تحليلات روائية.24. وليد غالب.


في هته المقالة سنتطرق العديد من التحليلات تحت العناوين التالية: 1/ رواية بغداد نيويورك, 2/ شخصيات هامشية لـ ميلان كونديرا, 3/ تحليل نص لجورج أورويل. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ رواية بغداد نيويورك:

اسوأ شيء هو أن تقرأ رواية تحملّ اغلاطاً تقنية ولغوية وفنّية كثيرة.

ويمكن أخذ رواية بغداد نيويورك للكاتبة نهاد عبد كمثال لما أعني، هذه المرّة لن أكتب رأياً في الرواية، لكني سأستعرض نماذج من هذه الأغلاط، حتى لا يقع من يُفكّر في كتابة الرواية في أخطاء مشابهة.

أولاً: إسم بطلة رواية بغداد نيويورك

تتحدث الرواية عن شخصية تعرّف نفسها بأن اسمها ناي، في صفحة 15 “كان لأبي فرصة منحي اسماً مميزاً كان من بنات أفكاره.. وهكذا جاءت ناي حبيبة أبيها” لكننا نكتشف في نهاية الرواية أن البطلة اسمها مريم! فمن هي ناي إذن؟!

ربما ستقول الروائية أن هذا الاسم وهمي كان لغرض خداع البطل، لكن كيف للأب أن يعرف بهذا الاسم الوهمي!

ثانياً: عمر الشخصية

[زمن الرواية الأخير هو العام 2015 لنحفظ هذا التاريخ]… في صفحة 13 تحدثنا البطلة عن زميل دراستها في الجامعة قاسم “ليعيش في بيت جده بمدينة الثورة، بعد أن رحل والده إبان حرب الثمانينيات” هذا يعني أن قاسم بأقل احتمال مواليد 1980 بدلالة [حرب الثمانينيات + طفل رضيع] لكن في صفحة 169 تصف البطلة نفسها “ذات الأربعين الساقط في فوهة الخمسين”.

هل تلاحظون الشيء غير المنطقي، البطلة مواليد ثمانينيات حالها حال صديقها قاسم، فكيف يكون عمرها قريب الخمسين في العام 2015؟!

انه سهو وعدم تركيز من الروائية.

ثالثاً: نيويورك المتواضعة؟

في صفحة 17 تقول البطلة “منذ أول اسبوع لي في هذه المدينة الأميركية المتواضعة” طبعا البطلة تقصد مدينة نيويورك، ولا أفهم كيف تكون نيويورك متواضعة!

رابعاً: كلام مضحك

تتحدث البطلة عن معاناتها كطفلة أيام الحصار الاقتصادي بلسان الراوي المباشر “وقد أبدعت أمي في وقتها بصناعة الحلوى المنزلية من التمر.. يا الهي كم كانت سيئة؟ وشكلها لا يثير مشاعر طفلة بعمري” هذا كلام مُضحك من الروائية، لأن البطلة كانت متزوجة أساسا في الثمانينيات، تقول في صفحة 158 متحدثة عن نفسها “كيف يحرس الجندي وطنه ويترك زوجته تحتضن الوهم”.

خامساً: السذاجة

الجملة السابقة “كيف يحرس الجندي وطنه ويترك زوجته تحتضن الوهم” جملة ساذجة جداً، فهل تريد الروائية أن لا يحرس الجندي وطنه! هل من المفروض أن يأخذ زوجته معه حتى لا تشعر بالوحدة.

سادساً: جمل غريبة

هناك جملة غريبة في صفحة 31 “التفتُّ إلى زندي وقبّلتهُ اكتشفت أن يدي بيضاء مثل غيمة” وفي صفحة 45 “كي لا يلمس انسكابي عليه” حسناً، لا تنتظروا مني تعليقاً على هذه الجُمل.

سابعاً: البطلة والكذب

في صفحة 64 تعرفت البطلة مريم، على مواطنة آسيوية خبيرة بالعلاقات الانسانية، تقول الخبيرة لمريم “لاحظي انك شابة جميلة بمقتبل العمر”.

من المُبرر أن تكذب البطلة على حبيبها كريم فيما يخص عمرها، لكن لماذا تكذب على الخبيرة الآسيوية!

ثامناً: البطلة وأمها

في صفحة 75 تقول ام البطلة للبطلة “ناي أو مريم”: “وانت في عمر لابد من تكوين أسرة والاستقرار” لكننا نكتشف في نهاية الراوية أن البطلة أم لطفلين! فعن أي تكوين أسرة تتحدث الوالدة!

تاسعاً: تناقض بين البطلة والروائية

في صفحة 77 تصرّ الروائية أن الأب سمّى ابنته ناي، في حين أن ناي كذبة اخترعتها البطلة لخداع حبيبها.

عاشراً: البطلة وأبوها

صفحة 87 تقول البطلة “يُتمي المبكر جعل مني ايقونة من الممكن كسرها” لكن في صفحة 36 يتحدث والدها عن مرحلة الحكم الانتقالي الذي جلبه الاميركان للعراق، أي يُتم مُبكر تعنيه الروائية لفتاة متزوجة في الثمانينيات وأبوها حي يُرزق حتى مابعد 2003؟!

أحد عشر: البطلة وزوجها

في صفحة 109 تقول البطلة متحدثة في خيالها مع زوجها عز “جسدي الذي لم تمسسه الريح سلمته لك” الروائية تنسى أن البطلة متزوجة منذ الثمانينيات.

