إنجلترا حينها كان يعمل في إذاعة (BBC) كممثل بأدوار ثانوية، وزوجته كانت تنتمي للطبقة البرجوازية فأقام معها في منزلها وتمتع بمالها.

كان (منسي) صاحب وجه ضحوك ودعابة حاضرة وصاحب حيلة لا تخطر على البال، وكان حسن المعشر يدخل قلب كل من يلتقي به فأحبه (الطيب صالح) حباً جماً وكان يسعد بتصرفاته ويحس بأنه أبوه الروحي من شدة ارتباطه الوثيق به لذا كان هذا الكتاب

وكان لمنسي باع في اللغة الإنجليزية مما خوله لأن يكون دبلوماسياً في التعامل مع الإنجليز. كما أنه يتمتع بخاصية الماء فهو يتشكل على حسب البيئة التي يوجد فيها. فعندما يذهب لأهله في المملكة العربية السعودية كان يرتدي الدشداشة والغترة والعقال، وعندما يعود لبلاد الغرب يرتدي زيهم ويتحدث لغتهم. ويحمل ثلاثة أسماء فهو (منسي) عندما كان قبطياً، و(أحمد) عندما أسلم، و(مايكل) في جوازه الأمريكي.

وفي أحدى المحاضرات التي أقيمت في جامعة أكسفورد والتي اجتمع فيها العرب واليهود عن بكرة أبيهم لأول مرة كان المحاضر الدكتور (توبيني) قد تحدث عن اضطهاد الأوربيين لليهود في الماضي وصلبهم في الشوارع، وتعجب كيف لشعب سبق له أن عانى أن يفعل ما يفعله بالفلسطينيين اليوم. وأيضاً تحدث عن القضية الفلسطينية بحيادية وقال إنها شر يقوده شر ودعى للتسامح وإفشاء روح السلام في أثناء حديثه. ومع اندماج المستمعين وقف منسي بطريقة درامية وألقى نظرة فاحصة للحضور، ثم دار نصف استدارة نحو المحاضر وقال بصوت جهور مليء بالفخر:

«برووفيسوور تأأنبي… إنني استمعت إلى محاضرتك القيمة باهتمام بالغ، ووجدت فيها أشياء كثيرة تدعو للتفكير. وأود بادئ ذي بدء… أن أشكرك جزيل الشكر… بالأصالة عن نفسي… والإنابة عن الحاضرين… وأظن أنني أعبر عنهم جميعهم حين أقول… إنها كانت محاضرة قيمة… ومفيدة جداً… ولكن اسمح لي أن أقول… أنني دهشت حقاً…أن أسمع مؤرخاً مثلك… مؤرخاً عظيماً مثلك، ليس معروفاً عنه أنه معادي للعرب… بل لعلنا نحن العرب نعدك واحداً من أصدقائنا… نعم، أدهشني قولك… أن العرب طول تاريخهم… أساءوا معاملة اليهود اضطهدوهم وعذبوهم…».

نظر إليه الكل مذعورين وسرت همهمة في الحضور. فأجلسه (الطيب صالح) بعد شد، وبدت على الدكتور (بوينتي) علامات الخيبة فأحس بعدم إيصال فكرته كما يود. وبعد انتهاء المحاضرة سأل (الطيب صالح) (منسي) عن سبب قوله لما سبق مع تعارضه لحقيقة كلام البروفسور، فقال له إنه غفى أثناء المحاضرة ولم يفهم الحديث.


كان منسي محباً للسفر، والطيب صالح بحكم عمله كان كثير الأسفار وفي معظم رحلاته كان منسي مرافقاً ومساعداً له في عمله بحكم دهائه، وعندما حاول (الطيب صالح) الحصول على فيزا للدخول لأستراليا رفض رئيس القنصلية منحه التأشيرة إلا بعد أسبوعين، فخرج الطيب صالح غاضباً وكان منسي في صحبته ينتظره خارج مكتب المدير، فلما غادر الطيب صالح القنصلية دخل بعده منسي للمدير مستخدماً جوازه الأمريكي باسم (مايكل) وبعد زمن ليس بالقليل اتصل سكرتير المدير ليطلب من (الطيب صالح) الحضور لأخذ الفيزا. وهذا كله لأن منسي أخبر المدير بأن (الطيب صالح) رجل ذو شأن في قطر، وأنه كاتب مشهور وذائع الصيت.

