روائيين وروايات(ج20). بقلم وليد غالب.


في هته المقالة سنقدم تحليل لبعض الروايات والصراع الذي كان بين الروائيين الكبار وذلك كالتالي: 1/ كونديرا وماركيز, 2/ جورج أوريل “ينتقد” تولستوي, 3/ كونديرا مقابل أورويل, نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ كونديرا وماركيز:

يورد الكاتب أحمد المهنا حديثاً للروائي ماركيز، في العدد الأول من مجلة المسيرة اللبنانية عام 1981 عن مقطع صعود ريميديوس للسماء في رواية مائة عام من العزلة:

“قررت أن أجعلها تصعد إلى السماء جسداً وروحاً لأني تذكرت سيدة من بلدتنا هربت حفيدتها في فجر أحد الأيام. وخجلاً من هذا الهرب أخذت تصرخ بأن حفيدتها قد صعدت إلى السماء.

مريم العذراء:

فكانت تروي ذلك للناس وتحكي لهم عن البروق والأمور الأخرى التي رافقت صعود حفيدتها – الجميع كانوا يسخرون منها – فكانت تقول لهم بأن مريم العذراء قد صعدت إلى السماء فلماذا لا تصعد حفيدتها أيضا.. فكان هذا مافكرت به ككاتب عندما كنت أكتب هذا المقطع:

إذا كان الحل الأدبي لأسطوره مريم العذراء هو الصعود إلى السماء جسداً وروحاً فلماذا لايكون هذا أيضاً هو الحل الأدبي لأحدى شخصياتي؟… لقد صعدت وصعدت ولم تجد أي صعوبة”.يُضيف ماركيز – بحسب المهنا – أن “كل ما كتبته له قاعدة واقعية، لأنه إن لم يكن كذلك فهو فانتازيا، والفانتازيا تعني والت ديزني، وهذا النوع من الأدب لا يهمني”.

***ربما يكون مثال صعود ريميديوس من أشهر الأمثلة التي تُضرب في تمثيل الواقعية السحرية، لكنها برغم مُبررها إلا أنها تبقى بلا هدف، ولا تقول شيئاً.

واقعية سحرية:

إنها تبدو كنهاية مشهد، أو حلاً من المؤلف لإنهاء وجود شخصية روائية. لكن هناك نوع آخر من الواقعية السحرية، يبتعد عن بساطة ماركيز، ففي رواية كتاب الضحك والنسيان لكونديرا، الصادرة عام 1987، نقرأ مشهد صعود حلقة الرقص نحو السماء “كانوا جميعاً يبتسمون، ومال ايلوار على فتاة كان يمسك بكتفها وقال:

الإنسان المهووس بالسلام يكون دائم الابتسامة، فطفقت الفتاة تضحك، وضربت بقدمها الرصيف بقوة، حتى ارتفعت ببضع سنتمترات عن الأرض، جاذبة الآخرين معها نحو الأعلى. وما هي إلا لحظة حتى لم يعد أحد منهم يلامس الأرض، وظلوا يقومون بخطوتين في مكانهم، وخطوه إلى الأمام دون أن يلامسوا الأرض، أجل كانو يحلّقون فوق ساحة القديس فانسيسلاس”.

بطبيعة الحال، يُحسب هذا المشهد على الواقعية السحرية، لكنه يبدو متفوقاً جداً عن مشهد ماركيز، فكونديرا يرمي أكثر من فكرة في هذا النص القصير.أولا:

هو يعتقد بأن الابتسامة سمة الإنسان المهووس بالسلام، وبرغم أن هذا الكلام يبدو جميلاً، إلا إنه يحمل معنى آخر، إنه يتحدث عن فرض الابتسامة على الشعب، لذا نجده يجعل كل من كانوا في حلقة الرقص يبدون مبتسمين وسعداء، وهم يرقصون حبّاً في تحقيق أهدافهم الاشتراكية، إنها ابتسامة تساوي عند كونديرا غياب العقل.

كونديرا والمزحة:

فعلى الكل أن يفرح. وبالعودة لبدايات كونديرا، في روايته الأولى “المزحة” الصادرة عام 1967 نرى الفكرة نفسها، أعني فكرة سوء الابتسامة، أو ما تحمله الابتسامة الجماعية من معنى شمولي، يقول لودفيك بطل الرواية، متحدثاً عن سنوات انتشار الشيوعية وفوزها في التشيك في شباط 1948:

“والغريب أن هذه الجدّية لم يكن يتخللها أي تهجّم، بل على العكس كانت الابتسامات سمتها ظاهرياً، أجل، كانت تلك السنوات تبدو أكثر بهجة، ومن لم يكن مبتهجاً كان يُتّهم بأنه متضرر من انتصار الطبقة العاملة”.

