مراجعات وتحليلات روائية (ج18). بقلم ميرفت الخزاعي.


سنقدم في هته المقالة مراجعات وتحليلات لأربعة روايات هي كالتالي: 1/ السيد بالومار / ايتالو كالفينو, 2/ الخوف / ستيفان زفايغ, 3/ صحوةٌ ربٍّ ثمل الكاتب والروائي علي العذاري, 4/ رواية العنب الاسود. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ السيد بالومار / ايتالو كالفينو:

إنصهار الادب والفلسفة في بوتقةٍ واحدة:

اميلُ بطبعي لمطالعة الاعمال الادبية ذات الاطار او الطابع الفلسفي المنكهة مادتها بالاسئلة التي تحاول تحريك الافكار الراكدة بقاعِ العقل .

السيد بالومار:

يقدم ايتالو كالفينو روايته السيد بالومار على طبق مزخرفة حوافه فلسفيا.

فقد تناول كالفينو عبر صفحاتها ال 154؛ البيئة التي يعيش فيها السيد بالومار وكل ما تحتويه ويحيط وله علاقة به و بها، بأسلوبٍ يتضمنُ البحث والتحليل ومحاولا ايجاد التفسير، فهو يراقب ويتأمل ما حوله من دون استخدام منظار او تلسكوب او مجهر او ادوات قياس معتمدا في استكشافه واستقصائه على الحواس فقط.

لان المعرفة المتأتية عبرَ الحواس ارسخ وادوم تأثيرا من تلك التي يتم الحصول عليها من خلال الكتب تبعا لمنطق المؤلف المتاثر بالفلسفة الوجودية .

فيسأل ويناقش ويجيبُ نفسه بنفسه _اذا ما سلمنا ان كل نفس بشرية تتضمن داخلها كونا بأكمله _او عددا محدودا من الاشخاص القريبين منه ( زوجته وبعض اصدقائه) .

من يستخدم الآخر او يستثمره الادب ام الفلسفة او كليهما ؟!

او ماذا يضفي كل منهما على الآخر هل يلبسُ الادب ثوبا فلسفيا ام ترتدي الفلسفة قناعَ الادب ؟!

الفلسفة والأدب:

تدخلُ الفلسفة في جميع مفاصل حياتنا محاولة ايجاد التفسيرات لكل ما حولنا والوقوف على العلل المسببة لها. و الادب احدى الوسائل التي تعبر عنها او تستخدمها فهو يتيح اظهارها بصورة فنية غير مملة.

وهو طريقة للتعبير عن الآراء والمعتقدات والافكار والمبادئ التي يتبناها المؤلف اذ يسمح السرد بأستغلالها او استثمارها عبر طرحها او الترويج لها او تلخيصها او عرضها على الآخرين ( القرآء) .

تشكيلها او دمجها بشكل مشوق بعيدا عن الرتابة وبالمقابل تعطي الفلسفة النصوص بعدا اكبر واعمق .

او ربما يعود هذا لزوايا نظر المؤلف التي تساهم وتعمل على تحديد او تركيز الرؤية حول نقاط معينة وبالتالي تكوين انطباعات مختلفة للاشياء التي تبدو عادية.

الفلسفة ورواية السيد بالومار:

يختار السيد بالومار الظواهر المألوفة التي قد لا يعيرها احدٌ انتباهه، فمثلا من يخطر في باله تتبع القمر في منتصف الظهيرة حين يكون وحيدا وغير مثيرٍ للاهتمام ولا يكاد شكله يتعدى خيطا او حلقة بيضاء رفيعة فارغة ، او مطالعة النجوم في ليالي الشتاء القارصة او مراقبة السلاحف والوزغ تلك الزواحف البطيئة اثناء ممارسة غريزتها الحيوانية و تزاوجها ، او الطيور وطريقة تواصلها مع بعضها ، او ملاحظة نشوء وتقدم الموجات المتعاقبة على شاطئ البحر.

وهكذا يوكل لنفسه مهمات يرى من واجبه القيام او اشغال تفكيره بها .يظن السيد بالومار ان روما غالبا معرضة للهجمات :

من السماء حيث تغطي الحمائم ساحاتها وارصفتها ويُنثر لها الحبوب لتزيد مسحة الجمال للمدينة السياحية ، ومن تحت الارض اذ تقوم الفئران بقضم قواعد ابنيتها وبيوتها الرطبة. و يجد في طرده وكشه للطيور التي تتخذ من شرفته موضعا للراحة اثناء هجرتها وترحالها ؛ فعلا ورغبة مدفونة بداخله للدفاع عن حياض وطنه المستباح.

