مراجعات وتحليلات روائية (ج15). بقلم وليد غالب.


سنقدم في هته المقالة مراجعات وتحليلات لروايات وروائيين وذلك كالتالي: 1/ رواية أساتذة الوهم, 2/ كافكا, 3/ رواية النوم في حقل الكرز, 4/ فرانكنشتاين, نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ رواية أساتذة الوهم للروائي علي بدر:

أظن أن من يريد التعرف على “الواقع الثقافي السائد” في العراق خلال الستينيات والثمانينيات، عليه أن يقرأ روايتي علي بدر “بابا سارتر” و “أساتذة الوهم”.

موضوع رواية أساتذة الوهم:

رواية “أساتذة الوهم” تتحدث بمجملها عن “ضياع الهوية الثقافية” لثلاث شباب موهوبين ومحبين للشعر، بسبب الحرب التي كما يقول عنها الروائي “قضت على كل شيء عاشه هؤلاء الشباب، فتحولت الحياة إلى سجن، وتحولت إلى عذاب.. ص81”.

الحرب التي مسختهم وحولتهم إلى مهمّشين “لم ينشرون شيئا من شعرهم.. ص15”. هي أيضا رواية تتحدث عن جيل من الشعراء ضائع “الجيل الذي عاش في زمن الحرب غريبا تماما، عاش كما لو كان روحاً شاردة أُلقي بها من عالم آخر، وهذا هو سبب خياله المظلم، الخيال الذي دفعه إلى أخطار متعددة، وعبثاً حاول أن ينقذ نفسه بالشعر.. ص80”.

الهوية الثقافية ورواية أساتذة الوهم:

قد يخطر سؤال مفاده: ماذا لو لم يكن في العراق ديكتاتورية وحرب، هل سينتج هذا الأمر طبقة مثقفين أسوياء؟! هل نمتلك “هوية ثقافية” أساسا حتى نقول أنها ضاعت أو مُسخت؟

هذا السؤال يحتاج لباحث متخصص، یُقارن فيه نتاج الفن والأدب قبل ثورة تموز وبعدها. مع ملاحظة أن في بداية الستينات وما قبلها كان المثقفون – والشعراء منهم – قريبين جدا من الواقع السياسي، بينما في الثمانينات حصل انعزال وانطواء شبه تام لعامة الشعراء وأغلب الأدباء عن الخوض في السياسة، فتحول المثقف للانشغال “بنفسه فقط” في محاولة للنجاة من الدكتاتورية والحرب في زمن صدام حسين “كان صعود صدام حسين هو تقهقر بغداد من الناحية السياسية، لقد وصلت بغداد في ذلك الوقت إلى أقصى نقطة في القمع السياسي، وفي القهر، وفي الاستبداد، وفي نهاية الحياة السياسية.. ص 97”.

علي بدر وضح هذه الحالة – عزل المثقف العراقي لنفسه عن المجتمع – من خلال أبطال روايته منير وعيسى والراوي. فمنير عزل نفسه لأن “لديه شعور بأنه لم يعد بحاجة إلى أن يتلقى عن الآخرين درسا أو تجربة.. ص35”.

أما عيسى، فوسط الحرب والقتال الدامي بين الجيش العراقي والإيراني وتساقط الجنود قتلى من الجبال كان “يقرأ بكتاب جنائن اصطناعية لشاعر فرنسي اسمه بودلير مات قبل قرن تقريبا.. ص 113”.

واضح أن علي بدر جعل بطلي الرواية “يختاران العزلة” عن ما يدور حولهما، في إشارة عن عزلة المثقف العراقي عن واقعه.

الراوي في رواية أساتذة الوهم:

غلطة: في صفحة 22 من الرواية يقول الراوي – وهو أحد أبطال الرواية – “تعرفت على منير في الجيش في الأشهر الأولى من خدمتي في الحرب، كان ذلك في الأشهر الاولى من عام 1986”.. وفي صفحة 28 يقول: “كنت قد تعرفت على عيسى قبل أن أتعرف إلى منير”.

لكن في صفحة 108 يقول “تعرفت على عيسى في الجيش في الأيام الأولى لخدمتي في فوج المغاوير التاسع عشر” ويضيف “كان وصولي في يوم من أيام ربيع 1987… كان عيسى الذي أصبح فيما بعد صديقي يجلس قبالي”.

واضح جدا أن علي بدر أخطأ هنا، فالراوي تعرف على منير قبل أن يتعرف على عيسى.

فيلم أبوكاليبتو ورواية أساتذة الوهم:

ملاحظة: علي بدر لم يترك للقارئ أي مجال للتفكير، فهو الذي كتب الألغاز وهو الذي حلّها بسرعة أيضا.

لأوضح الأمور بمثال سينمائي، في فيلم أبوكاليبتو للمخرج المبدع ميل جبسون. يجعل جبسون، بطل الفيلم مصبوغا باللون الأزرق كعُرف للقبيلة المحتلة لتمييز أسراها، وعندما يهرب البطل من أسره نحو قريته ويصطدم بالأشجار، يبدأ اللون الأرزق يقل شيئا فشيئا – نتيجة اصطدامه بأوراق الشجر – حتى يصل إلى الشلال ويرمي نفسه نحو الأسفل.

