تحليلات قصصية (ج9). Khaled Abubaker.


في هته المقالة سنقدم مراجعات وتحليلات لمجموعتين قصصيتين وهما كالتالي: 1/ المجموعة القصصية يناير بيت الشتاء. للكاتب أحمد أبو حازم, 2/ المجموعة القصصية الإيقاع الاخير لسيدنا الزغرات للكاتب عمر الصايم. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ المجموعة القصصية يناير بيت الشتاء. للكاتب أحمد أبو حازم:

الروائي والقاص احمد أبو حازم.

الاساليب السردية في قصص يناير بيت الشتاء:

ّنوعُ الأساليب السردية أبرز ما يُميز المجموعة القصصية (يناير بيت الشتاء) للكاتب أحمد أبو حازم، ولا يجمع هذه القصص أي خيطٍ ناظم سوى أنها مدرسة تتنوع حكاياتها وإقترابها من أركان عديدة سوى شخوصاً أو أفكاراً حيث أن النفثُ السياسي يظهر في أول ثلاث قصص ( ظهيرة حارقة-دهليز الهذيان- إسقاطات دائرية).

فهي قصص تخترق بدايات الإنقاذ بممارساتها حيث التجنيد الإجباري , والعذاب الذي يُتعرض له في السجن حد الإعدام, ودوائر الاسئلة التافهة في مقابلات الوظائف التعجيزية.

الغرائبية وقصة يناير بيت الشتاء:

أما يناير بيت الشتاء القصة المُسمى بها المجموعة فهي في نظري أفضل قصص المجموعة نظراً لأسلوبها المُشوق في العرض حيث أنها تعرض لنا قصة داخل قصة, فيها غرائبية وتحقق الخيال الذي ظهر في قصة القاص الذي أمسك به المحقق بحقيقة وقوع القصة بتفاصيلها في الواقع رغم ان القاص يؤكد أنها محض خياله.

هنا قولُ أستشفه من القصة بأن القاص متنبئ بدرجة من الدرجات, تتحقق قصصه في الواقع او إلهامها يأتي من شياطين النبوءة بالأحداث الذين يسرقون الاحداث قبل وقوعها ويسربونها للقصاص.

تنتهي القصة بغموضها وتشويقها دون أن نعرف ماذاجرى بعد أنَّ حبسه المحقق في السجن على ذمة التحقيق هكذا كنهاية مفتوحة تُترَكُ للقارئ ليتوه فيها.

دفترٍ آهلٌ بالبياض:

في (دفترٍ آهلٌ بالبياض) يترفع بنا الكاتب الى لحظة عرفانية, هو حلمٌ لا كحلم النائم, عالمٌ آخر ينفتح بسبب ( النوبة تُدوي والدراويش في أوج صبابتهم وإنجذابهم..) , عالم وجودي ملئ بطاق الاسئلة ينفتح على منظر الشحاذ الذي يرى دوي النوبة والدراويش فيقول الكاتب ( الشحاذ موبوء بسؤال الآخرين، نشط الهمة ببسط الأكف في كل الأوقات, وأنا كذلك. هل أنا الشحاذ , أم هو أنا؟).

فهي حالة تنتاب السارد حدَّ أنه يمزجها مع حالة الشحاذ, وتتيه بنا القصة في هذا العرفان في عالمٍ ليس هو الواقع بدليل ان في نهايتها نقرأ ( فخرجت أنا من حلمه الغريب) وهو ما يدل على إرتقاء السارد/ الدرويش الذي إنشطر في سديم الأبدية وعطب الذات حد أنه دخل في حلمه.

قصة غربة وقصة خدر النهارات النائمة:

ويسير بنا في تنوعه الأسلوبي لكتابة القصة حيث يتوغل الى عالم الكلاب في (خدر النهارات النائمة) كمراقب من الخارج.

متحدثاً عن وصايا الكلاب في الحفاظ على وظيفة حراسة البنايات وصراع الكلب السوداني مع الكلب الأجنبي, ربما تكون القصة رمزية بين السوداني والأجنبي في اداء الوظائف.

وذات الأسلوب نجده في قصة (غربة) حيث يستعير السارد صوتَ طائرٍ حُبس في قفص مع خمسة ملونين, فهي غربة عن فضاء حرٍ وغربة في القفص بين الخمسة الملونون ذات الفصيلة الواحدة.

غربةٌ مآلها في النهاية هي محاولة النقر على السلك النملي, إنها نضال ضد السجن وتوقٌ للحرية.

قصة رجل أزرق:

عند ( رجل أزرق) قصة عشق وقصة لغة يتوصف بها الرجل الذي تبحث عن الحبيبة بعد تمنع ومُضىٌ في طريقه حاملا الكبرياء والجروح, فهي قصة لغوية حيث نجدها في أوصاف العاشق (رجل يغسل ضوء الشمس وينشره ضد العتمة, رجل أزرق كماء…) ( رجل خريفي الملامح, معبأ بالغيم, ويخبئ أسرار الماء).