كان (منسي) فقيراً معدماً، ظل يعمل بدأب إلى أن صار صاحب شركة للسياحة ومباني ومدارس لتعليم اللغات وسيارات، ورجل ذو مال وأعمال.
في محاباته للجاليات العربية استطاع أن ينتحل شخصية ممثل العرب في إحدى مقابلات الملكة في قصر بكنغهام وفتح معها حديث مطول. وكان (الطيب صالح) شاهداً على تلك الأمسية التي انتهت بسلام. وعندما انكشف أمر (منسي) استيقظ في صباح اليوم التالي في بيته على وجوه رجال غلاظ حملوه إلى السجن بتهمة التجسس لصالح مصر. وفي مصر اُتهم بالتجسس لصالح بريطانيا، لينتهي الأمر بإخلاء سبيله بعد أن اتضح لهم أنه إما أحمق أو مجنون. وغيرها الكثير من القصص العجيبة والطريقة في آن واحد.


في الرواية يخاطب (الطيب صالح) الإنسان فهي تحمل مضمون الدعوة إلى التصالح والسلام ونبذ الحروب. إضافة إلى السيرة الذاتية. وتتخلل الرواية أبيات شعرية تتوافق والمشهد كما تحمل وصفاً للأماكن التي زارها (الطيب صالح) برفقة (منسي) وطرائف (منسي) وقصصه الممتعة.

وهي من الروايات التي تستحق القراءة فهي بسيطة وسهلة تجذب القارئ إلى معالمها وتجبره على تتبع أحداثها. كيف لا وهي للكاتب السوداني الأشهر (الطيب صالح) صاحب رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) المختارة ضمن أفضل مائة رواية عالمية.

بقلم شموخ الحجازي

رواية الغول البهي للكاتب العراقي عمار الثويني:

-الى اين ياخالة؟ سالها الشرطي
-اربد ان اقف مع عائلات الضحايا، لانني فقدت ابني
-اي واحد منهم خالة؟ فضحايا هذا المجرم كثيرون
ستعرف بعد الاعدام

هذه الكلمات ستكون محل الشاهد في رواية الغول البهي.

سلمان شخصية من عائلة عراقية تضافرت عليها الاقدار لتنتج للمجتمع شخصيات غير محترمة باعين الناس
شخصيات متملقة وصولية انتهازية لاضير ان مارست الجريمة في سبيل تحقيق بعض مصالحها

ولكن هل نستطيع ان نتجرد ونسال انفسنا كيف وصل المجرم الى هذه المرحلة من الاجرام.
هل نستطيع بعد دراسات معمقة ان ننجح في سبيل اصلاح الصفة الاجرامية لدى الفرد.

بهذا المشهد وبمشهد إعدام المجرم يفتتح روايته ومن ثم بطريقة الفيدباك يتسلسل ليروي لنا بصيغة الكاتب العليم كيفية نشوء هذه الاسرة ووصولها لمدينة الكرامة وكيف استطاعت ان تثبت وجودها بين سكان المدينة واهاليها.

من بين الظروف التي استطاعت ان تنمي النفس الاجرامية للمجرم هي الحروب ومااحتوته من مشاهد دموية وقتل للانسان بدون اي معنى
فكل فرد يرجع من الحرب ننظر له انه سالم جسديا ولكننا نغفل عن روحه التي اصيبت بالعشرات من الامراض بسبب المشاهد التي شاهدها واكتنزها في عالمه الواعي واللاواعي على حد سواء.