فحين لا يكون هناك عدو حقيقي ظاهر قد نلجأ لاتخاذ وصنع واحدا وليس مهما ابدا اذا ما كان من الحيوانات او اي شئ آخر ، اظنها امنية الانسان الكامنة في ان يصبحَ بطلا.لكنه في الوقت عينه يتلذذ بمراقبة طيرانها وتشكيلات اسرابها وحركاتها ، اذ تمثل مصدرا للاسئلة التي تشغل روحه وفكره.

ولد الكاتب والصحفي والناقد ايتالو كالفينو عام 1923 في كوبا ونشا في سان ريمو بايطاليا ، اهتم في الستينات بالمدارس النقدية والفلسفية الجديدة في فرنسا خصوصا، وانعكس هذا على طبيعة اعماله الروائية ومنحها عمقا فلسفيا واسبغ على نظرته للاشياء والعالم طابعا جديا مختلفا عما هو سائد.

اشتهر بثلاثيته أسلافنا ( الفسكونت المشطور، البارون ساكن الشجر، فارس بلا وجود) بالاضافة الى مدن لا مرئية وقلعة المصائر المتقاطعة.

و السيد بالومار هي آخر عمل روائي صدر قبل وفاته عام 1985. ابواب الرواية المستقلة او المنفصلة وإن لم تكن كذلك فعلا ، تسمح للقارئ بعدم الالتزام بتتبع صفحاتها لكنها في الوقت نفسه تترابط مع بعضها البعض بلبها او مركزها الموحد فضلا عن الاسلوب الذي تناولها به ، تبرز هناك وحدة الفكرة مكانا وزمانا ومحتويات من شخصيات واحداث.

وليس ضروريا ان تكون الاحداث افعالا او تنتج عنها افعالا حركيا ، فالتفكير والتحليل بل حتى التأمل فعلا يقوم به الدماغ بمشاركة الحواس.

ظهر تأثر كالفينو بالفلسفة ودراستها بشكل واضح في كتاباته ومنها روايته هذه اذ اعتمد بطله السيد بالومار على التجربة والملاحظة في الحصول على الاستنتاجات التي يود معرفتها فكان ينتقل من بقعة الى اخرى في بيئته ( البحر، الشاطئ، المرج النباتي، الحيوانات ، السماء ، الارض ، التربة و الطقس).

و ربما كون والده ماريو عالما في النبات وامه مساعدة جامعية في علم النبات ، منحه او وفر له هذا المحيط او البيئة التي عاش فيها امكانية الاقتراب من عالمي النبات والحيوان وبالتالي الشغف بهما الذي بان واضحا في الرواية ومنحه تلك الدقة والاسهاب في الوصف والقدرة على الانتباه للتفاصيل الصغيرة وغير الواضحة او تلك التي قد لا يلاحظها احد.

2/ الخوف / ستيفان زفايغ:

اغفلتُ متعمدة مقدمة الرواية وهذه هي عادتي عند قراءة الكتب الادبية المترجمة وغيرها ، اترك لنفسي تصفح الكتاب من غير توصية او تزكية من اي انسان حتى لو كان من المؤلف نفسه.لم يضيع الكاتب ستيفان زفايغ وقتا في الشرح او الوصف او التمهيد لموضوع روايته وثيمتها الاساسية ( الخوف) بل ذكرها وافصح عنها منذ الصفحات الاولى .

في البداية اعترضتُ على سبب اختيار المؤلف لهذا العنوان الكاشف و ربما الفاضح لموضوعة الرواية غير اني اكتشفت فيما بعد ان اكثر الامور غموضا وصعوبة قد تكمن خلف الاشياء الواضحة والصريحة.

(حتى في اسوأ الاشياء هناك جوانب جيدة ) ، هذا ما يود قوله الكاتب المسرحي ومجسد سير ذاتية والحاصل على دكتوراه في الفلسفة النمساوي من اصل يهودي ستيفان زيفايغ في روايته القصيرة (نوفيلا) التي كتبها عام 1913 ولا يتجاوز عدد صفحاتها 85 صفحة و قام ترجمتها ابو بكر العيادي.

يُعتبر الخوف حالة طبيعيّة فسيولوجية ونفسية تشعر بها جميع الكائنات، وهو عند الإنسان موجود في فطرته ومنذ ولادته، لكن نسبة الخوف تختلف من شخص إلى آخر، تبعاً لاختلاف الظروف والبيئات والعمر ونوع الشيء الذي سبب الشعور بالخوف له.