باختصار حاولت الروائية أن تخدع القرّاء بشخصية وهمية تدعى ناي، لكنّها خدعت نفسها.على العموم، كان هذا جرداً لاغلاط رواية لا يمكن تمريرها من المؤلفة ولا يمكن قبولها من المصحح والمحرر – إن وجد – والناشر.

2/ شخصيات هامشية لـ ميلان كونديرا:

يحدث أن لا ينتبه القارئ لبعض شخصيات الروائي الكبير ميلان كونديرا، أعني الشخصيات التي لا تنطق بكلمة، والتي يمرّ عليها الروائي مرّة واحدة وبلحظة تختفي من الرواية.

لكن بصراحة الأفضل أن نتتبع، أن نركّز ونستمتع، لأنه من خلال هذه الشخصيات الهامشية نستطيع أن نقرأ المشهد الحقيقي للسياسة والتاريخ لتشيكوسلوفاكيا كما رآه وكتبه كونديرا.

سأعطي أمثلة من رواية المزحة التي صدرت عام 1967

– صفحة 64 نقرأ “تحتها كرسي كان يقف بجانبه رجل عجوز قصير، عليل”..

– صفحة 210 نقرأ ” فوق منضدات صغيرة بلا أغطية، وبينها عجوز قصيرة بوزرة قذرة تجرجر قدميها”..

– صفحة 210 أيضا نقرأ “سألت البواب المستغرق خلف الوكنتوار في مقعد يشبهه في تراخيه … بدون أن تصدر عنه أي حركة قال”.

– صفحة 214 نقرأ “كان هناك هارمونيوم صغير يجلس إليه رجل مسن بنظاريته، حانيا صلعته على الملامس المكشوفة”..

– صفحة 216 متحدثا عن مشية شاب في العشرين “كان رأسه مُطأطأ وخطوه وئيدا”..

– صفحة 242 يقول “إلى جانبه فتاة بدينة ممتلئة الوجه، بشعر شد في ظفيرة، ترتدي كنزة بشعة”..

– صفحة 268 نجد “عندما كنت أنظر إلى ملامحها الذابلة، كنت أصاب بالذعر من هذا الإنشغال”..

– صفحة 298 نقرأ “زواجها لم ينجح، زوجها رجل فظ يخونها أمام الجميع”..

– صفحة 314 نقرأ “التفصيلات الردئية للباس المتفرجين الداكن الرمادي”..

الصورة والشخصيات الهامشية

الصورة التي تعطيها هذه الشخصيات الهامشية التي تمرّ عليها عيني القارئ مرّة واحدة فقط، يرسم فيها كونديرا حال تشيكوسلوفاكيا الشيوعية الذي كان تعيسا جداً، من خلال هذه الكاركترات المنحنية العليلة الكسولة المتسخة القبيحة، والتي ترتدي أزياءً رمادية داكنة، والتي تظهر مرة واحدة فقط.

3/ تحليل نص لجورج أورويل:

يرسم أورويل في روايته الشهيرة 1984 مشهداً، يُدرجه وينستون سميث – بطل الرواية – كمذكرات عن مشاهدته لفيلم سينمائي:

“كان الفيلم الذي يلقى أقبالا ذلك الذي في مشهد منه سفينة ضخمة تتعرض وهي محملة باللاجئين لقصف بالقنابل، في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط”.

يستمر ونستون في تذكّر المشهد السينمائي “ثم رأيت قارب نجاة محملاً بالأطفال وتلاحقه طوافة وقد جلست في مقدمة قارب النجاة إمرأة في أواسط عمرها، ربما هي يهودية، وكانت تحتضن طفلا في الثالثة وهو يصرخ خوفاً وهلعاً”.

كانت المرأة – بحسب الوصف – رابطة الجأش قوية، شجاعة ومضحّية.

وينتهي المشهد بقصف قارب النجاة بقنبلة “زنة 20 كيلو غراما ” وغرق الأطفال، وطيران “ذراع الطفل” نحو الأعلى في الهواء.

بنظرة موضوعية، أجد أن أورويل مارس إيحاءً دعائياً في النص السابق. يقول أن المرأة “ربما تكون يهودية”.

في الحقيقة فإن هذه الـ “ربّما” هي ترجيح سيء وضعيف. إنها كلمة في غير محلّها.

منطقياً، تتحدد ديانة أي شخصية في السينما – بالنسبة للمُشاهد – إما من كلامه أو من ملبسه أو ارتدائه أي رمز ديني، بذلك يكون لا معنى لكلمة “ربّما” إطلاقا، المُضحك أن أورويل يجعل بطله يحدد عمر الطفل بالضبط “تحتضن طفلا في الثالثة” ويحدد وزن القنبلة “عشرون كيلو غرام”، لكنه في المقابل يقول “ربّما” عن ديانة المرأة.

الإشارات التي كتبها أورويل في النص السابق، هي لضحايا مُلاحقة وقصف غير مبرر لـ [لاجئين – إمرأة يهودية – أطفال – في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط] وبشكل ساخر أقول:

لم يتبق غير خطوات بسيطة ونعرف أنهم مُلاحقين وهاربين من فلسطين.في عام 1948 – هو العام نفسه الذي كُتبت فيه رواية 1984 – حدثت حرب بين العرب وإسرائيل انتهت بالهزيمة العربية، لكن يبدو أن المفكرين، الروائيين، المثقفين، يجيدون الترويج وكسب التعاطف لما يسمى بـ”مظلومية اليهود”.***

0 تعليقات

    أترك تعليق