وبعد خروجه من الشلال نلاحظ عدم وجود أي صبغ أزرق على جسم البطل. جبسون هنا، يريد أن يقول أن البطل تم تحرره بشكل نهائي بدلالة زوال الصبغ الأزرق – لون الأسرى- من على جسده، مساحة التفكير هذه الخاصة بالمُشاهد، لم يتركها علي بدر في روايته أساتذة الوهم.

تخيلوا ضياع المتعة لو أن بطل فيلم أبوكاليبتو يخرج في مشهد ويقول:

كنت مصبوغا بالأزرق كدليل على الأسر، لكن عندما وصلت نحو قريتي مرورا بالغابة زال اللون وفي هذا إشارة إلى أني تحررت!

كمثال من الرواية، في صفحة 36 يتحدث الراوي عن صديقه منير “أثناء تعرفي إليه كان أو هكذا تظاهر، بأنه يعرف اللغة الروسية ويترجم منها، صحيح اكتشفت ولو بعد مقتله أن معرفته بالروسية كانت شحيحة جدا، وأن الشعر الذي كان يترجمه لنا في واقع الأمر كان ارتجالا”.

علي بدر هنا، قتل عنصر مفاجأتنا بمعرفة منير للغة الروسية بشكل سريع جدا. كم كان جميلا لو أن الروائي صدمنا بعدم معرفة منير للروسية إلا بعد وفاته. أو في الثلث الأخير من الرواية.

أيضا في صفحة 29 يسرد الراوي شرحا عن “جماعة بهية” بطريقة تقتل عنصر المفاجأة التي قد تحدث في تتمة الرواية عندما يعود لسيرة هذه الجماعة السرية.

ما أريد أن أقوله في هذه “الملاحظة” هو أن الرواية لم تكن صادمة للقارئ، فكل شيء مكشوف وواضح ليس بسبب أن الرواية سهلة أو بسيطة، بل بسبب علي بدر نفسه الذي وضّح كلّ شيء وقتل متعة التنبؤ والاستكشاف التي كان من الممكن أن تتوفر في “أساتذة الوهم” بشكل كبير.***على العموم.

موضوع وشخصيات رواية أساتذة الوهم:

الرواية تستعرض مشكلة الضياع الثقافي أو ضياع الهوية أو ربما التغرّب وتأثير الدكتاتورية والحرب، من خلال ثلاث شعراء – شخصيات رئيسة – هم عيسى ومنير والراوي، بالاضافة لمجموعتين سرّيتين من الشعراء هما “جماعة الساعة الخامسة” وأبرز شخصياتها الدكتور إبراهيم و”جماعة بهية” وأبرز شخصياتها سالم رواية وكاظم.

كل هؤلاء الشعراء الجنود في حرب الثمانينيات – لاحظوا أنهم جنود والجندي بالعادة مُسيّر – ينتهون نهايات مأساوية ويعدمون، باستثناء الراوي الذي ينجو من الموت؛ ومنير الذي يستشهد في آخر أيام الحرب العراقية الإيرانية عام 1988. “الجماعتان قد انتهتا نهاية مأساوية، وربما أنا الوحيد الذي نجوت من الموت في العام 1987 العام الذي قُتل فيه جميع أصدقائي الشعراء.. ص32”.

المثقفون المترفون في رواية أساتذة الوهم:

منير والدكتور إبراهيم والجندي سعيد وجماعة الساعة الخامسة؛ منير ابن لمهندس ووالدته امرأة روسية، منزل عائلته يميل نحو الفخامة والاستعراض “كانت صورة البيانو في المنزل ذات صفة استعراضية أكثر مما هي فنية، ذلك أننا لم نر أحدا يعزف عليه.. ص 20″، أيضا المكتبة الكبيرة في بيته كانت توحي أنها موضوعة للاستعراض فقط “إذ كانت على طول واجهة الصالة، وتقع في الواجهة.

أي مواجهة الداخل للمنزل وهي أول ما يراه.. ص 27″ كأنهم هنا يقولون للداخل:

أُنظر.. لدينا مكتبة! الذي يؤكد كلامي عن “استعراضية المكتبة” هو أن الروائي لم يجعل أي أحد من عائلة منير يستخدمها غيره، حتى أمه التي جلبت أغلب الكتب من روسيا كانت تتهكم وتقول لإبنها وأصدقائه المنهمكين في قراءة وكتابة الشعر :

“كاستر.. أكلوا كاستر.. الكاستر زين للشعر.. ص 65”.. فالمكتبة هنا لم تنفع منير أو أصدقائه في شيء. ببساطة لأن منير لم يكن يعرف اللغة الروسية أصلا.

وكان يرتجل كلاما من عنده، حين يطلبون منه ترجمة دواوين الشعراء الروس.فاصلة:بيت الدكتور إبراهيم فخم أيضا كبيت منير، في منطقة الوزيرية التي يصفها الروائي “واحدة من أرقى أحياء بغداد.. ص26”.

“لم يكن منير عند تعرفي له شخصية سهلة أبدا، كان شخصا ذا وجه رؤيوي… له نظرة قوية كأنها ازدراء متعال… كان شخصا يخيل إليك أنه فوق الكل… يتوهم في نفسه أنه عانى كل التجارب.. تعمق في فكرة الموت.. لم يعد يدهشه أي شيء.. ص 35”.

