القصة القصيرة تحت المجهر. بقلم شموخ الحجازي.


القصة من الفنون العريقة التي امتدت إلى ما قبل الإسلام ووردت في أحاديث العرب وأمثالهم بصورة حكايات شفوية،، وبعد البعثة النبوية وردت في الوحي قصص الأنبياء والأمم الغابرة آيات تُتلى. قال الله جل وعلا: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ»/ الآية٣، سورة يوسف.

وأصلها في معاجم اللغة العربية تتبُّع الأثر وقصّه.

أنواع القصص:

تنقسم القصة إلى ثلاثة أنواع من حيث الطول:

القصة، وتُكتب في أقل من ثلاثين صفحة وهي أقرب إلى الرواية القصيرة (Novella).

والقصة القصيرة، وتكون في سبع صفحات فما أقل وغالباً تحتوي على حدث واحد.

وأقصرها القصة القصيرة جداً التي لا تتجاوز الصفحة أو نصفها، وتكون مكثفة بحيث توصّل الغرض في كلمات قليلة.

ما يعنينا في هذا المقال، عناصر وسمات القصة القصيرة كفنٍ أدبي نثري حديث بدأ انطلاقته في مطلع القرن العشرين على أيدي الغرب ثم انتقلت إلى العرب.

عناصر القصة:

من أهم عناصرها:

الفكرة (أو الرؤية) في القصة القصيرة:

النقطة التي ينطلق منها الكاتب في نسج قصته والمنفذ الأساسي للدخول لعالم الشخصيات والأحداث.

فالرؤية كما وصفها الناقد فؤاد قنديل هي البذرة التي يجب أن تدفن في تلافيف النص، ولكنها برعاية الكاتب وفنه وخبرته، تصبح شجرة مورقة ونضرة، أو وردة فاتنة تلفت الأنظار وتخلب الألباب.

الموضوع في القصص القصيرة:

عصب القصة والهيكل العظمى لها فالقصة بلا موضوع تكون منزوعة الحياة كالبيت الخاوي على عروشه وكلما كان الموضوع هاماً علا شأن القصة وزاد قارؤها.

فالموضوع هو المادة القصصية التي بدونها لا يكون هناك قص، في تعبير أرسطو. في العادة تُكتب القصة القصيرة في فترة زمنية واحدة إذ أنها في الغالب تتحدث عن شخصية واحدة، وذات موضوع واحد، وتنتهي بخاتمة واحدة. فالوحدة من خصائصها. لذا يجب توخي الحذر في الانزلاق وراء الأفكار المتعددة التي تشتت القارئ وتكون خصماً على القصة.

الشخصية:

فهي محور القصة الذي تدور حوله الأحداث وقد يكون في القصة شخصية أو أكثر. يتعيّن على الكاتب رصد ملامحها أو أحاسيسها حسب الغرض المراد توصيله. وليس للكاتب الحق في التدخل لوصف عواطف الشخصية بل عليه أن يترك الشخصية تتحدث بضمير المتكلم لتكون القصة أكثر مصداقية.

وليس بالضرورة أن تكون الشخصية بشراً فقد تكون جمادا أو حيوانا أو أي شيء آخر. المهم أنها بطل القصة المطروحة.

الحدث والعقدة:

من العناصر المؤثرة أيضاً، يتصاعد الحدث بصورة جاذبة للقارئ اعتماداً على براعة الكاتب، ثم يأتي حل العقدة مستنداً على عنصر المفاجأة مما يبرز قوة الحبكة ومهارة القاص في صنع الحدث المتفرّد.

اللغة والقصة:

من المهم أن يكون كاتب القصة ملماً باللغة العربية، ومرادفات الكلمات، ليختار الكلمة المناسبة في موضعها المناسب فكلمة (حملق) تختلف عن كلمة (نظر) رغم تشابه الفعل.

مما يرفع لغة القاص السلامة النحوية والإملائية بحيث يكون مدركاً للمحسنات البديعة والقواعد النحوية والإملائية ويعرف ماهية استخدامها في المكان المناسب لتضيف جمالاً للقصة.

التكثيف في القصة:

وتتطلب القصة التكثيف وتكوين الجمل القليلة التي تحمل دلالات كبيرة، والدقة في تصوير الحدث بالكلمة المناسبة وهو مطلب عزيز وصعب يرفع القصة إلى درجة عظيمة من الجمال ويخلق موسيقى متناغمة داخل النص.