الابرياء مجرمون والمجرمون ابرياء
نعم قد تداخل الظروف فيما بينها لكي تتبادل الصفات بين المجرم والبريء استطاع الكاتب ان يجعل القاريء في صعوبة من امره في تحديد ايهما مجرم وايهما بريء
كل شخصية لها اعمالها السيئة والحسنة وبتغلب احدهما على الاخر تنتج الشخصية الخارجية التي على اساسها نصدر احكامنا عليها
فالذين تم قتلهم على يد سلمان المجرم هم ليسوا ابرياء انقياء مئة بالمئة
وانما لهم اعمالهم الشريرة التي لم يدخروا جهدا في سبيل استغلال المجتمع للوصول الى غاياتهم الدنيئة.

. بدون ان اتعمد لحرق الاحداث ولكن بعد الانتهاء من احداث الرواية سترى نفسك في حيرة اذا اردت ان تصدر حكما هل ستقوم بادانة سلمان المجرم ام ضحاياه ام الاقدار التي جعلت منه مجرما ومهووسا بالدم والقتل. بمتلازمة رينفيلد.

هذا العمل سيجعلك تستشعر حرارة الجو ورطوبته في تلك المدينة المجهولة بين بيوتها الطينية البسيطة وبساطة العيش قبل وجود عالم النت والتواصل الاجتماعي.

هنالك الكثير من الاعمال التي استطاعت ان تغير احكاما اجتماعية وقانونية وغيرها
فهل ستاخذ هذه الرواية مكانتها بين الاعمال الروائية المتميزة.

بقلم اثير جليل ابو شبع

كتاب الذكريات تأتي للقائي لادجار موران:

أنهيت هذا الأسبوع قراءة بعض الفصول من كتاب مهم، لواحد من أبرز الفلاسفة وعلماء الاجتماع المعاصرين في العالم: ادغار موران (1921)؛ وهو أحدث إصداراته التي بلغت المائة تقريبا. الكتاب يحمل عنوان “الذكريات تأتي للقائي”، في الكتاب وقائع تاريخية عاشها الفيلسوف في طفولته وشبابه؛ ليس هناك تسلسل في سرد الأحداث أو أفضلية، بإمكانك مع مثل هذا الصنف من الكتب أن تقرأ فصولا، ترى أنها تهمك بشكل أو بآخر، وتؤجل قراءة أخرى أو لا تقرأها.

يقول موران في مقدمة الكتاب: “هذه الذكريات لم تأت بترتيب كرونولوجي، كما هي العادة مع الذكريات. جاءت لمقابلتي حسب الإلهام وحسب الظروف. ذكريات تارة تستدعي بعضها البعض، وتارة أخرى تخرج بعضها الآخر من النسيان”.

كتاب لا يشبه السيرة الذاتية، هو عبارة عن اختيارات عفوية، متباعدة في المكان والزمان، للحظات علقت بذاكرته، عبر مسار طويل لحياته، استعادها وهو في هذا السن المتقدم من العمر.

هكذا احتلت الجزائر مساحة معتبرة من اهتمامه في كتابه، هناك فصل خصصه للحركة الوطنية والثورة الجزائرية. تحدث مثلا عن الظروف المحيطة بأول بيان ساهم في صياغته في بداية الثورة، رفقة عدد من المثقفين ذكر أسماءهم، من أبرزهم :

فرانسوا مورياك، انريه بروتون، سارتر.. البيان ضد السياسة الاستعمارية ومع استقلال الجزائر. تحدث كذلك في الكتاب، وبإسهاب، عن الزعيم مصالي الحاج، الذي وصفه بأب الوطنية الجزائرية، المطالبة باستقلال الجزائر منذ سنة 1927. كما أن زوجة مصالي، كما كتب، هي التي صممت أول راية جزائرية سنة 1937، والتي سرعان ما تبنتها جبهة التحرير الوطني كراية وطنية… وأنه خلال 37 سنة، بين سنة 1937 ووفاته، قضى مصالي الحاج 22 سنة بين السجن والإقامة الجبرية.. قال الفيلسوف موران:

في اجتماع صغير سمعته يقول، بصوت خافت: “ما كنت أريده دائما، أن أعطي للشعب الجزائري…”، ثم ارتفع صوته فجأة بشكل مذهل: “أن أعطي للشعب الجزائري الكلمة”. ثم تحدث موران، عن النزاع الذي وقع سنة 1954 بين مصالي واللجنة المركزية واتهامات المركزيين لمصالي، بأنه يريد رئيسا مدى الحياة وفرض الاستبداد، وعبادة الشخصية.

يذكر موران، انه التقى بن بلة عندما كان لاجئا سياسيا، وعبر له هذا الأخير عن ندمه على العنف ضد المصاليين. وبعد سرد لأحداث تاريخية متصلة، يخلص ادغار موران، إلى القول أن مصالي تعرض في بلده للجحود والنكران، رغم كل التضحيات والانجازات التي كرس حياته من أجل تحقيقها لوطنه.

في فصل آخر يتحدث عن الداعية الإسلامي طارق رمضان، وعن الكتاب الذي أنجزه معه في إطار حوار الحضارات؛ والهجوم الذي تعرض له الفيلسوف بسبب حواره معه ودفاعه عنه.

في الكتاب أشياء كثيرة عن التاريخ والسياسة والأدب والفلسفة، كتبها بأسلوب بسيط، مختلف عن كتاباته السابقة المؤثثة بالمصطلحات الفلسفية، استعاد تفاصيلها بذاكرة قوية، رغم أنه في نهاية العقد التاسع من العمر.

writer by boudaoud amier.

كتاب الأمير: مسالك أبواب الحديد” للاعرج واسيني:

في ذكرى وفاة الأمير عبد القادر
رغم مرور أزيد من قرن على وفاته، لا يزال الأمير عبد القادر، مصدر إلهام، وإلى اليوم، للكتّاب والأدباء والشعراء والفنانين في الجزائر والعالم، هذا الرجل العظيم لم يكن مجاهدا في سبيل الله والوطن فحسب، ولم يكن رجل دولة فحسب، بل كان أيضا شاعرا فصيحا في زمن تفشت فيه الأمية، ورجلا صوفيا معتدلا ومتسامحا، قلّ نظيره في العالم الإسلامي.

من بين أبرز الأعمال الأدبية المنجزة عنه في السنوات الأخيرة، ثلاثة أعمال مهمة، أتيح لي قراءتها: “كتاب الأمير” للاعرج واسيني، “عيون منصور” لرياض جيرو، “الليلة الأخيرة للأمير” لعبد القادر جمعي.

“كتاب الأمير: مسالك أبواب الحديد” للاعرج واسيني، حققت هذه الرواية الصادرة عن “دار الآداب” في بيروت، من النجاح في المنطقة العربية، ما لم تحققه روايات أخرى للكاتب، تعددت طبعاتها، وحظيت بمقروئية واسعة، ونالت العديد من الجوائز الأدبية، على رأسها جائزة الشيخ زايد للآداب وكذلك جائزة المكتبيين الجزائريين.

كما تم اختيارها ضمن مشروع عربي تحت عنوان “كتاب في جريدة”، يتيح للقارئ العربي قراءة روايات عربية متميّزة، مجانا، مرفقة كهدية، مع جريدة من الجرائد العربية. يعتبرها واسيني الأعرج: “أول عمل روائي عن الأمير عبد القادر الجزائري”، ويؤكد أن التاريخ ليس هاجسها، “فهي لا تتقصّى الأحداث والوقائع لاختبارها، فليس ذلك من مهامها الأساسية، هي تستند فقط على المادة التاريخية، وتدفع بها إلى قول ما لا يستطيع التاريخ قوله”.