من الواضح هنا أن منير وجماعته يمثلون فكر ما بعد الحداثة، الرافضين لكل الايديولوجيات السابقة، المنزعجين من العالم العبثي غير المهتم لهم، الذي كان لقاءه الأول بالراوي في الحرب بدعوة للتدخين “سيجارة.. تدخن.. قدم لي سيجارة.. ص22”.

المؤمنين بالغيبيات وعالم الما وراء، المعتقدين أن الموت تحرر من كل أنواع السلطة. المتعاطين دراسات صعبة وتجريدية. هم بمعنى أدق نموذج للطبقة الثقافية البرجوازية التي ترى نفسها عارفة بكل شيء، كأنها استاذ يملي رؤاه على تلاميذ “حين أقدم له أي ورقة، يضع خطوطا بالحبر الأحمر تحت بعض الكلمات.. ص68”.

الراوي مع سعيد نلحظ هذا الأمر أيضا – التكبر أو الانعزال الثقافي عن المجتمع – مع الجندي سعيد الذي هو جندي “غير عادي” في القوة الضاربة ومن جماعة الساعة الخامسة – الذي يسأله الراوي عن ديوان الدكتور إبراهيم “غير أنه صدمني بشدة فقد كان متكبرا ومتغطرسا بصورة ظاهرة. ونظر إلي باحتقار شديد”.

أما حين يسأله عن معرفته بالدكتور إبراهيم فإن الجندي سعيد يجيب بغرور “طبعا صديقي.. قالها بكبرياء شديد.. ص41”.

طبقة المترفين الثقافية، الدكتور إبراهيم وجماعة الساعة الخامسة كانت لهم المواصفات نفسها التي يحملها منير – مع إنه أقل منهم تكبرا وغرورا وانعزالا – جميعهم انتهوا نهاية مأساوية. برغم اتخاذهم طريق العزلة الثقافية – وإن بطريقة برجوازية – عمدا، وابتعادهم عن السياسة وانشغالهم بعالم الما وراء وتأييدهم للحرب والموت.

غلطة ثانية: في صفحة 17 يتحدث علي بدر عن والد منير “تزوج من امرأة روسية اسمها أولغا”.في صفحة 65 “فجأة تدخل آغنس والدة منير”.هل والدة منير هي أولغا أم آغنس؟!

رواية أساتذة الوهم والمثقفون المسحوقين:

عيسى وسالم رواية وكاظم وجماعة بهية، عيسى إبن صاحبة البسطة صبرية والرجل العاطل عن العمل الخامل الكسول السكير “ارويد” أب وأم عاديين فقراء بلا أي ثقافة أو امتياز – في عائلة منير الأب يعمل ويعيل الاسرة، بالعكس من عائلة عيسى – شقة عيسى” مكركبة بعضها على بعض، أكداس الكتب مرمية في كل مكان… القناني الفارغة تحت السرير… الملابس مرمية بصورة عشوائية… شقة تحمل كل التناقضات، تحمل في واقع الأمر كل الحقائق المتنافرة.. ص120″ هذه الشقة تمثل شخصية عيسى نفسه الذي يقول “من لا يعيش هذه الحقائق المتنافرة، من لا يعيش تناقض الأفكار في الشارع، فهو زائف حتما.. ص120”.

فاصلة شقة سالم رواية، تشبه شقة عيسى، لكنها أكثر سوءا لدرجة مقرفة “رائحة الجواريب هي السائدة في الغرفة، أعقاب السجائر في كل مكان حتى على البطانيات.. ص 248”.

***أما عيسى فهو الشخصية الغريبة، المنعزل عن العالم، الذي يقرأ بودلير أثناء معركة مرعبه بين جيشين، القارئ والمعجب بأغلب شعراء القرن التاسع عشر – المنتحرون بالذات – الذي يرتدي ملابس غريبة ومضحكة كأنه “طالع توا من صندوق سحري قادم توا من أوربا القرن التاسع عشر.. ص 143”.. الكاره لبيئته ولاسم أبيه لأن “ارويد” لا يليق بشاعر عالمي – كما يرى نفسه – الكاره لمجتمعه “حتى لو بايرون هنا في البتاوين حتى لو شيلي، لما كتب بيتا من الشعر واحدا.. هذه المدينة.. هؤلاء الناس لا يلهمونني أي شيء:

شوارع موحلة، ومنازل لا تصلح إلا أن يرفع الكلب عليها قدمه ويبول.. ص142″.

المتعجل الذي يريد تعلم كل شيء بما فيها الروسية عن طريق “كتاب شائع اسمه كيف تتعلم الروسية في خمسة أيام من دون معلم.. ص 65”. عيسى الموهوم والمهووس بالغرب “ما ناقصه أي شي ليكون غربي.. ص241”.

الجالد لذاته “كيف يمكنه أن يكون شاعرا عالميا وهو في بغداد، وهو لا يعدو أن يكون إبنا لسكير وام تبيع على البسطة، وفي غرفة مؤجرة في ضاحية فقيرة مثل الضاحية التي يقطن فيها، وفي مدينة مثل مدينة بغداد؟ كيف من الممكن أن يتحول من كائن محلي لكائن عالمي.. ص124”.

