مسرحية في انتظار غودو. وليد غالب.


في هته المقالة سنستعرض مراجعة وتحليل لمسرحية في انتظار غودو للكاتب المسرحي صموئيل بيكيت. متناولين كل من طريقة الكتابة العبثية في هته المسرحية وحوارها, منتقدو بيكيت. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ انتظار غودو:

بشكل متميّز ومُختلف تماماً، رُسمت شخصيات مسرحية “في انتظار غودو”، حيث من الممكن أن نلاحظ أن بيكيت جعل أبطاله، فلاديمير واستراجون – حتى بوزو ولاكي – أشخاصاً عاديين جداً، يظهرون من العدم بلا تاريخ سابق، بلا مهنة، بلا خلفية ثقافية معرفية، أيضاً.

بلا لغة فلسفية أو حتى حوارات عالية، الأكثر إثارة، أنّه جعلهم بلا هَمّ محدد ومعلوم. إنّهم حتّى لا يُثيرون سؤالاً، لا يدخلون في ورطة أو مشكلة، لا يصنعون ثورة ولا يطالبون بها، بل لا يبحثون عن أي معنى. ليسوا أبطالاً ولا مُبدعين ولا مُطاردين، ولا حتى مُحبَطين. مثلاً، فلاديمير واستراجون كل ما يشغلهم الانتظار وتمرير الوقت.

صاموئيل بيكيت والكتابة العبثية:

يشترك بيكيت وكامو وسارتر بالكتابة الأدبية العبثية العدمية، لكن الفارق أن شخصيات بيكيت في مسرحية “في انتطار غودو” ليست تشاؤمية ولا حزينة ولا حادّة، بل من الممكن أن نعدّها مُضحكة أحياناً.

إننا لا نجد في مسرحية “في انتظار غودو” مواقفاً تشبه المواقف التي في رواية الغريب لكامو. حينما يُفسّر فلسفياً اتخاذ أُمه لحبيب عند اقترابها من الموت “لابد أن أمي قد اقتربت هذا القرب من الموت، كانت تحس نفسها مُحررة ومستعدة لأن تعيش كل شيء من جديد” كان كامو يريد القول أن محاولة الانتحار أو الاقتراب من الموت، تُنتج ثورة.

في المقابل لا يُروّج بيكيت لأي فكرة عبثية، فحتى عندما يقرر فلاديمير واستراجون الإنتحار، ويتحاوران في من ينتحر الأول، ويختبران الحزام الذي يريدان استخدامه للشنق، ويُثرثران في وزن من الأخف بينهما، يقولان في النهاية، لنترك الأمر لغودو. إن أفعالهم تتوقف أو لنقل تموت مُقابل الكلام الذي بالعادة يكون بلا معنى.

فحيث يتواجد اللامعنى تتوقف الإرادة، ويتوقف الفعل. ومن الممكن ملاحظة أن البشرية بصورة عامة، تنحصر في شخصيات المسرحية، بين بوزو السيّد، ولاكي العبد من جهة، وبين فلاديمير المشكك المُتسائل، واستراجون العملي المادي من جهة أخرى، لذلك يقول فلاديمير “نحن الأربعة نمثّل البشرية”.

الحوار في مسرحية إنتضار غودو:

يبدأ الحوار الفعلي بين استراجون وفلاديمير، بجملتين فيما لو أزلنا الحركات المسرحية التي تقطع النص بينهما فسيكون النص كالآتي:

استراجون: عبثاً فلاديمير:

بدأت أقتنع بذلك الرأي. بشكل مؤكد، هذا هو فحوى المسرحية، الاقتناع الأخير بـ “العبث” وعدم وجود أجوبة لأي شيء. إن هذا الحوار الأول بين جوجو ودي دي، يحمل معنى آخر، فهو بلا شك حوار، لكنّه منعزل، وغالباً يكون بلا أخذ وعطاء، فأي حوار يكون بين شخصين أحدهما يشكو من ضيق حذائه، والآخر يريد أن يقص عليه قصّة السيد المسيح مع اللصين!

إنها إشارة واضحة بشكل جلي، للوحدة التي يعيش فيها البشر، حتى وإن كانوا مجتمعين ويتحاورون، إنها تعني:

كن معي لكن اتركني وحدي “لا تلمسني! لا تسألني شيئاً. لا تقل لي شيئاً. إبق معي”.

إن شعور الوحدة هذا يختلف تماماً عن شعور الوحدة الذي يعيشه بطل رواية الغثيان لسارتر “أعيش وحيداً، وحيداً تماماً، ولا اكلم أحداً إطلاقاً، ولا آخذ شيئاً ولا أعطي شيئاً”.

