تحليلات روائية.21. وليد غالب.


في هته المقالة سنقدم تحليلات روائية وذلك تحت العناوين التالية: 1/ إنسان فرانكنشتاين, 2/ كان ياما كان.. كان هناك سرڤانتس, نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ إنسان فرانكنشتاين:

تفتتح ماري شيلي روايتها فرانكنشتاين بالأسطر الآتية “بينما كنت واقفاً على متن السفينة أتأمل الأرض الجليدية من حولي شعرت ببرد الريح القطبية ينخر عظامي، كنت في منطقة القطب الشمالي، أخيراً تحقق حلم حياتي بالمجيء إلى هنا، ولكن ما الثمن الذي تكبدته أنا ورجالي لتحقيق هذا الحلم؟

علقت سفينتنا وسط الجليد، ولم نعلم هل ستُكتب لنا النجاة أم سنموت”.

هذه هي نقطة الرواية المهمة وسؤالها الابرز، هل سننجو من هذه المغامرة أم نخسر ونعود خائبين، أعني مغامرة وولع إنسان القرن التاسع عشر في الإستكشاف – الأراضي.. الأفكار.. الاختراعات – وما الثمن الذي دفعته البشرية بعد هذه القفزة الفكرية العلمية.

كتبت ماري شيلي روايتها بعمر العشرين، في العام 1818، ويبدو أن لا أحد يأخذ على محمل الجد، كلام من كان بهذا السن الصغيرة.

رواية ماري شيلي والدكتور نبيل راغب

الدكتور نبيل راغب في كتابه “المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية” يصف رواية ماري شيلي “ومن الناس الذين برعوا واشتهروا بهذا المفهوم الخرافي مسز شيلي التي ابتكرت شخصية فرانكشتاين العالم المرعب الذي انتزع شخصية خرافية مدمرة لكي يحقق بها أغراضه الشريرة في هذا العالم”.

بغض النظر عن سوء فهم الناقد المصري لفكرة رواية فرانكنشتاين، إلا إنه مسخها وحرّفها بشكل لا يُصدّق، فأساساً لا توجد رغبة شريرة عند فرانكنشتاين للسيطرة على العالم.

افتتاحية رواية فرانكنشتاين

افتتاحية الرواية تتحدث عن بحّار يحاول الوصول للقطب الشمالي، برغبة محمومة لإكتشاف مناطق جديدة لا غير، ورؤية أرض “لم تطأها قدم إنسان من قبل” في حين كان الدكتور فرانكنشتاين يقول “أنا دكتور فرانكنشتاين سوف أكشف حقيقة أعظم أسرار العالم”.

كان الاندفاع للاكتشاف سمة العصر في ذاك الوقت، زمن كتابة الرواية في القرن التاسع عشر.

أحداث الرواية

بدأت الرواية من نهاية حدثين، روبرت والتون قبطان السفينة العالقة في جليد القطب الشمالي يصف فشله “شعرتُ بحماقتي، إذ فشلت الرحلة فشلاً ذريعاً”.

في المقابل يتحدث الطبيب فرانكنشتاين عن فشله في تجربته العلمية، لأنه بدلاً من أن يصنع بالطرق العلمية شيئاً مفيداً “سأقدم للعلم أعظم الخدمات إذا صنعت إنساناً” صنع بشكل غير متعمّد “المسخ”.

أشارت ماري شيلي في رواية فرانكنشتاين بذكاء كبير، لحدثين لم تتمكن – أو بالأصح لم تنجح – البشرية من الوصول إليهما، فلا توجد سفينة لغاية العام 2018 استكشفت القطب الشمالي، ولم يستطع الطب خلق إنسان حتى الآن.

ويبدو أن شيلي نجحت في توقعاتها بصعوبة حدوث ذلك برغم استمرار التقدم العلمي.

لا يبدو سؤال ما الذي حدث في القرن التاسع عشر جيداً، السؤال الأفضل هو: ما الذي لم يحدث للإنسان في هذا القرن العجيب!