ثانياً: طيران حلقة الشباب التشيكيين نحو السماء، ليس دلالة على براءتهم أو تطهيرهم، بل إنه يشير لشيء معاكس، فكونديرا يعتقد أن الشمولية من الممكن أن ترتفع وترتبط بالسماء، ترتفع وتصل لكل شيء يحمل حقيقة مُطلقة.

الإنسان المهووس بالسلام:

إن فكرة الإنسان المهووس بالسلام، بالعدالة والمساواة المطلقة، عند كونديرا، تشمل كل شخص من الزعيم السياسي وتصل لمستوى الأديان. لتاكيد الفكرة، يربط كونديرا حلقة الشباب الطائرين ويجعلهم كتاج فوق تمثال القديس فانسيسلاس، القديس الذي يُعدّ الشفيع للأراضي التشيكية وأحد الرموز الداعمة للديانة المسيحية “كانت حلقتهم تشبه تاجاً ضخماً محلّقاً”.

***ربما يكون مشهد طيران حلقة شباب براغ في رواية كتاب الضحك والنسيان، بالنسبة لوجهة نظر ماركيز هو مشهد “والت ديزني” لكنه بطبيعة الحال يحمل قيمة فكرية أكبر من واقعية ماركيز السحرية في مشهد طيران ريميديوس.

2/ جورج أوريل “ينتقد” تولستوي:

يرى تولستوي أن شكسبير لم يكن سوى اكذوبة “لم يُثر فيّ سوى مللا ونفورا لا يقاومان” تصوره هذا بعد أن قرأ أعمال شكسبير بالانكليزية والروسية والالمانية.

يقول “أنا الآن في سن الخامسة والسبعين، وقمت باعادة قراءة جميع أعمال شكسبير حتى مسرحياته التاريخية، لكني شعرت بقوة أكبر للمشاعر نفسها “الملل والنفور اللذان لا يقاومان” لكن هذه المرة ليس بشيء من التعجب، بل باعتقاد ثابت بأن المجد غير المُنازع لعبقري عظيم مثل شكسبير لهو شر عظيم.

شكسبير ليس عبقريا زائفا فقط بل إنه ليس مؤلفا متوسطا حتى”.. ركزوا بهذه الكلمات “شكسبير ليس عبقريا”! بعدها يبدأ تولستوي بسرد أدلته بتفاهة شكسبير ويكون اختياره لمسرحية الملك لير لأنها الأكثر شهرة “حسب وجهة نظره” ويطرح فكرة يعتقد انها تدحض “حكمة” المسرحية (إذ لابد للعمل من حكمة) مفادها أن “الملك لير ليس له حاجة أو دافع للتنازل عن عرشه”..

تولستوي وجورج اورويل:

وبغض النظر عن أدلة صاحب “الحرب والسلام” فإن جورج أورويل يعطي ملاحظتين مهمتين عن “نقد تولستوي للملك لير” الأولى هي أن مقياس “نجاح النقد” عند “أورويل” لا يعتمد على كلمات مطاطية مثل “لم يكن صادقا في رأيه” أو “إنه شخص زائف” كما وصف تولستوي شكسبير لأنها كلمات تدل على ضغينة ما.

والأمر الثاني هو أن أورويل انتبه لأمر مهم جدا؛ فالشبه كبير بين تولستوي وبين “الملك لير” الاثنان ثريان تنازلا عن كل شيء لغرض السعادة.. والاثنان شعرا بالندم لتنازلهما عن السلطة، وكأن تولستوي حاكم حياته من خلال “الملك لير” بمعنى أنه كان يقول لنفسه “كم أشعر بالندم لهذ الفعل”، بمعنى أدق فإن شكسبير “عرى” تولستوي قبل أن يراه.جوروج اورويل “أصاب” صاحب “آنا كارنينا”.

في مقتل.. وهذا هو “فن النقد”.قراءتي لمقال في كتاب “لماذا اكتب” لـ جورج اورويل.

3/ كونديرا مقابل أورويل:

يتحدث كونديرا في كتاب فن الرواية عن رواية 1984 لجورج أورويل: “تلك الرواية التي ظلت على مدى سنوات طويلة مرجعا أساسياً للمناهضين للانظمة الشمولية. في هذه الرواية التي تريد أن تكون وصفا مرعباً لمجتمع شمولي خيالي، ليس هناك نوافذ”. يضيف “نحن هنا لا نشاهد الفتاة الهزيلة التي تملا جرتها بالماء”؛ طبعا.