العمل الثاني باللغة الفرنسية عنوانه: “عيون منصور”، صدر في فرنسا والجزائر، لرياض جيرو؛ وهو كاتب جزائري من أصول فرنسية، أستاذ الرياضيات ويقيم في الجزائر. نالت هذه الرواية نجاحا كبيرا، لم يتوقعه مؤلفها. هكذا افتكت جائزة آسيا جبار سنة 2018، كما نالت جائزة الاكتشاف الأدبي في فرنسا سنة 2019، وهي الجائزة الوحيدة التي نالها كاتب جزائري ومغاربي في هذه السنة، بحيث أنقذ الأدب الجزائري والمغاربي الناطق بالفرنسية، من خيبة الخروج دون جائزة أدبية، رغم توافر الكثير من الروايات. سيخصص رياض جيرو للأمير مساحة واسعة في سرد الأحداث، مسترجعا تاريخه الحافل بالمحبة والتسامح الديني. ستنتصر الرواية للإسلام الصوفي الذي تبناه الأمير عبد القادر من خلال كتاباته ومواقفه المعروفة، في مواجهة المذهب الوهابي المتشدد.

العمل الثالث باللغة الفرنسية عنوانه: “الليلة الأخيرة للأمير” للكاتب عبد القادر جمعي. في هذا الكتاب معلومات تاريخية مهمة وجديدة، استطاع الكاتب أن يصل إلى الأرشيف في فرنسا، حيث يقيم الآن. ويبحث وينقب ويعرضها على القارئ بطريقة سلسة بعيدا عن التناول التاريخي الجاف، في هذا الكتاب ستكتشف أن الكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هوغو صاحب “البؤساء”، كتب قصيدة في مدح الأمير، والشاعر الفرنسي الكبير آرثر رامبو أيضا.

الكاتب عبد القادر جمعي، أصيل مدينة وهران، كاتب غزير الإنتاج، ورغم أنه كتب أعمالا مهمّة، لكنه لم ينل حظه من الشهرة لسبب أو لآخر. من بين جميع أعماله، اشتهرت رواية له تناولت المقابلة الودية التي جرت في ملعب وهران، وشارك فيها اللاعب البرازيلي الشهير بيليه، وقد تصادفت مع الانقلاب على الرئيس بن بلة. إلى جانب هذا العمل التاريخي: “الليلة الأخيرة للأمير”، والذي عرف اهتماما لا بأس به، بحيث تعددت طبعاته في الجزائر وفرنسا.

بقلم بوداوود اعميار.

رواية أزمنة الترحال والعودة للكاتب السوداني (الحسن محمد سعيد):

تحكي هذه الرواية عن حقبة الستينيات من القرن الماضي، يستهل فيها الكاتب بعودة بطله (معروف) من المهجر لعلمه بمرض استاذه وأبيه الروحي (شعيب) والذي يقاسمه البطولة في هذه الرواية.

بعد ملاقاة معروف لأستاذة وعندما احتضنت قدماه أزقة الخرطوم وحواريها بدأ الذاكرة وسرد أحداثها بادئ بالمقال السياسي الموجه ضد الدولة والذي كان سببا في فصله من هيئة التدريس وهجرته من بلاده وتركه لمنظمة عطبرة التي تحتوي على أصدقائه المفكرين، والذي لولا حماية (شعيب) لأودى به إلى السجن الحتمي ثم فترة كئابته التي أعقبها إنتقاله إلى نيجيريا والعمل فيها كمدرس بإحدى جامعاتها، وإلتقائه ب(جيني) الطالبة الاسكتلندية والتي لها سابق معرفة ب(شعيب) فقد أقامت مع والدها الذي كان يعمل بالسيلك الدبلوماسي فترة من الزمان بالسودان إضافة لكونه عالم إنثربولجيا فقد إهتم بأصول الإنسان وساعده شعيب بالمعلومات في تأليف كتاب عن الأنقسنا في غرب البلاد وحكت له عن مغامرتها الميدانية التي دامت ثلاثة أشهر برفقة الرجلين وأعربت عن حبها لأولئك النفر الذين ينتمون للمكان ، ربما وجدت في (معروف) شيء منهم لذا أوقعته في حبها وغذت فيه روح الحماس والعطاء ف(معروف) الصحفي والكاتب أصبح بفضلها رساماً بعد أن كان هاوي للرسم، وعاش معها أجمل قصة حب كانت زاده في غربته وترياق لجروحه .