التحرر من الفكر الديني المسيحي

بمراجعة ما حدث في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، نجد أن أوروبا قد قفزت بالإنسان قفزة مهولة نحو التحرر من الفكر الديني المسيحي “لم يكن أحد يتصور أن البنيان الضخم والراسخ للأصولية المسيحية سوف يترنّح على وقع الضربات الفلسفية، ثم ينهار ويتهاوى في نهاية المطاف” كما يقول هاشم صالح في كتاب “مدخل الى التنوير الأوروبي”.

يُضيف صالح “بلغ الإيمان بالتقدم ذروته في القرن التاسع عشر، عصر ازدهار العلم والصناعة والتكنولوجيا بامتياز”، تخبرنا شيلي في روايتها على لسان استاذ الكيمياء والدمان أن “هناك تطور هائل يتحقق، فبمساعدة المايكروسكوب يستطيع العلماء المعاصرون أن يروا عالماً لم نكد نعلم بوجوده قبل اليوم”.

تضيف “إن الإمكانيات التي تمتلكها العلوم اليوم غير محدودة، مثل العقول التي تسعى ورائها”.

لكن ما فعلته الفلسفة والعلوم التي تحررت من سلطة الدين، هو إنها جعلت إنسان القرن التاسع عشر بلا أمل، فبعد أن كان يعتقد أنه في النهاية سيجد إلهاً يُعيد إليه الحق، أو باحتمال آخر يعوّضه عن معاناة “الحياة الدنيا” بنعيم الآخرة، وجد الإنسان نفسه – بقدوم دارون مثلاً – مخلوقاً عادياً مثل بقية المخلوقات، مجرّداً من كل قيمته السابقة.

لم تصنعهُ يديّ الله، وإنما تطوّر بشكل طبيعي بلا أي امتياز عن باقي المخلوقات، حتى أنه من الممكن أن يُصنع – كما في الرواية – مثل أي مُنتج آخر.

لم يكن هدف فلاسفة وعلماء القرن التاسع عشر سيئاً، كان هدفهم تنوير الإنسان وتخليصه من قمع السلطة الدينية الفكري والمادي والثقافي، كانوا يريدون خلق إنسان متحرر، لكن يبدو أن الواقع تحول بشكل آخر، وسيء أيضاً، تماماً كما لم يكن قصد فيكتور فرانكنشتاين خلق مسخ “لقد اخترت أعضاء جسمه بعناية بالغة، لكن الأمر تحول إلى كارثة”.

كتاب “كُتب تحترق” للوسيان بولاسترون

في كتاب “كُتب تحترق” ينقل لوسيان بولاسترون نصاً للفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين “لقد وجدنا عالمنا منذ فترة وجيزة عالماً آخر، ليس أقل حجماً وانبساطاً واتساعاً منه، إنه عالم جديد وهو ما يزال صبياً لدرجة أنه يتم تعليمه الألف باء، ولجلّ ما أخشاه أن نكون قد عجّلنا في انحطاطه وخرابه بوبائنا وبعناه بسعر باهض جداً أفكارنا وفنوننا”.

كانت هذه نبوءة قديمة لما ستؤول إليه أمور البشرية.

الحرب والفلاسفة

كيف نتخيل وقع قرن مرّ على الإنسان – بعد قرون من الجمود والاستبداد الفكري – ظهر فيه هيغل وفويرباخ وماركس وانجلز وجون ستيوارت مل وهايدغر وشوبنهاور ونيتشه.

قرن داروين وفرويد ولويس باستور وروبرت كوخ ومندل.قرن الحروب الأهلية الأميركية 1861 ، وخوف الطبقة المثقفة وتنبؤاتها من نشوء حرب عالمية أوروبية، فالحرب كما يشير الفيلسوف توماس هوبز “لا تتكون من المعارك فحسب ولا من الاعمال القتالية، بل من فترة زمنية تكون فيها الإرادة لخوض المعركة قائمة ومعروفة بما فيه الكفاية”.

فنجد أن فيلسوفاً مثل نيتشه يتكهن بنشوب الحرب “سنقول نعم للبرابرة وحتى للحيوان المتوحش الحبيس في نفوسنا”.