هناك أنواع كثيرة من الخوف، تختلف في قوتها ونوعها وتأثيرها. يؤثر الخوف بشكلٍ مباشرٍ في الهرمونات التي يفرزها الجسم، كما يفعل في طاقته وحيويته، و في بعض اعضائه.

البطلة آيرين في رواية الخوف:

تناقش الرواية هذا الشعور اذ يطوق الخوف البطلة آيرين منذ صفحاتها الاولى ، فأثناء خروجها من بناية سكنية في احد الاحياء الفقيرة حيث يقطن حبيبها العازف الموسيقي الشاب ، تجد نفسها محاصرة من قبل امراة رثة الثياب وذات شكل وهندام غير مرتبين متهمة اياها قامت بسرقة حبيبها ( ادوارد ) منها.

تبادر آيرين وبدون اي تفكير او تأخير بتقديم مبلغا من المال لاسكات فم المرأة الغاضب الذي راح يطلق حممه الكلامية بصوت مثير للانتباه كما تعهدت لها بعدم مجيئها لهذا المكان ثانية مقابل ان تدعها ترحل بسلام.

للخوف اشكال وانواع تختلف حسب المؤثر والمسبب له، فالبعض يخاف الاماكن المظلمة او المرتفعة او التحدث امام جمهور او جمع غفير من الناس او من مواجهة شاشة الكاميرا او من حيوان ما او من شخص ما او من القيام بعمل ما.

يشمل الخوف العلاقات الانسانية ، فخوف الام على ابنائها او خوف بعض الناس من الفراق او انتهاء بعض العلاقات او من بدايتها وغيرها الكثير.

ظنت البطلة ان هذا الاجراء كفيل لابعاد شبح الخوف عن حياتها وتقليص نفوذه وان المال يمكنه شراء كل شئ حتى الامان و الهدوء والراحة والطمأنينة وليس الاكل والشرب والطعام وتأمين المأوى فحسب.

ومن خلال هذه الحادثة وتطوراتها المتسارعة والمتسلسة صور الكاتب الصراع بين الطبقات الاجتماعية البرجوازية الغنية والفقيرة.عدت ايرين عشيقها كقطعة او لوحة فنية امتلكتها او حيوان أليف اقتنته مكملا لحياة الرفاهية التي تعيشها لذا حالما وجدت نفسها في موضع الاختيار او التفاوض او المقايضة تخلت عنه بدون تأخير او تفكير.

ودت آيرين التخلص من شعور الخوف الذي ملأ حياتها بأسرع وقت فمع كل دقيقة كان وزن الذنب يصبح أكبر ، فالخوف غالبا ما يؤدي للكذب والمداراة والتحايل والتمثيل، وكلما اسرعت في تقويض سيطرته تحررت منه وشعرت بالراحة.تصاعد شعور ايرين بالخوف تدريجيا ، فبعد ان كان محصورا في الحي الذي دأبت على لقاء حبيبها فيه ، اتسعت رقعته مقتحما منزلها.

حينها وجدت في السهرات التي يعقدها بعض اصدقائهم فترات آمان وهروب من الكابوس الذي يلاحقها فقد تمكنت صديقة العازف من معرفة شخصية وعنوان ايرين رغم احتياطاتها .خطر الخوف يكمن في انه يضخم الامور والاشياء والاخطاء ويضاعف حجمها لكن هذا لا يعني بالتأكيد ان الخوف سيئا تماما فأحيانا يضع الحقيقة نصب عينك عارية وصريحة ومباشرة فما من سبيل امامك سوى مواجهتها.

اضطرار ايرين للمكوث في منزلها جعلها تدرك حجم وكبر الفجوة بينها وبين زوجها فقد رضت بهذا الزواج التقليدي الذي اختاره لها والدها ولم تحاول التعرف حتى على زوجها او علئ شخصيته.

كما انه مكنها من معرفة دورها في هذه الحياة وما الذي قدمت هي لها او لعائلتها.مارس الزوج عمله كمحامي بارع وعد زوجته متهمة، فوجد في خوفها وارتعابها اداة ووسيلة ضغط لحثها على الاعتراف او الافصاح عما حدث لها لكنه لم يفلح.