فوحيد بيكيت لا يريد أن ينعزل ويريد قربه أحد ما. يؤكد بيكيت هذه الوحدة التي يعيشها استراجون وفلاديمير، عن طريق المكان أيضاً، فهناك طريق عشوائي، وهناك شجرة.

لكنها ليست شجرة عاديّة “لا أعرف.. كأنّها صفصافة” ذابلة متساقطة الأوراق، ولا أكثر وحدة في الأدب من شجرة الصفصاف، وفي الفصل الثاني تورق ثلاث ورقات في هذه الصفصافة، وهي إشارة لمرور الزمن لكن بدون تغيير أي شيء.

لا تتمثّل الفردانية والشعور بالوحدة في الحوار بين استراجون وفلاديمير فضلا عن شجرة الصفصاف فقط، بل أيضا في الطعام الذي يُعطيه فلاديمير لاستراجون – الجزر واللفت والفجل – لنلاحظ أنها نباتات تنمو مدفونة تحت الأرض، لا ترى الشمس، وأنّها تُعطي ثمرة واحدة فقط، إذا قُطعت. ماتت النبتة.

كل شيء في هذه المسرحية وحيد، فرداني، منعزل، ميّت، حتى الحوار.في كتاب عصر مثير، يتذكر المؤرخ هوبزباوم طفولته بدايات القرن العشرين “خمسة أطفال صغار مع فتاتين يافعتين وقفوا أمام عدسة الكاميرا، قبل ثمانين سنة، غير واعين مثل آبائهم وأمهاتهم أنهم مُطوّقون بحطام الهزيمة:

امبراطوريات مدمّرة واقتصاد منهار”. إنه التاريخ الذي يقترحه فلاديمير أحد أبطال “في انتظار غودو” للبدء بالإحباط “كان علينا أن نفكر بذلك منذ الأزل، منذ العام 1900”. لكنه يضيف: “ما جدوى الإحباط الآن”. وتجنباً للاحباط يُصرّح أنه يجب الاهتمام بأدق التفاصيل “علينا أن لا نهمل الأمور الصغيرة في الحياة”.

منتقدو غودو وبيكيت [2]

مقال ثرثرة المسرح، للروائي الإيطالي البيرتو مورافيا:

في مقال ثرثرة المسرح، للروائي الإيطالي البيرتو مورافيا، يُبيّن فيه معنى الثرثرة في الأدب، ويأخذ شكسبير كمُنطلق، يذكر مورافيا أن الثرثرة عند شكسبير “محددة في الصدر، فالمهرج يثرثر، والشخصيات الثانوية تثرثر، والمجانين يثرثرون، لكن الأبطال لا يثرثرون”.

يُضيف “في البدء كانت الثرثرة تظهر كما هي، ولا تطمح أن تكون غير ثرثرة، الثرثرة الحقيقية، الطبيعية. الواقعية”. ويبدو أن مورافيا ينظر بكلاسيكية شديدة للأدب الحديث، فهو يريد من البطل أن يقول كلّ الأشياء المهمّة التي تحمل معنى، ويريد من الثرثرة أن تبقى ثرثرة فقط.

ويريد من المُثرثرين أن يبقون في الخلف. يعتقد مورافيا أن بيكيت وآخرين متأثرون بكافكا، يقول: “أن كافكا كان الأول في بناء صيغة السخافة الحديثة ذات الطابع البرجوازي، فكل شيء عديم المعنى هو عميق، بينما كانت الصيغة الكلاسيكية تقول: كل شيء له معنى إنما هو عميق”.

الروائي ألبرتو مورافيا وصموئيل بيكيت:

ويبدو أن مورافيا لم يفهم معنى اللامعنى في المسرحية، يصف بيكيت مسرحيته بأنها “تتحدث عن اللاشيء” هذا اللاشيء هو الذي يُنتج اللامعنى الذي نعيش فيه، إنه يُظهر عجز اللغة وعجز الفعل وعجز الفكر عن القيام بأي شيء مُفيد للبشرية.

ويظهر عجز اللغة بشكل واضح، في خطبة لاكي المتقطعة غير المفهومة، لكنها برغم استحالة فهمها، تُنتج معنى. إنها تريد أن تُخبرنا أن الفلسفة والفكر عاجزين عن فعل أي شيء أمام عبودية الإنسان. إن لاكي في المسرحية لم يكن مجرد عبد فقط، إنه مُبتزّ حتى على مستوى الفكر من قبل بوزو السيّد “لولاه لما عرفت سوى المشاعر والأفكار الوضيعة.