توافدت على (معروف) الأخبار السيئة من بلده وقرر بعدها المغادرة إلى لندن، عانى فيها الأمرين إلى أن ثبت أقدامه هناك، ثم بعد فترة من الحنين لبلده السودان المحموم بهمه وقضاياه التي كان متابعا لها عن بعد، والحنين ل(جيني) المترع بحبها قرر الذهاب إلى أسكتلندا موطنها الأصل لعله يشفي أنينه على معشوقته مقطوعة الأخبار ويلقى في بلادها الصدر الرحب الذي عهده منها،وفي طريق الذهاب أعد له القدر مفاجأة على طبق من ذهب إذ جلس بالقرب منه الطبيب السوداني (يونس) والذي يقرب (شعيب) بصلة الدم فهو وشعيب من غرب السودان بينما (معروف) من شماله، إستقبله يونس في بيته وساعده في إفتتاح معرضه الذي قوبل بالفشل، تنقل بعدها في عدد من المدن إلى أن إلتقى ب(روميو) والذي تلقى أخباره من صديقة (يونس) الصحيفة (مرسيدس) والتي عملت على نشر مقالات بخصوص رسوماتها فذاع صيته هناك ، خصوصا بعد أن عمل مع (روميو) الذي سأله في أن يستخدم لوحاته في مسرح (اللا معقول) وقد فعل.

كان (روميو) معجبا ب(معروف) فحكي لأصدقائه عنه، وعرفه على (سف) الممثلة المسرحية التي حاولت جاهدة أخذ مكانتاً في قلب (معروف) ونجحت.

بينما كانت (سف) في لحظة حميمية مع (معروف)،غشاه خيال أستاذه الذي ما فتئ في الحضور وقت الكره قبل الفرح وراح يكلمها عن (شعيب) ومناقبه وبطولاته، إقترحت عليه أن يكتب مسرحية عن (شعيب) ووافق وباشر بالعمل وقد لقي ترحيب من (روميو) صاحب المسرح، قبل أن تكتمل كتابة المسرحية أتاه نبأ وفاة (شعيب) غير المؤكد.
(شعيب) أنيس وحدته في الحل والترحال، وجليس روحه ومرشده الحاضر فيه، كسا الحزن قلبه وأسودت أوقاته، فهرول للخرطوم، وجده في المستشفى الحكومي غير المؤهل، كان على قيد الحياة، نقله فورا إلى مستشفى السلام الخاص، إتضح فيما بعد أنه لدكتور (يونس).

تعافى (شعيب) وأخبر (معروف) عن مجيئ (جيني) إلى السودان بعد وفاة والدها بسبب الخلافات القبائلية التي حصلت في نيجيريا وما ألم بها من حزن.


عرض على(شعيب) البقاء في بيت أهداه له (د. يونس) مجاور للمستشفى مع الالتزام بكافة المصاريف، وعرض عليه صديقه عبدالباسط الذي باع قضية الوطن العيش معه فوبخه الجمع الذين كانوا حول (شعيب)، بعد لقط وهرج حول مكان عيشه، إتخذ القرار الحاسم وعاش مع (معروف) في بيته بل وعمل على ترجمة كتبه التي نشرها في غُربته بلغة الغرب، وقد لم (معروف) شمل أصدقائه المناضلين الذين كانوا يساندونه عند رحيله.

إنتهت الرواية بقدوم (د. يونس) لزيارة (شعيب) ومباشرة (معروف) في إستكمال المسرحية باللغة العربية هذه المره.