لقاء الروائي مع كاظم”وقف كاظم وسط الحجرة بملابسه العتيقة، بحذائه الضخم ولونه الحائل، فقد علته طبقة سميكة من الغبار… بلحيته التي لم يحلقها منذ اسبوع… بعينيه المتعبتين من سكرة الأمس.. ص 250″.

كاظم هنا هو مقابل الجندي سعيد في شخصيات علي بدر، لكنه لا يختلف عنه في شيء سوى في الفارق الاجتماعي. “جلست أمامه متلعثما مثل تلميذ، قلت له: تكتب رواية؟… رمقني بنظرة لم أفهمها وذهب نحو الطاولة ليتناول غليون عيسى.

فتح الكيس ودس فيه مقدارا من التبغ الرخيص وأخذ يدخن.. ص 251″.طبقة المثقفين الفقراء عيسى وسالم رواية وكاظم وجماعة بهية، خير من يمّثلون حال أغلب مثقفي الطبقة المسحوقة في عراق الثمانينيات الذين اختاروا الانعزال عن المجتمع بوهم العالمية، وأن هذه المدن المحلية لا تستحقهم.

لكن نهايتهم كانت مشابهة لنهاية “شعراء الساعة الخامسة” حيث اعدمتهم السلطة جميعا. ***غلطة ثالثة:في صفحة 59 “يمسك منير كتابا، يرينا صورة مايكوفسكي، الشاعر الروسي الذي انتحر في العام 1920”.والصحيح أن مايكوفسكي انتحر عام 1930.

طبقات الشعراء في رواية أساتذة الوهم:

تناول علي بدر في هذه الرواية حال ثلاث طبقات من الشعراء في عراق الثمانينيات وهم: الطبقة البرجوازية من خلال منيرالطبقة الوسطى من خلال الراوي الطبقة الفقيرة من خلال عيسى ويمكن ملاحظة انعكاس تأثير طبقاتهم الاجتماعية من خلال سلوكهم في هذا النص:

“كنا نعود من الجبهة راكضين إلى المقهى، لا لشيء إلا لنتحدث عن الشعر، كنت أصل من الجبهة في الصباح الباكر، سرعان ما أرتدي بنطلوني الجينز على عجل، كنزة صوفية ارتديها على قميص خفيف… كان عيسى يأتي بملابسه العسكرية… أما منير فانه يتأخر كان الأمر بالنسبة له يخضع لمراسيم، ملابس جديدة ومكوية. الذهاب إلى الحلاق.. ص 85”.

رواية “أساتذة الوهم” رواية جيدة جدا، أبدع فيها علي بدر برغم كل الملاحظات – ليس شرطا أن تكون صحيحة – أما من ناحية بنائها الفني فعشرة على عشرة.

2/ كافكا:

إنسان كافكا:

“استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم”.

السؤال المُهمل الذي من الممكن استخراجه من هذه الافتتاحية، هو:

لماذا كان جريجور سامسا يحلم أحلامًا مزعجة؟

لم يغفل كافكا هذا الشيء، وفي الحقيقة، لا شيء في عالمه الروائي يُكتب بعبثية.

كان جريجور سامسا يعمل بائعًا جوالًا، يركض – كما لو أنّه بحاجة لأرجل متعددة – حتى الإعياء، هذه الجُمل من الرواية ستعطي صورة لحياته قبل التحوّل:

“أية مهنة مرهقة تلك التي اخترتها لنفسي متجولًا يومًا بعد آخر”.”هناك فوق كل هذا كله متاعب السفر الدائمة من القلق على اللحاق بالقطار”.

“علاقات جديدة لا تتمخض أبدًا عن أصدقاء متآلفين”.

“إن المرء ليحتاج إلى كفايته من النوم وأن التجار الآخرين ليعيشون كالهوانم، فعندما عدت من تجوالي ذات صباح إلى الفندق كي أُدوّن الطلبات التي حصلت عليها كان هؤلاء الآخرون جالسين فحسب يتناولون إفطارهم، فلأحاول فقط أن اُجرّب السلوك على هذا النحو مع رئيسي وسوف اُفصل في التو واللحظة”.

من خلال الجُمل السابقة، أستطيع أن أقول أن جريجور سامسا – في واقعه اليومي – كان يعتقد أنه ليس سوى حشرة ستُسحق فيما لو توقف عن العمل المضني هذا، والذي لم يُوفّر له أي شيء، لا سعادة، لا صديق ولا حبيبة، ولا حتى راحة مادّية.

فهو يعمل لغرض سداد ديون والده، وسيضطر للبقاء على هذا الحال لخمس أو ست سنوات.هكذا ينظر كافكا للمجتمع الذي يحّول الإنسان لحشرة تعمل فقط. وحين تتوقف عن العمل ستكون بلا قيمة.

جريجور سامسا ومشاهد القسوة في رواية المسخ:

يكتب كافكا مشهدًا يبدو غاية في القسوة عند موت جريجور سامسا، حيث تقترب من جثّته الخادمة وتدفعه بعصا المكنسة لتتأكد منه إن كان حيًا أو ميتًا.

