تحليلات روائية وأدبية (ج 22). وليد غالب.


في هته المقالة سنقدم تحليلات روائية وادبية وذلك تحت العناوين التالية: 1 فيل أورويل, 2/ انهيار رسلي المالكي, 3/ الآلهة عندما تُمرر الوقت. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

فيل أورويل

يتحدث جورج أورويل في مقال أو قصة “صيد الفيل”، عن طريقة دفع الناس “العشوائيين” له، حتى يقتل فيلا هائجا في مزارعهم.

في بداية المقال، يعطي أورويل صورة عن وضعه في المشهد.. هو؛ ضابط انكليزي في مدينة بورما “كنت مكروها لعدد كبير من الناس”…”كانت المشاعر المعادية للأوروبيين مريرة جدا بشكل غير هادف وتافه، لم يكن لدى أحد الشجاعة لإشعال تمرد”.

يضيف “كضابط شرطة كنت هدفاً واضحاً، وكنت اُضايق متى ما بدا أن من الآمن فعل ذلك”..

أبدع وأعمق مشهد في هذه “القصة القصيرة” أو “المقال” عندما يقف أورويل أمام الفيل حاملا بندقيته، وخلفه ألفي شخص “عند تلك اللحظة ألقيت نظرة على الحشد الذي تبعني، كان حشداً هائلاً، ألفي شخص على الأقل وهو في إزدياد عند كل دقيقة، حجبوا الطريق لمسافة كبيرة على كل جانب “.

الجماهير كانوا يدفعونه ويحرضونه للقتل.”كلّهم متأكدين أني سأقتل الفيل، كانوا يراقبونني كما كانوا سيراقبون ساحرا على وشك أداء خدعة.

لم يكونوا يحبونني، لكن مع البندقية السحرية في يدي كنت جديراً بالمشاهدة مؤقتا، وفجأة أدركت أنه يتحتم عليّ قتل الفيل في نهاية المطاف، توقّع الناس ذلك منّي. وتوجّب عليّ فعله، كنت أستطيع الشعور بإرادة الألفين شخص تدفعني إلى الإمام على نحو لا يُقاوم”.

لكن “الضابط” كما يبدو كان ضحية لهؤلاء الناس، ضحية دعمهم له واندفاعهم وإرادتهم. يستمر أورويل “ها أنذا. الرجل الأبيض مع سلاحه، واقفاً أمام حشد غير مسلّح من مواطني البلد، ظاهرياً أنا الممثل البارز في المشهد، لكن في الواقع كنت دمية تافهة تُدفع إلى الأمام والخلف من قبل إرادة هذه الوجوه الصفراء في الخلف”.

اورويل وسايكولوجيا الجماهير

أورويل في هذه الأسطر القليلة اختصر أغلب طروحات كتاب “سايكلوجيا الجماهير” لغوستاف لوبون الذي يتحدث في بعضه عن تأثير روح الجماهير على الأفراد وكيف تدفعهم للقتل أو الجريمة من دون وعي أو تأنيب ضمير.

فقط حينما يكون الكاتب “واعيا” فإنه يستطيع أن يشرح أعقد الفلسفات أو النظريات النفسية بكلمات بسيطة.

2/ انهيار رسلي المالكي

من المؤكد أن بعض القراء اتهموا الكاتب رسلي المالكي عند إصداره رواية الانهيار، بتقليد رواية شيفرة دافنشي للروائي دان براون. والحق يقال أن الروايتين بعيدتين عن بعضهما باستثناء ما يخص الناحية البوليسية.

وحتى تكون الأمور واضحة للقارئ، فإني أعتقد أن رواية الانهيار ليست تقليدا لشيفرة دافنشي، بل تقليد لرواية الجحيم للمؤلف نفسه دان بروان، وسأستعرض لكم نواحي التشابه – حسب نظري – بين الروايتين:

– 1 – رواية الجحيم: المقدمة

“جميع الأعمال الفنية، والعلمية التأريخية المذكورة في هذه الرواية حقيقية، الكونسورتيوم منظمة خاصة تمتلك مكاتب في سبع دول تم تغيير اسمها لاعتبارات الأمن والخصوصية”.

رواية الانهيار: المقدمة

“استندت هذه الرواية على كتب ومصادر ومراجع تاريخية رصينة، وأن جميع الأماكن والمناصب والأوصاف العلمية والتاريخية فيها حقيقية، كما قد تم إطلاق اسم بلاك ساند على شركة أميركية أمنية حقيقية تعمل في عدد من البلدان”.

– 2 – رواية الجحيم والرموز:

روبرت لانغدون البروفيسور في علم الرموز، تُرسل إليه “جهة ما” رموزا وإشارات من أشعار “الكوميديا الإلهية” لدانتي. فيحل الرموز بصحبة فتاة تدعى سيينا والتي تساعده كثيرا جدا.