أزمنة الترحال والعودة رواية مليئة بالأحداث التاريخية والمواجع التي تحكي عن معاناة الشعب وجبروت الحاكم، وتبدل الأحوال كما أنها تعكس أخلاق الشعب السوداني وإلتفافهم حول قياداتهم المتمثلة في شخصية (شعيب) ، وتحكي أيضا عن غربة الروح وغربة الجسد، وما يلاقيه المهاجرين من معاناة ووحشة في منافيهم، وحكت عن علاقة السودان بمصر وسياسة المستعمر تجاه السودان، ورفض التفرقة العنصرية وآكدت على ضرورة السلام، الوحدة ونبذ الإنقسام.


وقد علا فيها صوت الراوي كبطل ثالث ومعقب على الأحداث، وثائر على ما يحدث في تلك الأزمنة، كما لمحتُ في الرواية طيف( خالد بن طوباج) الرسام الجزائري في رواية مستغانمي( ذاكرة الجسد) الذي رسم حبيبته عارية كما فعل (معروف) وكان أيضا ثائرا، رغم ميول الراوي لتشبيه بطله ب(مصطفى سعيد) في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)، أيضا قد لاحظتُ مغالاة الكاتب في الحديث عن الوطن وبث لواعجه في الرواية مما جعل الأفكار تتسرب منه في لحظة ما، فيصيب القارئ شيء من التوهان.
وقد كتبت الرواية بلغة شاعرية عالية المستوى وكاملة الجمال.

بقلم شموخ الحجازي.

روايات جزائرية:

الرواية الجزائرية عموما، شهدت سنة 2019، انتعاشة كبيرة، سواء من حيث الوفرة أو من حيث القيمة؛ هناك عدد كبير من الروايات صدرت هذه السنة، من الواضح أن عددها أكبر بالمقارنة مع السنوات الماضية، يبدو التقدير جليا في ضوء إعلان دور النشر الجزائرية عن إصدارتها الجديدة، خاصة خلال الفترة التي تسبق موعد انطلاق الصالون الدولي للكتاب؛ كم عددها؟ كم عدد الأعمال الروائية الصادرة لأول مرة؟ ما هي أكثر دور النشر إصدارا؟ ما هي أكثر الأعمال مبيعا؟ ما هي الثيمات الغالبة على الروايات في مجملها؟

هي أسئلة وأخرى، لن نحظى للأسف بإجابات وافية ودقيقة عنها، في غياب منظومة ثقافية جادة تواكب هذا الزخم، وعلى رأسها المجلات الثقافية والأدبية تحديدا. رغم كل شيء، شهدت الرواية الجزائرية قفزة نوعية من حيث التتويج والتألق على مستوى الجوائز العربية الكبرى، خاصة الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، والتي تعتبر أهم وأبرز جائزة للسرد العربي، يتطلع إليها ويطمح إلى التتويج بها جميع الروائيين في المنطقة العربية.

هكذا بلغت أربع روايات جزائرية القائمة الطويلة، وقد جرى اختيارها من بين 128 رواية تقدّمت للجائزة؛ ولعلها سابقة أولى من نوعها في السرد الجزائري لم تقع من قبل؛ الأمر الذي يؤشر إلى وصول روايتين على الأقل للقائمة القصيرة، حسب المختصين، ومن المرجح أن تحقق الرواية الجزائرية حضورها في التتويج، بجائزة أدبية مرموقة لم يسبق أن نالتها من قبل رواية جزائرية.