وعندما يموت تقول “انظروا إلى ذلك الآن، لقد مات، إنه مُلقى هناك ميتًا”. القسوة هنا. تتمثّل في كلمة “مُلقى”، فهي تعنى ببساطة أن الإنسان في هذا المجتمع المادّي الخالي من المشاعر، لن يكون سوى شيء بلا قيمة حتى عند عائلته التي تتمنى التخلص منه بعد أن فقد قيمته الاقتصادية، وسيقول والده مستر سامسا بعد التأكد من موت ابنه الحشرة الضخمة:

“حسنًا والآن شكرًا للرب، ورسم على صدره علامة الصليب، وحذت النسوة الثلاث حذوه”.

يُرسّخ كافكا هذا المشهد القاسي ببرود مشاعر مُرعب، حيث تُغلق الخادمة باب الغرفة وتفتح النوافذ “وأغلقت الغسّالة باب الغرفة، وفتحت النافذة على مصراعيها، وعلى الرغم أن الوقت كان مبكرًا جدًا فقد كان ثمة رقة كان من الممكن الإحساس بها في الهواء الطلق”.

هكذا. تبدأ للعائلة حياة جديدة لم يغيّرها موت جريجور سامسا المُلقى ميتًا في إحدى غرف البيت.

لم تكن هذه هي المشاهد الوحيدة التي تعكس قسوة الرعب البارد واللامبالاة عند عائلة سامسا، فالأخت تطبخ مع أمها – برغم عدم رغبتهم في الأكل – لكنهم كانوا يأكلون “شكرًا لقد أكلت ما يزيد على كفايتي”.

ولا يتوقف الأمر عند الأكل والشرب، فالأب خلال أحداث اليوم الأول يُناقش الوضع المادي للعائلة “ضمن أحداث ذلك اليوم الأول شرح والد جريجور الوضع المالي للأسرة والآمال التي يتعلقون بأذيالها لكل من والدته وشقيقته”.

إنني اتساءل عن المشاعر التي تحملها عائلة تمر بهذه الظروف، وفي الوقت نفسه تستطيع أن تطبخ وتأكل وتشرب وتُناقش وضعها المادي برغم هذا الحدث المزلزل، حيث لا أحد يهتم بأن سامسا قد تحوّل فعلًا ومات كحشرة، تمامًا مثل” جوزيف ك” الذي يموت مثل كلب في رواية كافكا “المحاكمة” في قضية لم يعرف فيها أي ذنب يُحاسبوه عليه.

3/ رواية النوم في حقل الكرز:

مبدئيًا، وقبل الدخول في الرواية أحب أن انوٌه لخطأ يبدو غير مقصود لكنه مع الأسف، مطبوع على ظهر غلاف الرواية، لأني أثناء قراءتي للكثير من الكتابات عن رواية أزهر جرجيس وجدت أن العديد من القراء وقعوا في المطب نفسه.

لكن، بطبيعة الحال فالذنب ليس ذنبهم، لكنهم كما يبدو لي قرّاء صوريون.

قصة رواية النوم في حقل الكرز:

على ظهر غلاف الرواية كُتب مُلخص عنها “يروي الكتاب قصة مهاجر عراقي يعيش في بلد أوروبي، يتلقى في أحد الأيام رسالة تدعوه للحضور فورًا إلى بغداد، وبعد أن يعرف أسباب الدعوة، يقوم بتقديم استقالته من العمل والعودة إلى هناك، تاركًا خلفه حفنة سنين من الغربة”.

إن الجُمل التي توضع على ظهر الغلاف، من الأهمية بحيث تُخبر القارئ وتشرح له وتروّج عن ماذا يوجد داخل العلبة – الكتاب.

لقد حدد نص – ظهر الغلاف – أن المهاجر العراقي سعيد ينسين قد عاد إلى بغداد بعد تلقيه رسالة. لكنه في الحقيقة – داخل المتن – لم يعد، فالرحلة بدأت عندما راجع سعيد ينسين طبيبه لغرض وضع حد للصداع المُدمر الذي يعاني منه.

يقترح الطبيب علاجًا هو الكيتامين، ويُخبرنا الروائي أن البطل بعد سماعه مواصفات العلاج قال “شعرت وأنا أصغي إليه، بأني على أبواب مغامرة من شأنها أن تجعلني شخصًا كثير الأوهام” وفي آخر الرواية يؤكد الروائي أزهر جرجيس هذه الفكرة “كانت وصية قصيرة من قبل سعيد ينسين، يطلب فيها أن تُنشر حكايته وهلاوس رحلته إلى بغداد”.

هكذا نفهم أن الرحلة إلى بغداد، لم تحدث، ولم تكن سوى هلاوس لا أكثر. لكن برغم أن الرواية هلاوس، إلا إني أعتقد أن هناك عدم تقدير موقف في البناء الروائي، فبعد أن يبدأ بطل الرواية بالعلاج يقول “ومع مرور الأيام عرفت بأن الأوهام تجعل الحياة قابلة للعيش”.

ويبدو أن قرّاء كُثر تأثروا فعلا بهذه الجُملة – تتكرر في اقباساتهم – وهي تعطي إيحاء عن مقبولية الأوهام. لكننا نكتشف في آخر أسطر الرواية أن هذه الأوهام قتلت سعيد ينسين، لقد تناول جرعة كبيرة من مسببات الأوهام – حبوب الكيتامين – وهذا يعني أن السعي وراء الأوهام فعل قاتل.

