تحليلات روائية .23. وليد غالب.


في هته المقالة سنقوم بعرض تحليلات في عدة روايات زذلك كالتالي: 1/ فرانسيس فوكوياما ينتقد أورويل, 2/ لماذا جعل كافكا بطل رواية التحوّل جريجور سامسا يتحوّل لحشرة ضخمة؟, 3/ ظهور الروائي, 4/ الهدوء الكافكوي, 5/ وحدها شجرة الرمان. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ فرانسيس فوكوياما ينتقد أورويل:

هل على الروائي أن يقدم توقعا مستقبليا لما سيحدث في السياسة أو المجتمع؟! بصورة عامة، يكون الجواب “لا”؛ لكن بصورة خاصة، وفي حال مثل حالة الإنكليزي جورج أورويل، فإن الجواب لابد أن يكون “نعم”، لا لشيء، سوى لأنه فرض على نفسه وعلينا هذه الرؤية. بعبارة أدق.

مزرعة الحيوان و1984

عندما يقوم روائي ما، بكتابة “فكرة”، ثم يؤكدها بل ويتعمق بها في رواية أخرى؛ فهذا يعني أن هذه الفكرة “تعيش” مع الكاتب فتجعله “قاصداً” بل و”مُعتقداً” لما يكتب؛ وهذا ما فعله أورويل في “مزرعة الحيوان” ومن ثم في تحفته “1984”؛ طبعا من الممكن الانتباه لذلك بكل سهولة.

فرانسيس فوكوياما وكتاب مستقبلنا بعد البشري:

لكن فرانسيس فوكوياما في كتابه “مستقبلنا بعد البشري” يبدي اعتراضه على رواية 1984:

“بعد مضي أكثر من نصف قرن، يمكننا أن نرى أن التنبؤات السياسية لـ 1984 كانت مخطئة تماما، فقد حل العام 1984 وانصرم، وأميركا لا تزال منهمكة في صراع الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وقد شهد ذلك العام طرح طراز جديد من الحاسوب الشخصي لشركة (IBM) وهو بداية ما صار يُعرف بثورة الحواسيب الشخصية”.

بصراحة لم أفهم كيف لفوكوياما أن يُدرج هذه الجملة “حل العام 1984 وانصرم” لأنها توحي أنه يعتقد أن أورويل يقصد هذا التاريخ بالضبط؛ ومع إن المشهور أن سبب تسمية الرواية التي كُتبت عام 1948 بهذا الاسم؛ هو للهروب من الرقابة فقط لا غير!

يضيف فوكوياما “فالحاسوب الشخصي عند ارتباطه بالانترنت ماهو إلا تجسيد لشاشة أورويل المراقبة، لكن بدلا من أن يصبح أداة للمركزة والطغيان أدى إلى عكس ذلك تماما، إلى إضفاء طابع ديمقراطي على الوصول إلى المعلومات وإبطال المركزية في السياسة.

وبدلا من وجود “أخ أكبر” يراقب الجميع، يمكن للناس استخدام الحاسوب الشخصي والانترنت لمراقبة الاخ الاكبر وقد إعتمد الحكم الشمولي على قدرة النظام على إحتكاره للمعلومات ومن ثم بمجرد أن جعلت تقنيات المعلومات الحديثة من ذلك أمرا مستحيلا تقوضت سلطة النظام”.

لكن هل يعتقد فوكوياما، أن “التقنية المُتاحة للشعب” هي التي أسقطت الاتحاد السوفيتي مثلا! هل يمكن للمواطن “مراقبة” الحكومة أو عملها فعلا بواسطة الانترنت؟! بل على أرض الواقع هل سقطت دولة “غير هشّة اقتصاديا” بواسطة التقنية المتاحة؟! ماذا عن روسيا أو كوريا الشمالية اليوم؟!

مع ملاحظة إن أغلب الدول الليبرالية تراقب شعوبها “تقنيا” فعلا.

الملاحظة الاخرى هي أن أورويل لم يكن يكتب “عما سيحدث” لكنه كان يكتب عن معنى السلطة الشمولية وطريقة عملها وتفكيرها، وكيف تدحر الإنسانية..

أورويل لم يكن يكتب كيف تُقاوم الدكتاتورية أو كيف ستندحر.بالنسبة لي أعتقد أن نبوءات أورويل ناجحة وحقيقية فعلا؛ وتنطبق على أية دكتاتورية “الآن” حتى وإن تغيّر شكلها وبدت أكثر ديمقراطية.. هذا هو معنى رواية 1984.

2/ لماذا جعل كافكا بطل رواية التحوّل جريجور سامسا يتحوّل لحشرة ضخمة؟

يبدو السؤال منطقيًا بشكل كبير، ولابد أن يكون هناك جواب منطقي ايضًا.