رواية الانهياروالرموز:

مهدي العلي المحامي، تُرسل إليه “جهة ما” رموزا وإشارات من تنبؤات نوستراداموس وأشعار وجُمل يكتبها المختار ووالده. فيحلها بصحبة فتاة تدعى مها والتي تساعده كثيرا جدا.

– 3 – رواية الجحيم والمنظمة الأمنية:

العميد يمثل السلطة في الكونسورتيوم – المنظمة الأمنية – يريد تنفيذ رغبة الشخص الشرير في الرواية، لكنه يُعتقل في الأخير.

رواية الانهيار المنظمة الأمنية:

سكوت أوزلينغ رئيس بلاك ساند – المنظمة الأمنية – يريد تنفيذ رغبته الشخصية وسرقة الذهب، لكنه يقتل.

– 4 – رواية الجحيم: تروج لمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”

بدليل ما ورد في صفحة 339 وما بعدها أيضا “الانتقاء يكون دائما عملية فوضوية، الرجل الذي قطع ساق طفل في الثالثة من عمره مجرم رهيب.. لكن، إن كان الرجل طبيبا يحاول إنقاذ حياة الطفل المصاب بالغرغرينا.. فعندها يختلف الأمر، وأعتقد أن بيرتراند – الشخص الشرير – كان لديه هدف نبيل لكن وسائله…”.

رواية الانهيار: أيضا تروج الرواية لمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”

بدليل النص التالي في صفحة 104 على لسان بطل الرواية مهدي العلي “في السياسة كل شيء مباح مها، الشيء الوحيد الأكيد بالنسبة لي هو أن المختار لم يختلس شيئا لنفسه، بل قام بتلك الأعمال غير الشرعية من أجل ضمان مستقبل البلاد وتنويع مصادر الدخل”.

– 5 – رواية الجحيم والبطل:

بطل الرواية مخدوع من قبل جهة لا يكتشفها إلا في نهاية الرواية. هي الجهة التي تزوده بالشيفرات والرموز.

رواية الانهيار والبطل:

بطل الرواية مخدوع من قبل جهة لا يكتشفها إلا في نهاية الرواية، هي الجهة التي تزوده بالشيفرات والرموز.

– 6 – فصول رواية الجحيم:

فصول قصيرة موزعة على 104 فصل.

فصول رواية الانهيار:

فصول قصيرة موزعة على 101 فصل.

– 7 – رواية الجحيم والمعابد الدينية:

الوباء ينتشر في الماء، ويتم اكتشافه بعد تتبع معابد دينية ومعالم أثرية.

رواية الانهيار والمعابد الدينية:

الذهب يُكتشف قرب الماء، بعد تتبع معابد دينية أيضا.

الآن لنتجاوز التشابهات بين رواية المالكي وبراون، لننظر لمفهوم “الوطنية” في رواية الانهيار والذي يبدو غريبا جدا، لأعطيكم أمثلة:

– الرئيس محمد المختار:

شخص وطني كما يصفه بطل الرواية، لكنه بالوقت نفسه قام بعمليات سرقة واختلاسات [من الدولة] وعمليات قرصنة بحرية “المختار لم يختلس شيئا لنفسه لكنه قام بتلك الاعمال غير الشرعية من أجل ضمان مستقبل البلاد… ص 104”. هنا. نجد أن المختار لا يمتلك خطة اقتصادية لتجاوز الانهيار، هو يعرف كيف يسرق ويختلس من الدولة فقط!

– المحامي مهدي العلي:

شخص وطني كما تظهره الرواية، لكنه ينفي تهم القرصنة والاختلاسات عن الرئيس المختار برغم اعتراف الرئيس له بأنه نفذ فعلا هذه الجرائم “ورغم أني نفيت تلك التهم عنه في المحكمة إلا أنه كان قد أخبرني بأنه قد قام فعلا بذلك… ص 102”.

– اللواء ماهر:

رجل يبحث عن الذهب الذي خبأه المختار لكي يسلمه للدولة وينقذ العراق من الانهيار! لكنه يقتل متعمدا صديقه الرئيس السابق، ويعترف أيضا بعدة جرائم “نفذت أنا عملية دعم القراصنة الصوماليين، وسحبت كمية من ذهب خزينة البنك بعملية استخبارية وعمليات اخرى كثيرة.. ص 349”.

اتساءل.. أي رسالة عن معنى “الوطنية” تريد أن توصلها الرواية؛ كيف لنا أن نُدخل السارق والقاتل والمختلس في إطار الوطنية؟!