لماذا قتلت هذه الأوهام سعيد ينسين، برغم أنها في الغالب لم تكن سوى استذكارات لا أكثر! في الحقيقة لم أجد مبررًا لذلك، فحياة البطل مليئة بالصدف السعيدة المُنقذة، فبضربة حظ يُشغله شاب عراقي معه في عمّان بلا مبرر “ما رأيك أن تعمل عندي؟ فوافقت على الفور”، وبضربة حظ اخرى يقدم جوازه مع عائلة فيبدو كفرد منهم، وبضربة حظ أيضًا يعمل مع رشيد المغربي في تقطيع السيارات الخارجة عن الخدمة.

وأخيرً سيحصل على الجنسية النرويجية.طبعًا، لا أدعى اختفاء الآلام في حياة اللاجئ العراقي وعذاباته، لكنني أُناقش فكرة الموت بتأثير “الأوهام” لا “الآلام”.

إن ما يُهم في الرواية هو الفصل الأول “الاستهلال”، والفصل الأخير “تتمة” كما أسماهما المؤلف، وما بينهما بجزء كبير جدًا لم يكن سوى “فلاش باگ” البطل ومن ثم هلاوسه فيما يخص رحلته لبغداد.

عن طريق خطأ غير مقصود، تصل دعوة بريدية للمُترجم من قبل هيلينا يورستاد رئيسة تحرير جريدة داغ بوستن النرويجية، وبعد محادثة قصيرة تقترح عليه ترجمة مخطوطة لمؤلف عراقي من اللغة النرويجية إلى العربية لأنها تعتقد “إنّ حكاية سعيد ينسين هذه، ينبغي أن يقرأها أبناء لغته قبل غيرهم، لأنّ فيها ما فيها”.

مقال الدكتور حمزة عليوي”النوم في حقل الكرز, محاولة لاستعادة ذاكرة الأب”:

يفترض الدكتور حمزة عليوي في مقاله “النوم في حقل الكرز.. محاولة لاستعادة ذاكرة الأب” سؤالين يبدوان له مُهمين، اقتطع من مقاله هذا النص “هذا أهم ما ذكره المترجم من معلومات تخص الرواية وكاتبها. وهي معلومات شحيحة بلا شك، ولا تساعدنا في الإجابة عن سؤالين مهمين، نعتقد أنهما مفتاح هذه الرواية:

لماذا كتب سعيد ينسين روايته باللغة النرويجية؟

والأهم لماذا سعت رئيسة التحرير، صديقته، في ترجمة الرواية إلى لغة الكاتب الأولى «العربية»، لماذا لم تكتفِ بنشرها باللغة النرويجية مثلما كتبها صاحبها؟”.

وبناء على هذين الفرضين، يعتقد الدكتور حمزة أن الرواية هي محاولة من سعيد ينسين لاستعادة ذاكرة الأب.. إنني أعتقد أن هذا التأويل مفرط نوعًا ما، لأن الإجابة على سؤال “لماذا كتب سعيد ينسين روايته بالنرويجية” بسيطة ولا تحتاج لتعقيد، فالبطل مُقيم في النرويج ويراسل صحيفة نرويجية منذ سنوات وينشر عندهم قصصًا باللغة النرويجية، وليس من المنطقي أن يرسل لهم نصًا عربيًا ويطالبهم بنشره في صحيفتهم النرويجية.

أما السؤال الثاني “لماذا سعت رئيسة التحرير لترجمة الرواية للغة العربية” فجوابه:

حتى يجد الروائي مُبررا لنا نحن – قرائه الحقيقيون – لقراءة هذا النص. فالنص سيموت – على أرض الواقع – لو لم تتم ترجمته.

القصة الرئيسة في رواية النوم في حقل الكرز:

إن القصة الرئيسة في الرواية – في أحد محاورها – تتمحور حول قبر الأب وضياع جثته، لكنني أعتقد أنها لم تُعالج بشكل جيد، فعبير ترسل رسالة لسعيد تخبره فيها “فقد عُثر من قبل منظمة الصليب الأحمر العراقي، على مقبرة جماعية في ناحية الكفل، جنوبي بغداد، ويُرجح بحسب الشهود أنها تضم رفاة أربعين معارضًا يساريًا تم دفنهم سرًا قبل سبعة وثلاثين عامًا”.

وبتحليل النص السابق، نعرف أن السبعة وثلاثين عامًا تُعيدنا للعام 1968، فهل كانت هناك مقابر جماعية للشيوعيين! ما أعرفه حصول اغتيالات لكنها لم تصل لمستوى المقابر الجماعية، لكن هذا – بشكل ما – لا يُعد مهماً، فمن حق الروائي أن يقتل من يريد مادامت مادته الرئيسة هي الخيال ومادام البطل يُهلوس، ويبقى في بالي السؤال الاهم:

كيف عرف الصليب الأحمر العراقي والشهود، أن الجُثث التي “بلا هويات” تابعة لمعارضين يساريين؟! وعلى أية حال، فإن المحور الأبرز في الرواية هو الاستذكارات التوثيقية، لكن مع الأسف لا تؤسس هذه الاستذكارات لتحليل ما، أو استطرادات جانبية، أو تناقش فكرة، ولا “تثير أسئلة جريئة عن جذور العنف والتطرف” كما ورد في ظهر الغلاف، بالمجمل، لم تكن سوى استذكارات شخصية.