الآن لنقلب الحدث، ولنفترض أن كافكا جعل بطله يتحول لحشرة عادية، ما الذي سيحدث؟

ببساطة لن تشعر عائلة الابن سامسا بهذا التحوّل، وسيفترضون غيابه أو حتى اختفاءه، فلن تستطيع حشرة صغيرة اقناعهم أنها هي نفسها ابنهم جريجور سامسا.كان من الضروري لكافكا تحويل البطل لحشرة ضخمة لاثبات وجوده.

ولاجبار العائلة والقارئ على التعامل معه كحشرة ضخمة لها وجود بيننا. ولا نستطيع تجاهلها مهما حاولنا صرف انتباهنا عنها.

3/ ظهور الروائي:

عند قراءة كونديرا، نكتشف أن الروائي يظهر شخصياً من خلال بعض جُمل رواياته، في المزحة مثلاً؛ هناك سطر عظيم يسأل فيه كوستكا صديقه لودفيك النازع بطبعه للشك، عن سبب اعتقاده أن الأفكار التي يحملها صحيحة، وأنه ربما يكون هادم قِيم؛ يقول كوستكا:

“ماذا لو كنت على خطأ؟ ماذا لو كانت قيماً، وكنتَ أنت هادم قِيم؟”.

هذا السؤال الخطير، لا يوجد له إجابة في الرواية. ولم يردّ عليه لودفيك حتى بإشارة، وفي المشهد الذي بعده مباشرة، نرى لودفيك قد خرج مع كوستكا من دون التطرق لأي إجابة عن السؤال.

لكنه يقول “كنت وانا أصاحب كوستكا في طريق عودته إلى المستشفى بالطرف الآخر من المدينة، أعبث بالمفتاحين في جيبي”.

القارئ الآن، أمام [سؤال بلا جواب] وعملية [عبث بمفتاحين في جيب] وبملاحظة بسيطة نعرف أن لودفيك حامل المفتاحين “كشخصية في الرواية” لم يكن يملك حلولاً أو أفكاراً – مفاتيح – أو حتى قيماً يهدمها.

أعتقد أن المَعني بالنص السابق هو كونديرا نفسه. فمن مثله يستطيع جمع مفاتيح القيم الأفكار والعبث بها في جيبه؟!

كونديرا في الرواية يهدم ويُمسخر الكثير من القيم، بل إنه يتحدث بلسان “متديّن” أحياناً من خلال كوستكا وحديثه عن المسيح والنظام الشيوعي.

4/ الهدوء الكافكوي:

قصة العرين لكافكا

في قصة العرين أو الجحر يكتب كافكا مُتحدثًا بلسان حيوان – كرمز يجسد الإنسان – يقضي حياته حافرًا تحت الأرض بيتًا له:

“أكثر ما يُميّز العرين هو الهدوء، وهو بالطبع هدوء خادع”.

حيوان كافكا

وفي وسط هذا الهدوء يقول حيوان كافكا “لكني لم أعرف وأنا في قمة عنفواني ساعة من الراحة، هناك وسط الطحلب الداكن تجدني جريحًا إلى درجة لا توصف، يُطاردني في أحلامي حيوان نهم”.

السعادة الكافكوية:

في القصة السابقة نفسها يكتب “وذات ليلة أهرول إلى الفناء، وأنقض على المؤن، وأدس في فمي أفضل ما أشتهيه. أوقات سعيدة، وخطيرة أيضًا. فكل من يستطيع استغلالها بإمكانه أن يُدمّرني بسهولة”.

عند كافكا يرتبط الهدوء بالخوف والسعادة بالخطر في الوقت نفسه، وفي المكان نفسه. وكل هذه المشاعر ترتبط باللااستقرار واللاامان.

فماذا يعني أن تبني في بيتك مخرج طوارئ للهروب من عدو محتمل؟ ماذا يعني أن تشعر بعدم الأمان في بيتك؟ ماذا يعني أن تشرع ببناء بيتك وأنت خائف من المستقبل الذي بالتأكيد – بحسب كافكا – سيدمرك!

5/ وحدها شجرة الرمان:

يصدف أحيانا أن تشاهد فلما عاديا، وتكتشف أن داخل هذا الفلم مشهدا عبقريا. هذا بالضبط ما شعرت به وأنا أقرا رواية سنان أنطون “وحدها شجرة الرمان” لذا كتبت منشورا سابقا في هذا الموقع، قلت فيه أن الوصف المكثف بين مشهدي “غسل الميت” ص 23 و “علاقته مع ريم” ص 47 كان عبقريا.