تحطم الإنسان

لقد تحطم الإنسان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبعد الحربين العالميتين، وانتشرت العدمية والتشاؤم بشكل كبير، وتشظى كما تشظت شجرة البلوط التي شاهدها فرانكنشتاين بعد أن صعقها البرق “كان كل ما وجدته هو جذع محترق وقطع خشب متناثرة في كل مكان”.

الإنسان والعلم

لم يعد الإنسان يؤمن بقدرة العلم على خلق عالم جديد جيد، يذكر المؤرخ الإنگليزي إيريك هوبزباوم في كتاب عصر الإمبراطورية:

“لقد رفص الايديولوجيون اليساريين النسبية، لأنها لم تكن تتناسب مع تصورهم للعلم، بينما ندد اليمينيون بها باعتبارها بدعة يهودية، وباختصار فإن العلم لم يعد شيء لا يفهمه إلا القلة القليلة من الناس، بل أصبح أمراً يخالفه الكثير ويعارضونه، فيما كانوا يقرون أن حياتهم كانت تعتمد عليه”.

لقد تحول الإنسان من السعي لاكتشاف الافكار والعلوم إلى عدمية قاتلة.

كارلو كولّودي وقصة بينوكيو

عام 1881 كتب كارلو كولّودي قصة دمية خشبية تتحول في الأخير لصبي، يلتقي بينوكيو بسمكة فيلسوفة، بعد أن يبتلعمها القرش، فيسألها:

– ماذا علينا أن نفعل في هذا الظلام هنا؟ تُجيب السمكة:

– أن نستسلم، وأن ننتظر ريثما يهضمنا القرش. يبدو أن هذا هو شكلنا الإنساني الأخير، المُستسلم الذي ينتظر، كما تنتظر السمكة الهضم في بطن القرش، أو كما ينتظر استراجون وفلاديمير مجيء غودو.

2/ كان ياما كان.. كان هناك سرڤانتس

يسأل دون لورنثو ضيفه دون كيخوته عن علومه كفارس جوّال، يُجيب دون كيخوته – وسأختصر كلامه بشكل سريع – أن علومه تشمل:

“فقيهًا مُشرعًا، عالمًا بأصول الدين، يعرف كل قوانين العدالة التوزيعية والعدالة التعويضية، طبيبًا وعشّابًا، عالمًا بالفلك، عالمًا بالرياضيات، يحترف السباحة وركوب الخيل والرياضات”.

دون كيخوته

بالمُجمل يذكر دون كيخوته أن علمه كفارس جوال هو “علم يشمل العلوم كلّها”.تحيلني جُملة “علم يشمل العلوم كلها” نحو الفلسفة، فهي كما يُعبّر عنها سابقًا “اُم العلوم” وباستثناء الطب، كان دون كيخوته يحمل هذه العلوم فعلًا، بل أكثر. لكن. ومع استثناء الطب في علومه، إلا إنني أجد أن أدويته الغريبة – بشكل ساخر – تُساعد على شفائه وشفاء خادمه من أوجاع الضرب وجروحه.

الفلسفة ودون كيخوته

إن أغلب الفلسفة، تُحلل المشكلات بطريقة الحُجج والمنطق، وهذا بالضبط ما يجعل الدون يختلف عن باقي الشخصيات المهرّجة أو المرحة أو حتى الحمقاء في الأدب.

فلم يكن من الممكن لسرڤانتس أن يجعله مُضحكًا أو أحمقًا على طول خط الرواية، وإلا سنصاب بالملل من هذه الشخصية.

طريقة تفكير دون كيخوته

لنقرأ الحوار التالي الذي سيُبين ما أقصده بطريقة تفكير دون كيخوته، ففي أحد المشاهد يلتقي الدون بمجموعة من التجّار، فيطلب منهم الإعتراف بجمال معشوقته دلثينا.

[ – فليقف كل في مكانه، إذ لم يعترف بأنه لا يوجد في الدنيا بأسرها فتاة أجمل من امبراطورة المنتشا العديمة النظير دلثنيا دل توبوسو….