فأحيانا لا يمكن السيطرة على هذه اللعبة الخطرة فقد تؤدي الى كارثة غير متوقعة.يعد زفايغ من أبرز كتّاب أوروبا في بدايات القرن الماضي وقد اشتهر بدراساته المسهبة التي تتناول حياة المشاهير من الأدباء أمثال تولستوي، وديستوفسكي وبلزاك ورومان رولان فيتناول الشخصية بحيادية ويكشف حقيقتها كما هي دون رتوش وفي الوقت نفسه يميط اللثام عن حقائق مجهولة أو معروفة على نطاق ضيق في حياة هؤلاء المشاهير الذين ذاع صيتهم.

اعمال الكاتب ستيفان زفايغ:

كتب ستيفان العديد من المسرحيات والروايات والمقالات ومن اهم اعماله : جنون الحب ، رسالة من مجنون ، بناة العالم، اربع وعشرون ساعة من حياة امرأة ، فوضى الاحاسيس ، عنف الدكتاتورية ، لاعب الشطرنج ، السر الحارق.

3/ صحوةٌ ربٍّ ثمل الكاتب والروائي علي العذاري:

رحلة في رحاب النفس البشرية عبر اسفار خارج حدود العقل والمنطق. ___________________________افعلا انت القادر ؟! ام أنا القادر ؟ اتطهرني من سيئاتٍ غمرتني كزبد البحر؟ ام سأنتزعك من هرقطةٍ نُسبت إليك؟بداتُ غريبا ، وسأعود غريبا ، فطوبى لي……________________________يدعونا الكاتب وصائغ سلاسل المحبة وعناقيد الجمال علي العذاري لخوض تجربة فريدة من نوعها عبر حروفهِ التي تلامس شغاف القلب وتلجُ الروح تاركةً فيها قبسا من نور العارف.

بإسلوب آسر ، يشدُ الحواس من البداية وحتى النهاية ، طارقا ابواب الجنس والدين والسياسة بقلمٍ من حديد. التصوف ، رحلة غير آمنة للوصول لحقيقة الكون المطلقة.

تناسخت الحروف وحلقت في عوالم خارج حدود العقل والمنطق اذ كان للكاتب حوارات ونقاشات وجدليات مع انبياء ومرسلين مثل عيسى عليه السلام ، وعارفين ك ملا صدرا والحلاج وأئمة واولياء صالحين الامام علي عليه السلام .

مسالك لا تكاد تخلو من الخطر ، الجهلُ آفةُ الفكر و تخطي حدوده الضيقة غايته. اغرته القوة التي ملئت روحه والنور الذي شع به قلبه فما طاق صمتهُ صبرا.

التغريب والانتقاص والاتهام بالالحاد والجنون والكفر والردة و الزندقة مصيرا محتوما لاسلافٍ سبقوه من اعلام المتصوفة ، شيوخ طريقتها ، شعرائها وفلاسفتها لما لمسوه من حقائق بقلوبهم وحاولوا اظهارها لفاقدي البصيرة والذين يسعون لطمرها.

ليست الرواية كتابا ذا مضمون فلسفي تم تسطيره بلغة صوفية عالية وواثقة ، بل هي وسيلة للابحار واكتشاف ذواتنا قبل غيرها فمن عرف نفسه عرف ربه.وهو يؤكد في نهايتها بإن الرحلة نحو الله لا تتطلب قطعَ اي مسافةٍ زمكانية.

4/ رواية العنب الاسود:

المولود البكر لمؤلفها البصري محمد السباهي .

الاهوار …لؤلؤة الماء، تزخر بالحكايات والقصص ، الشبح (الطنطل ) ليس بالضرورة ان يكون روحا هائمة لاجساد احرقت قرآها وجففت مياهها حتى غدت خاوية على عروشها، لكن اﻷيام دول وما اخذ غصبا يعود ﻷصحابه متربعا على عرش التاريخ والزمن.

يعترف الكاتب بإنه ربع معارض، ربع رجل دين( صوفي) ، ربع سياسي ، ثلاثة ارباع في واحد اما الربع الرابع فهو ما سنتعرف عليه اثناء قرائتنا للرواية.

ايدلوجيات مختلفة تجمعها زنزانة واحدة ولعنة تظل تطارد من يكون نزيلا طالت مدته او قصرت فيها حتى بعد خروجه منها ، عار يلتصق بك كجلدك….رغم كثرة الاقتباسات في الرواية لكتاب ومفكرين وفلاسفة مشهورين إلا ان الكاتب وظفها لخدمة فكرة الرواية بشكل دقيق وناجح. قد لا احب الخوض في غمار السياسية لما تسببه من صداع ووجع في الراس لكنها انسابت مع احداث الرواية كالماء في جدولٍ فتي.

0 تعليقات

    أترك تعليق