الفتاة الهزيلة هي إحدى شخصيات رواية المحاكمة لكافكا. شخصياً أتفق مع كونديرا، لأن رواية 1984 تسير باتجاه واحد، فيها؛ لا أمل للإنسان بالخلاص من إضطهاد الدولة الشمولية، ولن يعيش الآدمي إلا مستسلما مسحوقاً، هذه هي رؤية أورويل لحاضره وللمستقبل أيضا، في وصيته التي اذاعتها محطة BBC يقول “إذا أردت صورة للمستقبل فتخيل جزمة عسكري تدوس على وجه آدمي إلى الأبد”.

1984 تسير بخط واحد، والقراء – في الغالب – سيتتبعون مصير البطل وما ستفعله به السلطة.

لكني اختلف في قضية عدم وجود نوافذ، فلو افترضنا أن النافذة هي الأمل، فيكفي الإشارة لاستمرار بطل 1984 بالمقاومة وعدم الاستسلام، ولو افترضنا النافذة هي”فكرة خارج إطار الرواية” فإننا نجد أورويل كتب:

“لكن وجه الأخ الأكبر، ورغم زواله عن الشاشة. بقي منطبعاً عليها لثوان أخرى، كما لو أن التأثير الذي تركه في أعين الحضور أقوى من أن ينمحي دفعة واحدة وعلى الفور”

هذا النص يعطي إشارة بعدم اعتبار 1984 موجهة ضد الشيوعية فقط، إنما هي – أي الرواية – تعتقد بزوالها أي بالتدريج.

ومع إنها تزول بالتدريج بناءً على الجملة السابقة “التأثير الذي تركه في أعين الحضور” فإن أورويل يؤمن أن آثارها ستبقى لمدة أطول.

اما إذا كانت النافذة هي استمرارية حياة الناس، فاورويل لم يغفل هذا الشيء، متمثلا بالمرأة القوية الولود التي كانت تنشر الغسيل – حفاظات أطفالها وأحفادها – فبعد أن يصف قوتها وصلابتها واستمرارها بالغناء الشعبي يقول “إن العامة خالدون، وهذه حقيقة لا يمكن أن يرتقي إليها الشك حينما ينظر المرء إلى القوام الراسخ للمرأة التي في الساحة”.

يضيف “إن الطيور تغني والعامة تغني، لكن الحزب لم يغنّي”. في مكان آخر من 1984 يرسم أورويل مشهدا لفتاة ذات شعر أسود، تخلع ثيابها وترميها مرة واحدة دون اكتراث، هذا المشهد يجعل ونستون يتخيل أن هذه الفتاة “برشاقتها وعدم مبالاتها بدا كأنها تقوض ثقافة كاملة وتنقض نظاما فكريا بكامله”.

سوداوية رواية المزحة ورواية 1984:

المشاهد السابقة – بالنسبة لي – من الممكن اعتبارها “نافذة” غفل عنها كونديرا. في المقابل أجد أن رواية المزحة، مليئة بسوداوية لا تقل عن 1984، لأن شيوعية تشيكوسلوفاكيا دمرّت المواطن التشيكي.

كونديرا جعل نهايات أبطال المزحة سيئة – هي نهايات منطقية بطبيعة الحال – ولكنها بلا نوافذ داخل أرواحهم حتّى، نجد أن لودفيك – البطل الرئيس في المزحة – يفشل في كل شيء حتى في الإنتقام. أيضا هيلينا تخسر زوجها وحبيبها، جاروسلاف يكتشف أنه مخدوع، كوستكا يترك زوجته وطفله، إنها رواية بلا أمل.

يضيف كونديرا أن رواية 1984 لم تكن رواية، هي “فكرة سياسية مقدمة في شكل رواية” لكن ماذا كانت المزحة؟! إنها أيضا فكرة معتمدة بشكل أساس على وجود نظام شمولي وعلى نقد هذا النظام.

فلا يمكن تخيل وقوع أحداث المزحة في بلد بعيد عن سلطة الشيوعية – الرواية مُنعت في تشيكوسلوفاكيا لأسباب سياسية وضعوا تحت أسباب سياسية عشرات الخطوط – وهذا الاتهام نفسه من الممكن عكسه على كونديرا؛ فمثلا، أستطيع أن أقول أن رواية كائن لا تحتمل خفته، بنائها يعتمد على فكرة – العود الأبدي – لنيتشه وهي رواية في مجملها فلسفية.