أجابه أحدهم وكان ولوعًا بالهزل:

– سيدي الفارس نحن لا نعرف هذه السيدة الحسناء، أرنا إياها، فإذا كانت على حظ من الجمال بالقدر الذي تُشير إليه، فسنعترف، على طيب خاطر، وبلا أدنى خوف، بالحقيقة التي تطالب جنابكم بها.

فأجاب دون كيخوته:

– لو أني أريتكم إياها، فأي فضل لكم بالاعتراف بحقيقة جليّة كل الجلاء، المهم هو أن تعتقدوا بها]

هنا. نلاحظ تفكير الدون كيخوته الميتافيزيقي – الفلسفي، حيث يطلب من التجّار الإعتقاد ولا شيء غير الإعتقاد، ويحاجحهم عن قيمة التصديق بشيء بديهي، في زمن يسخر سرڤانتس من مادّيته بشكل كبير. فالاعتراف أن (1+1=2) لا قيمة له لأنه بديهي.

الصراع الفلسفي لدى دون كيخوته

إن الحوار السابق من الرواية، يُمثل الصراع بين فلسفتين، الأولى تميل للإيمان التقليدي الذي يحاول إثبات نفسه بالحجج اللفظية، والثانية فلسفة تجريبية تطلب الدليل المادي “الرؤية والاختبار” لغرض التصديق.

وفي نهاية الحوار سيحاول دون كيخوته إجبار التجّار بالقوة على الإيمان بكلامه والاعتراف بجمال معشوقته المنقطع النظير “ستدفعون ثمن هذا الكفر الشديد الذي نطقتم به” لكنه يسقط من فرسه كما سقط الإيمان التقليدي وفلسفته، في القرن السابع عشر، وسيستمر التجار بمواصلة مسيرتهم ضاحكين.

شخصية دون كيخوته

وباستثناء محاولة إجبار التجار على الاعتقاد بدلثينا، فإن سرڤانتس برسمه لشخصية الدون، فإنه قدّم مثالًا جاهزًا لفكرة الفيلسوف سبينوزا الذي يعتقد أن الإيمان غير مرتبط بحقيقة دينية بقدر ارتباطه بالأفعال الحسنة “لا يمكن الحكم على أحد بأنه مؤمن أو غير مؤمن إلا بأعماله، فإذا كانت أفعاله حسنة مع اختلاف عقائده فهو مؤمن” كما يذكر في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة.

في الحقيقة، لم يجعل سرڤانتس بطله دون كيخوته مؤمنا بالله، فهو لا يدخل كنيسة، ولا يعترف لكاهن، وحتى عندما تضيق به الدُنيا، يطلب العون من عشيقته دلثينا “يا سيدة الجمال، يا عون قلبي الضعيف، آن لك أن تلحظي بعيون عظمتك، عبدك، الذي تنتظره هذه المغامرة المروّعة”.

ومع ذلك فهو خير من يُمثّل نكران الذات وحب الخير للناس ومساعدتهم.

سرڤانتس والفلسفات التجريبية

أيضًا، فإني أعتقد أن سرڤانتس مهّد لمجتمعه استقبال أفكار أو فلسفات تجريبية، والتي تؤمن أن المصدر الأول لكل معرفة هو الحواس، مثلما مهّد دانتي وبوكاشيو في مجتمعاتهم وساهموا في تحجيم الفلسفة السكولائية من خلال أدبهم العظيم، فلا يُمكن للتجار أن يعتقدوا أن دلثينا جميلة بمجرّد الإدعاء، فهم يحتاجون لصورة يرونها – إثبات مادي – يقولون “نستطيع أن نحكم بالنموذج على الأصل”.

وفي الأخير سيطلبون منه “أن لا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به بالاعتراف بشيء لم يروه أو يسمعوا عنه”.

وبالمجمل كان كلام الدون الحكيم والواقعي، يملأ سيرته بشكل يثير الاستغراب والشك، فهل هو عاقل أم مجنون!ومن الممكن أن تطرح رواية سرڤانتس اسئلة مثيرًة بل وكثيرة جدًا عن الحقيقة والأوهام والإيمان، عن الخير والشر.