يكون التكثيف بحذف الزوائد، وتجريد النص من الحشو ودمجه بقدر الممكن، فالقصة حسب فؤاد قنديل هي فن الحذف، فن الرشاقة، فن ما قل ودلَّ.

الشاعرية في القصة :

فتكون باختيار عبارات ذات عذوبة ودفء ينقلها القاص بمرونة تحمل الجمال الجوهري في طياتها، وللغة القاص القدح المعلَّى في جعل القصة صادقة ومدهشه.

حسب محتوى القصة قد نجد المسرح أو المكان بما يرافقه من وصفٍ له كثير من الجماليات، فنحن بحاجة لتتبع الشخوص على حسب ما هو وارد في حكاياتهم حتى نتعايش مع الأحداث والتطورات في القصة.

الاسلوب في القصة:

يعتبر الأسلوب من العناصر اللافتة لسحر القصة وهو خط تقنية الكاتب في نقل الأحداث بالطريقة التي يراها مناسبة ومن خلاله يظهر الكاتب عبقرية القصة ومخزونه اللغوي وكيفية سيطرته على أدواته باستخدامه حديث النفس (المونولوج)، والحوارات (الديلوج).

صوت القاص في االقصة:

ومن الأشياء التي لابد من أن تتحلى بها القصة القصيرة هي اختفاء صوت القاص وآراءه اختفاءً تاماً بحيث يظهر كأنه قارئ مثلنا تماماً لا يفرقه عنّا إلا مشاهدته للأحداث ونقلها لنا كما حدثت ليس إلا.

تصعيد الصراع والتشويق في القصة:

وكلما برع الكاتب في صنع المشاهد بتفجير الأحاسيس، والشعور، والتشويق، وتصعيد الصراع بطريقة ترضي غرور القارئ وتجذبه لمحتواها كلما جعلها مليئة بالدراما.

البناء والشكل في القصة:

من الأشياء التي يلزم معرفتها عن القصة البناء، وهو الشكل الذي تأخذه القصة وما فيها من أحداث متصاعدة بحبكة معينة تلقى القبول والمعقولية، وقديماً عُرف شكلها بالبداية ولب الموضوع والنهاية إلا أن التطور الذي لحق بالقصة جعلها تبدأ من حيث أراد لها القاص أن تبدأ، فقد تبدأ من نهاية الأحداث مثلاً ولا ضير في ذلك.

التشكيل البنائي في القصة:

يكون بدءاً بالعنوان وهو ملخص موجز بمحتوى القصة. ثم البداية وهي العتبة الأولى في كتابة القصة ولا بد أن تحتوي على مقدمة قصيرة وجاذبة.

فكما قال يحيى حقي أن القصة الجيدة لها مقدمة طويلة محذوفة. تختلف البدايات ولكنها تعتبر الطعم الذي يلقيه الكاتب لعقل القارئ محاولاً جذبه لمكوّنات قصته وكشف أسرارها.

ومن أساسيات التشكيل البنائي فيها الخلو من العبارات الإنشائية المبهمة. وعن النهاية فهي النقطة التي يسعى الكاتب منذ البداية للوصول إليها والتي تكشف الألغاز التي يضعها الكاتب في طريق الوصول لمآلها ولذلك سميت النهاية لحظة التنوير، والقصة القصيرة في شكلها الجديد كلها عبارة عن خيوط من التنوير.

أشهر كتاب القصة القصيرة:

من أشهر كتاب القصة القصيرة الغربيين أنطوان تشيخوف، ليو تولستوي، فيودور دوستويفسكي، ادغار الان بو. ومن العرب توفيق الحكيم، زكريا تامر، يوسف إدريس، و جبران خليل جبران.. وغيرهم.

هي فن راقي، اكتسحت مجالات الأدب حديثا بعد أن اكتست ثوبها الجديد الذي زادها تأنقاً ورونقاً. _________ المراجع كتاب القصة القصيرة، د. محمد يوسف نجم. كتاب فن كتابة القصة القصيرة، فؤاد قنديل. عدد من المقالات على موقع البحث قوقل.

0 تعليقات

    أترك تعليق