رواية الرجل الخراب. بقلم شموخ الحجازي.


في هته المقالة ستعرض الكاتبة السودانية شموخ الحجازي سيناريو رواية رجل الخراب وما ميزها عن غيرها من الروايات, نتمنى لكم قراءة ممتعة.

سيناريو رواية الرجل الخراب:

تبدأ الرواية من حيث المعضلة التي زعزعت سكون أسرة درويش، وإن كان ظاهرياً (فميمي) صاحبة الثمانية عشر عاماً أخيراً التقت برفيقها (توني) الذي سيلتقي اليوم بالأسرة المكونة من الأم النمساوية (نورا شولز) والأب العربي؛ المصري من جهة الأم، والسوداني من جهة الأب (حسني درويش).

ولدرويش قصة صراع خلقت منه شخصية معقدة فهو من عانى عقدة الغربة منذ بداية حياته. ففي وطنه السودان هو الحلبي لاختلاف لون بشرته وفي بلده مصر هو الأجنبي لعدم تملكه للجواز المصري.. ولّدت هذه القضية داخله عقدة عدم الانتماء منذ الصغر.

تدرج في السلم التعليمي بمصر إلى أن وصل المرحلة الثانوية فأضطر للرجوع إلى مسقط رأسه وامتحن الشهادة السودانية بمدرسة جمال عبد الناصر بالسودان ثم التحق بجامعة أسيوط كلية الصيدلة بمصر، ظلت الحياة رتيبة في تلك الفترة إلا أنه انضم لجماعة إسلامية في أولى أيامه الجامعية ثم بعد تهديد الأمن وحبسه عدل عن فكرة التشدد وتملص من تلك المعتقدات.

تخرج وعمل بصيدلية ولم تخل حينها حياته من الحبيبة التي لا يعرف كيف له أن يرتبط بها في ظل الظروف التي تغني عن السؤال.

في إحدى المرات وهو يباشر عمله بالصيدلية حدث أن جاءه أحد المهاجرين الذين أتوا ليقضوا إجازاتهم مع أهاليهم وأخبره عن جماليات المعيشة في السويد وضرورة الهروب من هذا القحط الذي يحاوطهم، بذر داخله الفكرة، وآتت بذرته أُكلها.

لملم ما يلزمه بعد أن عزم على الرحيل ومغادرة البلاد، وبدأ رحلته بالذهاب إلى ليبيا مستخدماً جوازاً مزوراً ومنها إلى اليونان بتمهيد من جماعة التهجير التي أخذت منه مبالغ طائلة لتوصله إلى مرماه، توقف في عدة محطات وكانت الشروط التي تلقاها من الجماعة الصمت التام والخلو من المسئولية عنه في حال تعرض لأي أذى، وافق عليها والتزم بها، لم يطله أذى في تلك الفترة رغم حالة الرعب التي احتضنته وقبضت على قلبه بكلتي يديها.

وفي طريقه إلى النمسا استقل مقطورة من طابقين لترحيل الخنازير، كان هو في الطابق الأسفل تحيط به الخنازير من الاتجاهات الثلاثة، ومن رابعها كانت تقطن كومة من سواد منكفئة على وجهها معطية إياه ظهرها، اتخذ الصمت عندما أحس برغبته في السكوت.

كان كلما مال على الاتجاهات الأخرى تقزز من لعق الخنازير له ناهيك عن التبول الذي يأتي من الأعلى والروائح الكريهة التي تحشر نفسها حشراً داخله، أصوات الخنازير، ولجب حوافرها عملوا عمل المطرقة فوق الرأس، لفت انتباهه حديث البنت ذات العينين المتورمتين المحمرتين (من المفترض أن تستغرق الرحلة يومين) ص٣٨.

ثم بعدها صارت تحكي عن الله، المعتقد، الظلم الذي يغمرها، ما جاء بها إلى مقطورة الخنازير، حكت قصتها كما أرادت أن تحكيها، وتاه درويش أمام جمالها الذي تعده منقذها ورأسمالها، دعته لها وبحضور الخنازير استجاب.

نشأت بينه وناديا الرواندية في البيت الذي آلت إليه رحلتهما بفيينا صداقة أكثر من كونها علاقة رحلة رغم اختلاف معتقداتهما، افترقا من غير وداع وخط للتواصل إلا أنه لاقاها بعد سنتين من افتراقهما تعمل راقصة مع فرقة استعراضية وتقيم علاقة مع سيد الفرقة النمساوي.

كان اللقاء حميماً مشحوناً بعاطفة الصداقة التي خلقتها الظروف وصار التواصل بينهم متباعداً مصحوباً بالأحداث الكبيرة في حياة كل منهما.

عندما التحق بمركز اللجوء وُضع مع سوداني من جنوب البلاد ونيجيريين احس معهما بالألفة. وأخبروه بأن الحصول على الجنسية لن يكون إلا باختلاق الأكاذيب ولكنه رفض. ظل بالمجمع السوداني بفيينا فترة من الزمن يأكل ويسكر ويلعب الورق وينام إلى أن تحصل على وظيفة تكسبه لقمة العيش ولو أنها لا ترقى لكنها المتاحة أمامه.

فلم يتردد لحظة وعمل (مُخرّي للكلاب) يأخذها في جولة ويحمل خِرّاءها يضعه في المكان المخصص له ثم يرجعها لصاحبتها وهكذا دواليك. والسيدة لوديا شولز صاحبة الكلبين كانت مقعدة بفعل الشلل الذي أصابها في عامها الثمانين عندما حاولت تسلق الجبل، كانت لوديا شولز تعدّه ابناً لها وتسكنه معها وللوديا هذه ابنة تدعي نورا حكت أنها عاقة لا تزورها وتتحاشي الكلام عنها.