عن الإنسان الذي يكون حكيمًا جدًا وفي الوقت نفسه يظهر مجنونًا وبتصرفات مُضحكة، والذي يحمل في داخله نقيضين، طيب وشرير، ومُحب وكاره! من الممكن أيضًا مناقشة هذه الأسئلة.

لكني أعتقد، أولًا. أن تحليل افتتاحية الرواية ستعطي تصورًا عن طريقة تفكير الروائي ومقاصده.

سرڤانتس ودون كيخوته

يكتب سرڤانتس في آخر الفقرة الأولى من روايته “المهم هو أن لا نحيد عن رواية الوقائع قيد أنملة” وبشكل ما، تبدو الجملة السابقة، مُثيرة جدًا. فمن مُنطلق “عدم التحديد” يسعى سرڤانتس لإخفاء أي دلالة توضح بناء شخصية دون كيخوته في تصوراتنا كقرّاء في الأسطر الأولى من الفقرة نفسها.

“في ناحية من نواحي إقليم المنتشا، لا اُريد أن أذكر اسمها” هكذا تبتدئ الرواية، وسنكون هنا – في هذا السطر كوقائع – لا نتملك أية معرفة بشأن أين يقع هذا المكان بالضبط.

يُضيف سرڤانتس “في زمن غير بعيد” أيضا لم يتم تحديد الزمن، فلا زمان ولا مكان واضحين، وفي السطر نفسه نقرأ “كان يعيش نبيل” لا يريد سرڤانتس تحديد اسم هذا “النبيل” فهو كيخادا أو ربما كيسانا أو قد يكون كيخانا، وفي النهاية سيستقر على تسميته بـ دون كيخوته.

هكذا، يظهر هذا النبيل، في الخمسين من عمره، منقطعًا عن الماضي، بلا زوجة أو أولاد، بلا أية تفاصيل أو حتى ذكريات، ليجعل منه سرڤانتس فارسًا جوالًا بخوذة من ورق مقوّى. مُخالفّا حتى في بُنيته بُنية الفرسان الجوالين.

أليست هذه بداية غريبة ومُثيرة، أن يقول سرڤانتس “المهم أن لا نحيد عن الوقائع قيد أنملة” وفي الوقت نفسه يكون كل شيء عن دون كيخوته البطل الذي سيصنع هذه الوقائع، ضبابي ومعاكس للمألوف وغير واضح!

إن هذا المدخل الروائي المُضبب، حيث يُعطي دون كيخوته لنفسه وحصانه وعشيقته وحتى سائسه أسماءً اخرى وجديدة، يريد أن يقول بكل وضوح وببساطة أن سرڤانتس لن يهتم بشكل جدّي بجُمله التي يُكررها في الرواية “ستقرأون تاريخًا حقيقيًا” أو “المهم هو أن لا نحيد عن رواية الوقائع قيد أنملة” ولن يُفكر بالبحث عن الحقيقة الواقعية المتداولة التي يراها الناس واضحة – برغم نقله للواقع – والتي يكون فيها الشر أو الخير مُطلقين وبوجه واحد فقط.

كان يا ما كان

إن الجُملة الدارجة في الروايات التراثية “كان يا ما كان… كان هناك ملك” تُشبه جدًا افتتاحية رواية سرڤانتس، فالقصص التي تبتدئ بهذه الجملة هي أيضًا تُهمل الأماكن، وتُسقط الزمن، وتتجاوز عن سرد ماضي الشخصيات ونشأتها، وستعطي إنطباعًا أن الحكاية سيكون تركيزها فقط على الأفكار، وفي احتمال أقل ستنطق بالحكمة.

وهذا بالضبط ما فعله كارلو كولودي أيضًا في مقدمة قصة بينوكيو “كان ياما كان كان هناك.. سيقول قرّائي الصغار ملك” ثم بعدها يبدأ السرد وطرح الأسئلة وتحريك الأفكار.

0 تعليقات

    أترك تعليق