تحليلات روائية (ج17). بقلم وليد غالب.


في هته المقالة سنقدم تحليل روائي لروايتين: 1/ رواية مقتل بائع الكتب للاستاذ سعد محمد رحيم, 2/ رواية الفتنة لـ كنعان مكية تنويه. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ رواية مقتل بائع الكتب للاستاذ سعد محمد رحيم:

الصحفي ماجد يُكلف من قبل رجل عجوز، طالبا منه الكشف عن قاتل بائع الكتب “المرزوق” والكتابة عن حياته، “أريدك أن تكتب كتابا عنه وسأتكفل بنفقات نشره بطباعة راقية في بيروت”.

لكن من هو هذا الرجل العجوز؟أحب أن تلاحظوا معي المعطيات التالية:

– في صفحة 6 :

“أعلمني الشيخ الغامض الذي رفض الكشف عن هويته عبر الموبايل أنه كان يعرف المرزوق جيدا جدا، وأنهما اختلفا لأسباب سخيفة قبل أكثر من عشرين سنة، وانقطعت بينهما السبل منذ ذلك الوقت”.

– في صفحة 7 يقول الرجل العجوز داعيا الصحفي ماجد إلى الكتابة عن المرزوق بإصرار، أن حياته – أي المرزوق- تمثل “دراما تلخص تاريخا عريضا لجيلنا”.

نحن هنا أمام معلومة واضحة، فالرجل العجوز الغامض لم يلتق بـ “المرزوق” منذ عشرين سنة، لكنه برغم انقطاع العلاقة يقول أن حياته مليئة بالأسرار وأنها “تلخص تاريخا عريضا لجيلنا”!!

هل هذا الكلام منطقي؟!

طبعا من الممكن أن يكون منطقيا، فيما لو كانت هناك علاقة سابقة متينة بين المرزوق وبين الرجل الغامض العجوز. فهل هناك فعلا علاقة من هذا النوع؟!

علينا أولا أن نعرف من هو هذا الرجل الغامض بسلامتو وهل كانت بينهم علاقة متينة أم لا، بحسب الرواية!.يقول سعد محمد رحيم في صفحة 217 على لسان الصحفي ماجد:

{ أفكر بالرجل الهرم الغامض ذاك… اختلف مع المرزوق – كما أخبرني في أول مكالمة له معي – قبل أكثر من عشرين سنة.. في ذاك الوقت، أين كان المرزوق؟في باريس..ليس ثمة ذكر لصديق عراقي للمرزوق في كتاباته التي اطلعت عليها.. لكنه ذهب في أواخر مدة وجوده في باريس – وهذه المرة الوحيدة التي غادر فيها إلى فرنسا قبل العودة إلى بلاده – إلى براغ.. وفي براغ التقي… ص 217}

طيب. المرزوق التقى في براغ بشخصيتين.

الأول: حسين اللامي يقول عنه “قال إنه سعيد برؤيتي، كان سعيدا حقا.. ص 135”. إذن احتمال أن يكون هو المقصود غير وارد، لأن حسين اللامي لم يختلف مع المرزوق في براغ بل كان سعيدا معه فرحا بوجوده.

الثاني: أمجد مسعود. يقول عنه “هو ليس صديقا بالمعنى الحرفي للكلمة.. ص133”. بالاضافة لذلك فإن أمجد مسعود اختلف اختلافا بسيطا فعلا مع المرزوق في الصفحات اللاحقة حول حبيبته ناتاشا.

ولأن المرزوق كان من تيار سياسي وأمجد من تيار آخر.نستنتج من ذلك أن الرجل الهرم الغامض الذي لم ير المرزوق منذ عشرين سنة والذي لا يُعتبره “بائع الكتب” صديقا “بالمعنى الحرفي للكلمة” هو أمجد مسعود.

لكن كيف لي أنا القارئ، أن أقتنع أن أمجد مسعود – بمواصفاته السابقة التي رسمها لنا الروائي سعد محمد رحيم – موقن ومتأكد أن حياة المرزوق “تمثل دراما تلخص تاريخا عريضا لجيلنا.. ص7”!! أظن أن دافع أمجد مسعود في الكتابة عن حياة المرزوق لم يكن محبوكا جيدا من الروائي.لأطرح القصد بشكل أدق:

ما هو سبب اعتقاد شخصية بمواصفات أمجد مسعود أن حياة المرزوق مهمة وتمثل جيلهم لكي يكلف أحدا بهذا العمل ويظن أنه عمل مهم وناجح؟! شخصيا.

أعتقد أن الروائي لم يوفّق بخلق الدافع المقنع.هناك إضافة اخرى، القارئ للرواية سوف يلاحظ أن أغلب سيرة المرزوق وجدت من ثلاث مصادر أساسية، وهما رسائله مع جانيت و دفتر ذكرياته وروايته التي حاول كتابتها، كل هذه المصادر لا يعلم بها أمجد مسعود إطلاقا، فعلى أي أساس يقول أن حياة المرزوق “فيها دراما كبيرة، فيها بعد تراجيدي.. دراما تلخص تاريخا عريضا لجيلنا”.