متطلبات المهنة، الجمال، الحسن، الحقيقة الساطعة، كلها كانت فوق فهمي”. هنا. وبرغم قدرات لاكي الفكرية، إلا إنّه يتحول في النهاية لخادم عند بوزو السيّد صاحب المال.

اما أغرب ما يكتبه مورافيا في نقده لمسرحية “في إنتظار غودو” هو أنه يؤمن بيقين، قصد بيكيت بإهانة المؤمنين بجعل غودو هو الله، يذكر مورافيا في مقاله “يجب علينا أن نلاحظ أن الله في دراما بيكيت هو غودو” ويضيف “إننا هنا أمام ظاهرة كلاسيكية لإهانة ذات هدف رمزي، وفيها كما كل الإهانات، نوع من المداهنة والتملّق للمتفرج”.

لماذا يؤمن مورافيا أن غودو هو الله “فقط”؟

مع إن غودو في المسرحية غير عادل، غير واضح، ومماطل أيضا! لماذا لم يفترض أن غودو هو المعنى، أو الموت بصفته الحقيقة الثابتة، أو حتى الثورة.

أعتقد أن سبب هذا التأويل، يعود لسرد قصة اللصين مع السيد المسيح في المسرحية، فبهذا النص بدا بيكيت معارضاً للدين، فهو يُشكك بقصة الإنجيل، بل بالإنجيليين الأربعة “كيف تفسّر أن إنجيلياً واحداً من الإنجيلين الأربعة يقدّم الوقائع بهذه الطريقة؟

مع إنهم كانوا جميعاً هناك.. واحد فقط يتحدث عن لص فاز بالخلاص” وبعد أن يؤكد فلاديمير أن هذه الرواية هي “الوحيدة التي يعرفها الناس” يُجيب استراغون “الناس جهلة ومُغفّلون”.

لكن الأمر ليس تشكيكاً، إن بيكيت ببساطة، كان يطرح فكرة عدم وجود جواب، لسؤال بديهي منطقي. إن لعبة اللغة عند بيكيت تُشير لعجزنا عن إيجاد الأجوبة، حتى لو كانت لغة الكتاب المقدّس.

لم يلاحظ مورافيا أن اعتراض فلاديمير على قصة المسيح، لم يأت بسبب أنه رجل متديّن، أو ملحد أو لأنه فيلسوف، بل لأنه إنسان عادي يحقّ له التفكير والسؤال، إنسان لا يعرف في الأساس من يكون غودو “لا نكاد نعرفه”.

صموئيل بيكيت والناقد والروائي كولن ويلسون:

أيضاً. فإن الناقد والروائي كولن ويلسون في كتابه “المعقول واللامعقول في الأدب” يتعرض لكتابات بيكيت، ويصفها بأنها مأخوذة من تشيخوف، حيث يعتبر “قصة كوسييف نموذجاً لجميع مؤلفات بيكيت”، ويعتقد ولسون أن بيكيت يكتب بوجهة نظر واحدة في كل مؤلفاته “ولو تم دمار جميع مؤلفاته في كارثة ما، ولم يتبق إلا مؤَلف واحد، فأن ذلك لن يُغير شيئاً، فكل واحد من مؤلفات بيكيت يُعتبر بيكيت كلّه”.

أما فيما يخص “غودو” فقد كتب ولسون عن نجاحها “لكن التشجيع الذي لقيه بيكيت دفعه إلى الاستمرار في تأليف المسرحيات وكأنه كان مرسلاً ليقنع العالم بأن الحياة لا تستحق أن تعاش”.

أعتقد أن مشكلة ولسون مع بيكيت تكمن في أن بيكيت لم يجعل أبطاله أبطالاً – بالمعنى السائد – إنهم هامشيون، مثل الهامش الذي يوضع في نص، فهو يعطي معنى، يكون أحياناً أفضل من النص نفسه.

ولسون يريد بطلاً واحداً واضحاً يستطيع أن يفهمه ويُحلله، كما فعل مع أبطال الروايات في كتابه اللامنتمي.

وساكتفي بهامش لمُترجم الكتاب، وأظن أنه رد جيّد على ولسون “يلوح لي أن ولسون متحيز ضد بيكيت، حيث أنه يهمل عن قصد كثيراً من النقاط المهمة… في مسرحية نهاية اللعبة لم يُشر ويلسون إلى أن الرجل المُقعد يُمثّل العقل الساكن، وأن الخادم يُمثل الجسد وإلى الصراع الدائم بينهما وبالتالي إلى رمزية بيكيت العالية، كما إن الأب والأم وهما في المزبلة، يُمثلان اللاجدوى”.

1 تعليق

أترك تعليق