إن الأعمال الأدبية تشيخ وتبلى لأنها أصبحت عادية ومألوفة بسبب عدم قدرتها على طرح السؤال، على حد تعبير هانس ياوس، وهذا هو أحد أهم أسباب عدم قوة روايات العراق ما بعد 2003، وأستطيع أن أضيف سببًا آخر بناء على جُملة قالها فوكنر “إنهم يكتبون كتابة جيدة، غير أنهم ليس لديهم ما يقولونه”.

إنني وبشكل حزين، أعتقد أن أغلب روائيي ما بعد 2003 بالفعل ليس لديهم ما يقولونه.

4/ فرانكنشتاين:

إنسان فرانكنشتاين:

تفتتح ماري شيلي روايتها فرانكنشتاين بالأسطر الآتية “بينما كنت واقفاً على متن السفينة أتأمل الأرض الجليدية من حولي شعرت ببرد الريح القطبية ينخر عظامي، كنت في منطقة القطب الشمالي، أخيراً تحقق حلم حياتي بالمجيء إلى هنا، ولكن ما الثمن الذي تكبدته أنا ورجالي لتحقيق هذا الحلم؟ علقت سفينتنا وسط الجليد، ولم نعلم هل ستُكتب لنا النجاة أم سنموت”.

هذه هي نقطة الرواية المهمة وسؤالها الابرز، هل سننجو من هذه المغامرة أم نخسر ونعود خائبين، أعني مغامرة وولع إنسان القرن التاسع عشر في الإستكشاف – الأراضي.. الأفكار.. الاختراعات – وما الثمن الذي دفعته البشرية بعد هذه القفزة الفكرية العلمية.

ماري شيلي وروايتها فرانكنشتاين:

كتبت ماري شيلي روايتها بعمر العشرين، في العام 1818، ويبدو أن لا أحد يأخذ على محمل الجد، كلام من كان بهذا السن الصغيرة، الدكتور نبيل راغب في كتابه “المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية” يصف رواية ماري شيلي “ومن الناس الذين برعوا واشتهروا بهذا المفهوم الخرافي مسز شيلي التي ابتكرت شخصية فرانكشتاين العالم المرعب الذي انتزع شخصية خرافية مدمرة لكي يحقق بها أغراضه الشريرة في هذا العالم”.

الناقد المصري ورواية فرانكنشتاين:

بغض النظر عن سوء فهم الناقد المصري لفكرة رواية فرانكنشتاين، إلا إنه مسخها وحرّفها بشكل لا يُصدّق، فأساساً لا توجد رغبة شريرة عند فرانكنشتاين للسيطرة على العالم. افتتاحية الرواية تتحدث عن بحّار يحاول الوصول للقطب الشمالي، برغبة محمومة لإكتشاف مناطق جديدة لا غير، ورؤية أرض “لم تطأها قدم إنسان من قبل” في حين كان الدكتور فرانكنشتاين يقول “أنا دكتور فرانكنشتاين سوف أكشف حقيقة أعظم أسرار العالم”.

كان الاندفاع للاكتشاف سمة العصر في ذاك الوقت، زمن كتابة الرواية في القرن التاسع عشر.بدأت الرواية من نهاية حدثين، روبرت والتون قبطان السفينة العالقة في جليد القطب الشمالي يصف فشله “شعرتُ بحماقتي، إذ فشلت الرحلة فشلاً ذريعاً”.

في المقابل يتحدث الطبيب فرانكنشتاين عن فشله في تجربته العلمية، لأنه بدلاً من أن يصنع بالطرق العلمية شيئاً مفيداً “سأقدم للعلم أعظم الخدمات إذا صنعت إنساناً” صنع بشكل غير متعمّد “المسخ”.

ذكاء ماري شيلي في رواية فرانكنشتاين:

أشارت ماري شيلي في رواية فرانكنشتاين بذكاء كبير، لحدثين لم تتمكن – أو بالأصح لم تنجح – البشرية من الوصول إليهما، فلا توجد سفينة لغاية العام 2018 استكشفت القطب الشمالي، ولم يستطع الطب خلق إنسان حتى الآن.

ويبدو أن شيلي نجحت في توقعاتها بصعوبة حدوث ذلك برغم استمرار التقدم العلمي. لا يبدو سؤال ما الذي حدث في القرن التاسع عشر جيداً، السؤال الأفضل هو:

ما الذي لم يحدث للإنسان في هذا القرن العجيب!

بمراجعة ما حدث في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، نجد أن أوروبا قد قفزت بالإنسان قفزة مهولة نحو التحرر من الفكر الديني المسيحي “لم يكن أحد يتصور أن البنيان الضخم والراسخ للأصولية المسيحية

سوف يترنّح على وقع الضربات الفلسفية، ثم ينهار ويتهاوى في نهاية المطاف” كما يقول هاشم صالح في كتاب “مدخل الى التنوير الأوروبي”.