مع الأسف.. يبدو أن هناك أشياء فلتت من الاستاذ سعد محمد رحيم.

2/ رواية الفتنة لـ كنعان مكية تنويه:

في هذا الموضوع، أنا “قارئ” لا أكثر.. مبدئياً، سأحاول قص وربط جُمل الرواية، كي اجنّب القارئ الكثير من التفاصيل.استعيدوا معي قراءة هذه الفقرة :

“الأمة أولا وآخرا هي الروح؛ لهذا كل من تواجد في غرفة الإعدام يوم الثلاثين من كانون الأول 2006؛ كان عربي اللسان عربي الأصل ولكن ليس عربي الروح، تجسدت العروبة في ذلك اليوم في صدام وحده.. ص23”.. لاحظوا أن الراوي يقارن بين “من تواجد في الغرفة”

صدام حسين ورواية الفتنة:

بين صدام حسين، لاحظوا أيضا أن المتواجدين في الغرفة هم فقط من “الطائفة الشيعية” بالنتيجة “حسب الراوي” فإن صدام فقط كان من يجسّد “العروبة” مقابل الساسة الشيعة.. الأمر “عندي” يشبه أن تقول:

صدام رجل وطني.. بينما القذافي خائن!. هل فعلا كانت مقارنة مكيّة فقط بين “الساسة الشيعة” وبين صدام حسين.. هل كان يقصد “شيعة السلطة” فقط؟! عليكم تذكّر هذا السؤال المهم. لنعد إلى تفاصيل رواية الفتنة، تبدأ الصحفة 26 بانزعاج البطل من حادثة إعدام صدام،

بل ويُعمم هذا الأنزعاج على من كانوا معه ساعة الإعدام “آخرين يشاركونني الشعور نفسه، إلا أنهم لا يعترفون بذلك اليوم.. ص26”.. يستمر الوصف ليعرفنا بصديقه “حيدر” وكيف أنهما “جمعتهما صداقة أساسها الاختلاف لا التطابق”..

الشخصيات في رواية الفتنة:

يخلق الروائي حواراً بين حيدر والبطل، بشأن قضية إعدام صدام وعدم قناعة البطل بما جرى من ترتيبات الإعدام “حراس بأقنعة حول عيونهم.. منصة ضيقة لا يمكنها استيعاب الجميع!

بكرة لشد الحبل تم الإتيان بها من موقع البناء المجاور قبل يوم واحد وليست جاهزة للتشغيل بشكل صحيح! مجموعة من الغوغاء في محل الشهود! (…) لقد كان أمراً محرجاً من بدايته إلى نهايته، ما حدث كان عاراً ولم يبدُ أبداً كعملية إعدام وفق القانون.. ص28″.. يستمر الحوار بينهما، ويعترض حيدر على كلام البطل، حتى يصل الأمر للمقارنة بين موت الإمام الحسين وبين إعدام صدام (ولا اعرف لماذا يربط مكية في أمثلته دائما صدام بالأئمة!).

يجيب البطل “ما تقوله صحيح لكني أقصد أن الكيفية التي يموت فيها الرجل تؤثر على الكيفية التي ستعيش فيها ذكراهم (…) الإمام عليه السلام تعرض للخيانة وقُتل شهيداً على يد أعدائه، أجدادنا طلبوا منه أن يعبر الصحراء ويأتيهم إلى أرضهم، وعندما فعل ذلك تخلّوا عنه ليذبح وحيداً في الصحراء.. ص 30”..

لاحظوا الكلمات “الإمام تعرض للخيانة” و “أجدادنا طلبوا منه أن يعبر الصحراء” مكيّة هنا يريد أن يُرسّخ فكرة أن الشيعة كلّهم “خونة” وليس سياسييهم فقط. طبعا.. أتمنى أن أكون مخطئأ بشأن هذا الاستنتاج.

المهم.. في صفحة 32 يقول مكيّة “على لسان البطل” أنه طرح فكرة غبية “كما يصفها” عن حبل إعدام صدام حسين على رفاقه في جيش المهدي “بيع الحبل كانت فكرتي، لكنني سرعان ما أدركت أن هناك آخرين كانوا ينوون عمل الشيء نفسه، احتدمت المنافسة على الحبل، ورفع سعره عشرات الأضعاف.. ص32”.

لماذا يفكّر البطل ببيع الحبل، وهو الشخص الذي لم تُظهر الرواية أنه إنسان مادي، أو مستغل!.. ما معنى أن تبيع حبل إعدام صدام وأنت منزعج أساسا من هذه العملية كلّها؟! وما هو هذا الحبل؟! إنه كما يقول البطل “مفتاح عالم جديد.. ص34”

لماذا تُريد بيع مفتاح العالم الجديد يارجل؟! هل هو تأكيد على أن البطل “الشيعي” خائن أيضاً، أم أن هذا “الحبل” هو جائزة مكية التي لم يستطع الحصول عليها في الواقع؟!

0 تعليقات

    أترك تعليق