في مقابلة مع قناة المسار يتحدث الروائي رسلي المالكي عن روايته، يقول ما نصّه:

“الانهيار هي عبارة عن مشكلة عالمية متوقع حدوثها في السنوات القليلة المقبلة وهناك حل في نفس الرواية إنه كيف ممكن للبلدان أن تنجو من هذه الكارثة العالمية”.

الحل الذي يطرحه رسلي المالكي في الرواية هو تخزين الذهب، لأنه يجزم أن قيمة الذهب ثابتة بعكس قيمة العملة الورقية “في النهاية ينهار المال بكل عملاته، ويكون عصر الذهب قد بدأ… ص 200”.

لكن لو فرضنا أن بلادا ما أرادت أن تحيي انهيارها ببيع كميات كبيرة من الذهب فهذا يعني تقليل لقيمته وهي بالنتيجة تبيعه بالدولار، وبديهي أن أي مادة تطرح للتعامل بكثرة فإن سعرها سيقل بما لا يقبل الشك..

لذلك نجد الآن عدم التعامل بالذهب إلا بقدر محدود حفاظا على قيمته.لكن الاحتمال الاخر – بحسب خبير اقتصادي – هو ان يتم التحول الى العملات الاخرى، خاصة اليورو، او اليوان الصيني.

وهو الاحتمال الاكثر رجحانا، وواقعية… لثلاث اسباب رئيسة:

الاول:

إن هذا الانهيار من الصعب أن يحدث بشكل مفاجئ لأن أميركا لا تزال تمثل قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية.

ثانيا:

حتى دول مثل الصين واليابان واوربا لن يكون من مصلحتها انهيار مفاجئ لانها تحتفظ بجزء كبير من احتياطياتها بالدولار. واذا تخلت عن الدولار بسرعة فان ذلك يمكن ان يخلق حالة اضطراب وذعر داخل اقتصاداتها.

ثالثا:

لان هذه الدول لا تزال تعتبر السوق الاميركي من أكبر الاسواق لمنتجاتها واموالها.اتمنى على كاتب الرواية أن لا يصرّح بتصريحات مُطلقة كأنها حقيقة لا تقبل الشك. فعلم الاقتصاد كما يبدو يقبل أكثر من حل.

***ملاحظة: اعتذر من معجبي الكاتب رسلي المالكي لأني لست من مشجعي تقليد الروايات.

3/ الآلهة عندما تُمرر الوقت:

.يكتب هوميروس في الإلياذة:

“قلق زيوس من إعتزام أخیل اقتحام الحرب. وكيف لا يقلق سيد الأولمپ وكل من الفريقين يصلي له، ويطلب منه العون، ويتوسل إليه أن يظفر بعدوه، فتنجاب هذه الغاشية التي صرعت الرجال، وضرجت أديم الثری بدماء الأبطال!”

منذ زمن هوميروس – وحتمًا في زمن أقدم – كانت الآلهة تمر بهذا المأزق، نحن ندعو وعدوّنا يدعو ربّه للنصر وسحق العدو.

لكن مع من تقف الآلهة؟

في الإلياذة يقرر زيوس أن يجتمع بالأرباب لغرض الاستشارة، لكن المشكلة أن فريقًا منهم مع طروادة، وفريق آخر يريد النصر للهيلانيين.

المثير في القصة هو فريق ثالث ينقم على هذه الحرب الغبية.

هوميروس

يقول هوميروس متحدثًا عن الفريق الثالث “وفريق ثالث لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ينقم على هذه الحرب الشعواء التي سرت لغير ما سبب يستاهل كل تلك الضحايا ويستحل كل هذه المهج، وهذا الفريق يحنق على طروادة ويحنق على هيلاس على السواء ويود لو يأذن سيد الأولمپ فيزلزل بهما الأرض، ويرسل عليهم کسفا من السماء، فلا يبقي على أحد منهم أبدا!”.

في الحقيقة لا يمكن أن يكون هناك حل أمام خصمين قويين، فلا يمكن سحق أحدهما تمامًا، ولا يمكن سحقهما معًا.

لذا ومع اضطراب رأي الآلهة وعدم توصلها لقرار يجعل النصر مع جهة محددة، يقرر مجمع الآلهة رأيًا لا يعدو إلا أن يكون “تمريرًا للوقت” فيذهب فريق من الآلهة مع الطرواديين لإرشادهم وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم، وفريق آخر يخفف من سورة أخيل والهيلانيين “حتى تكون الحرب سجالًا إلى أن يرى الآلهة في شؤون خلقهم رأيًا”.

كما يُعبّر هوميروس.إنه تمرير للوقت يشبه جملة أورويل الشهيرة في رواية الحنين إلى كاتالونيا حين يتحدث عن الحرب “إنها مسرحية هزلية تتخللها بعض الوفيات أحيانا”.

0 تعليقات

    أترك تعليق