من بين الروايات المدرجة ضمن القائمة، رواية “حطب سراييفو” للروائي الجزائري الشاب سعيد خطيبي، والتي أتوقع لها الذهاب بعيدًا في التتويج بهذه الجائزة؛ تطرح هذه الرواية، التي قرأتها بإعجاب، سؤال الهويّة، وتقارن بين وضعين يبدوان مختلفين جغرافيا، لكنهما في الواقع متقاربين إنسانيا:

ما معنى أن تكون جزائرياً ؟ لماذا وصلنا إلى لحظة العنف الدّامي في الجزائر وفي البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي؟ كيف نستطيع أن نعيش ظروف حرب وننجو منها؟ أسئلة تطرح بعمق – بعيدا عن ثنائية الإدانة أو الثناء – هشاشة الإنسان المعاصر ومحنة الحرب الأهلية.

لا يمكن أيضا أن نمرّ مرور الكرام على جائزة آسيا جبار للرواية، التي أعلن عن نتائجها نهاية سنة 2019؛ والتي أعترف الكثيرون بنزاهتها ومصداقيتها، حيث فاز بالجائزة الخاصة باللغة العربية، كاتب شاب، غير معروف، قادم من الجزائر العميقة؛ بمعنى أن التتويج كان على النص لا الشخص، على عكس الطبعات السابقة، التي كانت مثار جدل واسع؛ وهو الأمر الذي سيؤشر مستقبلا إلى عودة المصداقية التي افتقدتها الجوائز الأدبية الجزائرية؛ يتعلق الأمر برواية “نبوءات رايكا”، للروائي خيري بلخير، وهي الرواية الثانية له؛ الرواية التي قرأتها أيضا بإعجاب، تستحق التتويج، نظرا للغتها الراقية وحبكتها، وثيمتها التي تنطلق من عناصر محلية تزخر بها منطقة الجنوب الغربي الجزائري.

وماذا عن الرواية الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية؟ خرجت على غير العادة بخفي حنين، على الرغم مما تتيحه الساحة الأدبية الفرانكفونية، من مساحة واسعة للتنافس الأدبي، نحن نتحدث عن حوالي 2000 جائزة أدبية في فرنسا، تمنح كل سنة؛ الرواية الوحيدة المتوّجة سنة 2019، هي رواية “عيون منصور”، للروائي الجزائري رياض جيرو؛ والتي نالت جائزة الاكتشاف الأدبي. رواية تسترجع التاريخ، وتسقط دروسه على الحاضر؛ تنتصر للإسلام الصوفي من خلال كتابات ومواقف الأمير عبد القادر، الذي تخصّص له مساحة واسعة في المتن، مسترجعة تاريخه الحافل بالمحبّة والتسامح الديني، مع الإشادة ببعض أعلام الصوفية مثل الحلاج وعمر الخيام وابن عربي، وتنفرد بإدراج بعض أقوالهم المأثورة كما جاءت باللغة العربية.

رواية أخرى كان ينتظر منها الكثير، وصلت إلى القوائم الطويلة في عدد من الجوائز الأدبية، لكنها فشلت في التتويج؛ الأمر يتعلق برواية كوثر عظيمي الموسومة “صغار ديسمبر”، وهي رواية تتحدث عن الفساد المالي والسياسي في الجزائر، عن الحقرة والاستبداد وعن الوعي بإمكانية تغيير الأشياء. وكأنّ العمل الذي كتبته الروائية الشابة قبل الحراك الشعبي، يتنبأ بانتفاضة عارمة، وقودها الشباب، ستغيّر الوضع القائم في الجزائر؛ أم لماذا لم تنل حظها من التتويج، رغم عمق ثيمتها؛ يبدو الخلل واضحا من خلال بعض التقريرية التي طبعت الرواية على حساب الحبكة.

هكذا تبدو ثيمات الرواية الجزائرية الصادرة سنة 2019، متعددة ومتنوّعة، لم تقف على موضوع بعينه انفرد باهتمامها؛ غير أنه من المنتظر أن يستأثر الحراك الشعبي في الجزائر، بزخمه وسلميته وتداعياته الوطنية والدولية، باهتمام الرواية الجزائرية هذه السنة الجديدة، وربما السنوات القادمة.

بوداود عميّر

0 تعليقات

    أترك تعليق