الرواية السياسية والفلسفية:

هل يُعد خللاً أن تكون الرواية سياسية أو فلسفية؟! لنأخذ الأمور ببساطة أكثر، ونطرح السؤال التالي: لماذا تكون أغلب كتابات كونديرا محشوّة بالفلسفة والموسيقى؟ الجواب ببساطة أيضا:

لأن الفلسفة والموسيقى هي همّ كونديرا ودراسته، لذا نراه يعكس همّه وما يفهم فيه في كتاباته، في حين أن همّ أورويل هو السياسة وهو مثل كونديرا يعكس همه ورؤيته للحياة فقط، عام 1946 كتب أورويل مقالاً بعنوان لماذا أكتب قال فيه “أكثر ما رغبت بفعله طوال العشر سنوات الماضية، هو أن أجعل من الكتابة السياسية فناً”.

***مزحة منيفي صفحة 16 من 1984 يصف أورويل نساء الحزب على لسان ونستون “كان يمقت كل النساء تقريبا، خاصة الشابات الجميلات منهن، فقد كنّ أكثر أعضاء الحزب إخلاصا وتمسكا بمبادئه” هذه الجملة تلقي بظلالها على مزحة كونديرا بالذات على شخصية ماركيتا الجميلة التي أرسل لها لودفيك بطاقة تسببت بتدمير حياته، فعندما يسألها إن كان ما ارتكبه – من مزحه – جرماً، تجيب:

نعم أعتقد ذلك، وتضيف مخبرة لودفيك بعدم أحقيته بالاستمرار في الحزب “لا أعتقد يا لودفيك أن لك الحق في ذلك”.

وطبعا أستطيع أن استخرج الكثير من المشاهد والأفكار المتشابهة بين الروايتين برغم فارق العشرين سنة تقريبا بينهما.

بطل رواية 1984:

***لماذا يكره كونديرا بطل رواية 1984 – لا أريد أن أقول أنه يكره أورويل – الأمر يبدو لي واضحا جدا، وقد أكون مخطئا، لكني الاحظ أن شخصيات كونديرا في المزحة هي شخصيات لا أخلاقية وبلا مبدأ.

كونديرا يعتقد أن هذا هو شكل الإنسان الحديث، الذي هو بعكس شخصية ونستون المبدئي المثالي. يقول “الإنسان الحديث يغش، يُجهد في التحايل على كل اللحظات التي بلا عودة” وهو يعتقد أن “ليس ثمة فعل حسن أو سيء في ذاته، وحده موقعه في النظام يجعله خيراً أو شراً”.

طبعا الممكن ملاحظة عدم وجود مبادئ عند لودفيك بطل رواية المزحة في مشهد محاكمته وطرده من الحزب بواسطة اساتذته وزملائه “جميعهم رفعوا ايديهم للمصادقة لا على قرار فصلي من الحزب فحسب، بل على حرماني من متابعة دراستي”.

بعد صفحات يعترف لودفيك أنه لو كان مسموحاً له بالتصويت على إنهاء مستقبل شخص ما فإنه لن يمتنع “لم أكن أجد في ذاتي أدنى ضمانة بأن أكون أفضل من الآخرين”، هنا نفهم أن انزعاج لودفيك لم يكن بسبب مبدئي أو إنساني أو عن تعارض فكري – كما في شخصية ونستون – بل هو إنزعاج لتعرضه للإهانة والطرد من الحزب وحرمانه من حق رفع يده، فهو – أي لودفيك – لم يخالف توجهات الحزب، ولم يعترض على الظلم إلا حينما أصابه شخصياً.

هل اتحدث عن إنسان مبدئي؟! نعم. لكني أتحدث أيضا عن اختفاء الإنسان العادي بين أبطال “المزحة” الإنسان الذي لا يريد غير العيش بكرامة ولا يرضى بالإهانة، ولا يريد السعي نحو سلطة، ويقول: “لا”.

كونديرا ورواية 1984:

***بصراحة لا أعرف كيف يتجاوز كونديرا السياق التاريخي والفكري في زمن كتابة رواية 1984، كيف يتجاوز أن النموذج القمعي الستاليني قد تغير شكله في العام 1967 العام الذي كُتبت فيه رواية المزحة؛ في رسالة للروائي ألدوس هكسلي معنونة لأورويل “أن مُشتهي السلطة يمكن أن يكونوا مقتنعين وراضيين تماماً لو جعلوا الناس يحبون الاستعباد بدلاً من جعلهم يرضخون طاعة للسلطة بالجلد والضرب”.

***حسنا؛ لا تأخذوا هذه الفقرة على محمل الجد لكن: كيف سيكون المجد لرواية المزحة لو أن 1984 لم تُكتب؟ الرواية التي يقول عنها كونديرا أنها “ظلت على مدى سنوات طويلة مرجعا أساسياً للمناهضين للأنظمة الشمولية”.

0 تعليقات

    أترك تعليق