ادهاش القارئ وسنان أنطون

أسوا ما يمكن أن يفعله أي كاتب، هو أن لا يُدهش القارئ. هل فعلتُ هذا الشيء قبل قليل! لأني قد أكون تركت انطباعا في المقدمة، بأن رواية سنان لم تعجبني، حسنا.. قد يكون عذري أني لم أكتب رواية بل هي مجرد ملاحظات شخصية.

لكن – عدم إدهاش القارئ- فعله سنان أيضا، أن تكون عندك فكرة عن نهاية الرواية، منذ بدايتها.

فهذا أمر ليس بجيد.أما كيف أنهى سنان روايته منذ بدايتها؛ فيمكن ملاحظته ببساطة من هذا النص في ص8 “التفتّ فرأيت همفي تقترب بسرعة جنونية وتخلف وراءها ذيلا من الرمل المتطاير، استدارت فجأة وبعنف نحو اليمين وتوقفت على بعد أمتار منا، فُتحت أبوابها. خرج منها أربعة أو خمسة رجال ملثمين يرتدون الخاكي”

يستمر المشهد فيصف كيف قام هؤلاء الرجال بقتله:

“وضع أحدهم سكينا على عنقي بينما عصب الآخر عينيّ”.. نحن هنا أمام ثلاث إشارات:

– عربة الهمفي: إشارة للأميركان لأنها عربتهم.- رجال يرتدون الخاكي: إشارة للبعثيين لأنه زيّهم.

– طريقة الذبح بالسكين: إشارة لـ “الإرهاب الإسلامي” الذي ضرب البلد.سنان هنا يقول بشكل مباشر أن سبب الدمار في العراق هم هؤلاء الأطراف الثلاث. بالنسبة لي؛ عندما أقرا هذه الإشارات من البداية، فإني لن أتوقع “دهشة” جديدة من هذه الناحية.

وعلى كل حال، فإن كتابة رواية “بعد وقوع الأحداث” لن يأتي بجديد حتما.

الشخصيات في الرواية

على العموم.. كان من ضمن خطتي في محاولة تفكيك الرواية، هو أن أعزل الشخصيات، لذا خطر في بالي أن أقوم بعزل النساء والرجال في رواية سنان، وتسليط الضوء عليهم منفردين، لكن الشخصية الوحيدة التي أظنها “متفرّدة” هي شخصية ريم برغم سلبيتها! وسأخبركم لماذا أظن أنها متفردة؛ حسنا لنبدأ:

– ريم: على غير عادته في هذه الرواية لم يحدد سنان “مذهب” ريم -بقية الشخصيات مذاهبهم محددة- لكنه جعلها تسكن في مناطق ذات أغلبية سنيّة، كيف نعرف ذلك؟! الأمر بسيط، فهي تسكن الجادرية في زمن صدام حسين، في بيت فخم فيه خادمة وثلاث سيارات، أبوها تاجر غني يبيع أملاكه ويغادر العراق قبل الحرب.

وهي أرملة ضابط شهيد في الحرس الجمهوري يضع أهله صورته مع صدام الذي يقلده نوط شجاعة.

لكن الإشارة الأوضح يدرجها سنان في هذا النص في ص 80 “لو كانت هنا في بغداد لما تمكنت من رؤيتها أصلا، فهي في الخندق المعادي وبغداد التي كانت سجنا كبيرا يمكن التجول بداخله بحرية، صارت الآن سجونا متلاصقة تحرسها الميليشيات”.

ريم إذن في “الخندق المعادي”.

سلبية ريم – الحب الوحيد لجواد بطل الرواية –

تتجسد في خنوعها واستسلامها لزوجها الضابط الذي كان ناعما جدا معها أيام الخطوبة، لكنه تحول لوحش بعد أن تمكن منها “كلفتني إحدى نوبات غضبه كسرا في ذراعي”.. “ما زالت صورته وهو يتقلد نوط الشجاعة من القائد العام للقوات المسلحة صدام حسين، مؤطرة وموضوعة فوق التلفزيون في بيتهم، كلما رأيتها تذكرت وحشيته” ص 70؛ 71.

ريم لم تذرف دمعة على زوجها الشهيد، بل نجدها تعشق جواد وتسلم نفسها له، بعد أن تدعوه لبيتها ومن ثم تتركه بعد إصابتها بسرطان الثدي. الآن ركزوا معي قليلا بناءً على هذه المعطيات.

“ريم” تسكن في منطقة بأغلبية سنّية، وتتزوج من ضابط متوحش يبدو أنه من أنصار “صدام” ثم بعد استشهاده، تحب مواطن شيعي فيدخل “بيتها” وتسلم له نفسها.

ماذا لو استبدلنا اسم “ريم” بـ “العراق” هل يريد سنان أن يقول أن ريم تمثل العراق فعلا؟!

0 تعليقات

    أترك تعليق