يُضيف صالح “بلغ الإيمان بالتقدم ذروته في القرن التاسع عشر، عصر ازدهار العلم والصناعة والتكنولوجيا بامتياز”، تخبرنا شيلي في روايتها على لسان استاذ الكيمياء والدمان أن “هناك تطور هائل يتحقق، فبمساعدة المايكروسكوب يستطيع العلماء المعاصرون أن يروا عالماً لم نكد نعلم بوجوده قبل اليوم”.

تضيف “إن الإمكانيات التي تمتلكها العلوم اليوم غير محدودة، مثل العقول التي تسعى ورائها”.

لكن ما فعلته الفلسفة والعلوم التي تحررت من سلطة الدين، هو إنها جعلت إنسان القرن التاسع عشر بلا أمل، فبعد أن كان يعتقد أنه في النهاية سيجد إلهاً يُعيد إليه الحق، أو باحتمال آخر يعوّضه عن معاناة “الحياة الدنيا” بنعيم الآخرة، وجد الإنسان نفسه – بقدوم دارون مثلاً – مخلوقاً عادياً مثل بقية المخلوقات، مجرّداً من كل قيمته السابقة.

لم تصنعهُ يديّ الله، وإنما تطوّر بشكل طبيعي بلا أي امتياز عن باقي المخلوقات، حتى أنه من الممكن أن يُصنع – كما في الرواية – مثل أي مُنتج آخر.

الفلاسفة ورواية فرانكنشتاين:

لم يكن هدف فلاسفة وعلماء القرن التاسع عشر سيئاً، كان هدفهم تنوير الإنسان وتخليصه من قمع السلطة الدينية الفكري والمادي والثقافي، كانوا يريدون خلق إنسان متحرر، لكن يبدو أن الواقع تحول بشكل آخر، وسيء أيضاً، تماماً كما لم يكن قصد فيكتور فرانكنشتاين خلق مسخ “لقد اخترت أعضاء جسمه بعناية بالغة، لكن الأمر تحول إلى كارثة”.

في كتاب “كُتب تحترق” ينقل لوسيان بولاسترون نصاً للفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين “لقد وجدنا عالمنا منذ فترة وجيزة عالماً آخر، ليس أقل حجماً وانبساطاً واتساعاً منه، إنه عالم جديد وهو ما يزال صبياً لدرجة أنه يتم تعليمه الألف باء، ولجلّ ما أخشاه أن نكون قد عجّلنا في انحطاطه وخرابه بوبائنا وبعناه بسعر باهض جداً أفكارنا وفنوننا”.

كانت هذه نبوءة قديمة لما ستؤول إليه أمور البشرية. كيف نتخيل وقع قرن مرّ على الإنسان – بعد قرون من الجمود والاستبداد الفكري – ظهر فيه هيغل وفويرباخ وماركس وانجلز وجون ستيوارت مل وهايدغر وشوبنهاور ونيتشه.

قرن داروين وفرويد ولويس باستور وروبرت كوخ ومندل.قرن الحروب الأهلية الأميركية 1861 ، وخوف الطبقة المثقفة وتنبؤاتها من نشوء حرب عالمية أوروبية، فالحرب كما يشير الفيلسوف توماس هوبز “لا تتكون من المعارك فحسب ولا من الاعمال القتالية، بل من فترة زمنية تكون فيها الإرادة لخوض المعركة قائمة ومعروفة بما فيه الكفاية”.

فنجد أن فيلسوفاً مثل نيتشه يتكهن بنشوب الحرب “سنقول نعم للبرابرة وحتى للحيوان المتوحش الحبيس في نفوسنا”.

لقد تحطم الإنسان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبعد الحربين العالميتين، وانتشرت العدمية والتشاؤم بشكل كبير، وتشظى كما تشظت شجرة البلوط التي شاهدها فرانكنشتاين بعد أن صعقها البرق “كان كل ما وجدته هو جذع محترق وقطع خشب متناثرة في كل مكان”.

لم يعد الإنسان يؤمن بقدرة العلم على خلق عالم جديد جيد، يذكر المؤرخ الإنگليزي إيريك هوبزباوم في كتاب عصر الإمبراطورية:

“لقد رفص الايديولوجيون اليساريين النسبية، لأنها لم تكن تتناسب مع تصورهم للعلم، بينما ندد اليمينيون بها باعتبارها بدعة يهودية، وباختصار فإن العلم لم يعد شيء لا يفهمه إلا القلة القليلة من الناس، بل أصبح أمراً يخالفه الكثير ويعارضونه، فيما كانوا يقرون أن حياتهم كانت تعتمد عليه”.

لقد تحول الإنسان من السعي لاكتشاف الافكار والعلوم إلى عدمية قاتلة، عام 1881 كتب كارلو كولّودي قصة دمية خشبية تتحول في الأخير لصبي، يلتقي بينوكيو بسمكة فيلسوفة، بعد أن يبتلعمها القرش، فيسألها:

– ماذا علينا أن نفعل في هذا الظلام هنا؟ تُجيب السمكة:

– أن نستسلم، وأن ننتظر ريثما يهضمنا القرش.

يبدو أن هذا هو شكلنا الإنساني الأخير، المُستسلم الذي ينتظر، كما تنتظر السمكة الهضم في بطن القرش، أو كما ينتظر استراجون وفلاديمير مجيء غودو.

0 تعليقات

    أترك تعليق