عندما أخبر الطبيب السيدة لوديا بتأخر حالتها الصحية واقتراب موعدها، طلبت من درويش أن يتعرف على نورا بعد رحليها فهي صاحبة قلب طيب رغم ما أشيع عنها.

قاد الفضول قدمي درويش إلى حيث نورا شولز التي تعيش حياة التشرد وتقوم برسم اللوحات وبيعها في شوارع فيينا والتصوير مع من يرغب من المشترين للوحاتها.

تعرف عليها عندما علمت بمسكنه الذي يقع في مدينتها، صارت أقدامه معتادة على المكان فكلما سنحت له الفرصة يلاقي نورا، في اللحظات الأخيرة من حياة لوديا جمع درويش بين الأم وبنتها.

كانت وصية لوديا توريث درويش البيت والسيارة والكلبين. وتركت لنورا بعض المال. عقدت نورا مع درويش صفقة العمر لكليهما فهي بحاجة إلى مأوى وهو بحاجة إلى جنسية ولن يعطوه هذه البطاقة الا بالزواج من نمساوية.

وافق درويش على الزواج من نورا وتنصل من كل ما يربطه بالعالم الذي أتى منه حتى اسمه صار (هانيرش)، هو كان معتدلاً في التدين وإلى العصيان أقرب.

يسكر ويزني ويصلي متى ما أحس بحوجته للتقرب إلى الله زلفي فظن أن الانصهار لن يكن عليه عتياً. بعد فترة من الزمن جاءت ميمي بنته البكر والوحيدة، أحبها حباً جماً وهي أحبته.

وكانت تحمل شيء من صفات أبيها ولو أنها كانت لأمها أقرب فبطبيعة الحال الإنسان ابن بيئته، أرادها شرقية التقاليد لكنه لم يجرؤ على الإفصاح برغبته لأن نورا شولز كانت له بالمرصاد.

أخذتها إلى الأخصائيين النفسيين لتستطيع ميمي خلق علاقات مع الآخرين وخصوصاً مع الجنس الآخر ويوم أخبرتها بقبولها إقامة علاقة مع توني فرحت نورا فرحاً جماً وظنت أن درويش سيسعد بعلاقة بنته الجديدة والتي قد تقيم مع هذا التوني علاقة غير شرعية أمامه وتحت سقف البيت الذي يجمعهم.

أتى توني إلى البيت بناء على دعوة ميمي للعشاء في نهاية الأسبوع، وكان توني سمح الملامح وهادئ الطبع في مقتبل العمر والبسمة تعلو محياه، لاقاه هانيزش وفي القلب ألف غصة حاول أن يكون لطيفاً معه لكن الذي فيلاقاه هانيزش وفي القلب ألف غصة حاول أن يكون لطيفاً معه لكن الذي في القلب لا تخطئه العيون، قضوا وقتهم وبعد العشاء والشرب استأذنت ميمي والديها، وأخذت معها توني وذهبا لغرفتها لمشاهدة بعض مقاطع الفيديو كما ذكرت.

راحت الأفكار تطرح نفسها أمام درويش الشرقي الذي ظن صاحبه أنه اندثر، راح يكلمه عن الشرف وويلات من يفرط بشرفه ولقب الديوث الذي سيلحق به أن هو قبل بما يحدث، انفرط صبره كعقد اللؤلؤ عندما أعلنت ميمي رغبة توني في اعتناق الإسلام.

ظن درويش أن توني من الجماعات المجندة التي تدعو لموجة التطهير والنكاح الجماعي بحكم السبايا، حدّث توني عن الإسلام المعتدل وأخبره إن هو فرط بميمي أو أقام معها علاقة جنسية فحتماً سيقتله وأعطاه فرصة للتفكير في موضوع إسلامه.

كبرت فكرة قتل توني لدى درويش ووصلت الذروة، فطلب من ميمي أن تدعو توني للذهاب معهم إلى الجبل الذي دفن فيه رماد السيدة لوديا شولز وهذا المشوار يعد عندهم عادة، وافق توني وبعد انتهاء الرحلة وفي طريق العودة همّ درويش بإسقاط توني من أعلى السفح.

ورداً على فعله أسقطته نورا وأردته قتيلاً، لكن توني لم يمت فقد شاءت الأقدار أن يتمسك بشجرة تحميه من الموت المحتم، بينما مات درويش. ربما أحبته نورا حب العُشرة لا سواه لكن حبها لفلذة كبدها أكبر. لذا لم تتوان عن إيقاف كتلة الخراب التي أحستها في هذا الرجل.

وابنته ميمي رغم حزنها عليه لكن شهادتها كانت لصالح أمها وقفلت القضية على أنها قضية انتحار خصوصاً بعد وجود الرسالة التي وضعها درويش قبل خروجه للرحلة والتي كانت عبارة عن وصية وإفصاح بموضوع الانتحار.

ما يخطف الألباب في رواية الرجل الخراب:

كانت الرواية بعيدة تماماً عن النمطية، سلك فيها الكاتب طرقاً وعرة ربما لم يسبقه عليها قلم، شخصن الراوي فيها وأعطى الراوي العليم سلطة أعلى من سلطة السارد كما أنه حكي عن خبث الراوي وعناده.

ثم ختم الرواية بشهادات شخوصه الثانويين الذين كان يجري معهم حوارات ناهيك عن مشاداته مع الرواي في بداية معظم الفصول. عدد صفحات الرواية ١٢٤صفحة، وقد نشرت في عام ٢٠١٤٤، عبر مؤسسة هنداوي.

شموخ الحجازي _السودان

0 تعليقات

    أترك تعليق