قصة لشخوص خيالية وأنسنة لها فهناك (النجمة, وحبات الرمل, الوردة, والشجرة) اللذين سألتهم عن عاشقها, يلاحظ ان العاشقان يرمزان بالضمير (هو, هي) ليس هناك تحديد لهما. وتعرج القصة بنا الى أسلوب المخاطبة وتقنية الحلم في التاريخ بقصة ( ضجيج كأنه النسيان).

قصة ضجيج كأنه النسيان:

فالأسلوب السردي هنا هو مخاطبة الكاتب للمتلقي والقذف به في حلمٍ تاريخي يتعلق بماضي الشخصية السودانية, إنه سوقٌ للماضي وحفرٌ فيه , حيث الملكة المروية أماني شخيتو ووصيفتها نار خيتو , ومهرجان عيد الماء والقربان للإله أبادماك, حلمٌ يتقاذف الى عمق التاريخ بعاداته وطقوسه ككشف عن الماضي .

قصة أطياف مبعثرة:

أما أكثر القصص تميزاً من ناحية التقنية فهي ما قبل الأخيرة بعنوان (أطياف مبعثرة) والعنوان هنا هو إسم الأسلوب الذي عرض به قصته فقد كانت كأطياف مبعثرة مرقمة بعناوينها الداخلية, وغرابة موضوعها المُتضمن وهي عرفانية في المقام الأول حكاية عن نقاء القلب الذي لولاه يحصل ما يلي ( تحاول التحرك خطوة ثالثة بنقل قدميك إلى الأمام, تتجمد في مكانك يتمرد آنك…) ( تجرب سحب قدميك الى الوراء , تتم الإستجابة بيسر, كأن التقهقر ديدنك..).

هذا هو المفزع أن لا تستطيع الخطوِ الى الامام بينما الرجوع سهلاً , إنها حِيرة تجعله يتقعد حجراً , يعيد جرد حسابه, ويبكي, فالبكاء هنا ما يغسل القلب وينقي فيجعله يمضي. فهي قصة تعبر عن حالة إرتقاء بين الحساب للنفس وإحتراقها حتى يشخص ببصره نحو الفراغ وروحه تعلق في نقطة تكونه الضوئية , حيث لا وقت ولا مكان, إنه قد عبر من مادية جسده الى جوهر روحه وبداية التكون.

أخيراً أستطيع أن أقول مجموعة متنوعة الأساليب السردية ، ومواضيعها التي تقترب من الهمِّ السياسي، الوجدان العرفاني، حرية الانسان عبر رمزية الطائر، والوطنية عبر رمز الكلاب.أيضاً ألاحظ أن الكاتب متحكمٌ في شخوص قصصه فقلما نجد حواراً تتحدث به الشخصيات وتكشف عن نفسها، عدا القصة الاخيرة.

ويلاحظ النفسُ الطويل للقصص حيث في بعضها كقارئ أفقد التشويق من واقع أنها تُكثر في التهيئة اللغوية وصولاً لأول فعلٍ سردي كما في قصة ضجيج كأنه النسيان.

2/ المجموعة القصصية الإيقاع الاخير لسيدنا الزغرات للكاتب عمر الصايم:

الإيقاع الاخير لسيدنا الزغرات للقاص عمر الصايم

قصص قوس الحب:

أجد ابرز سمة للمجموعة القصصية الايقاع الاخير من الحياة، آخر لحظات الشخصية، وهي تحمل بحزنها المُشفق على قلب القارئ كل هذا الشعور المتعاظم من الرؤية الدقيقة لما بين الحياة والموت.

فقد برز الايقاع الاخير في أول القصص التسع المسماة بـ قوس حب، فقوسها الحزين ارتفع مقدار هُنيهة من الحياة، وهي تطفو بمشاعرها على رسائل حبيبها، زوجها الذي نعاه الناعي و الذي كانت تنتظر منه كلمة الحب، ويطفو علينا القاص بدقةٍ مشهدٌ أخير من حكايتهما.

حكاية حياة وموت وبينهما حب يتشكل في الخط الاخير للإحساس، حيثما ترسم ابتسامة في عزاء حبيبها بين همسات النسوة حولها التي تستغرب بلا شك لإبتسامة في مقام الحزن، لكنهم لم يعرفوا إحساسها حيث قالت بعدما أحست بطعم الحب من حبيبها الذي مات في رسائله( أحسستُ أني عصفورة تخرج من بيضة في عش وثير ) انه التحليق الاخير في سماء الحب على وقت الموت بنكهة الكتابة.

تخبرنا عن بعد اجتماعي يدخل عقل زوجة كانت تنتظر القول بالحب وتراه فعلا من زوجها، اهمية ذلك عندها ، عن زوج ما باح لها بالقول الا كتابة.

قصة رؤيا الكبش:

اما في القصة الثانية المعنونة بـ رؤيا الكبش فنجد فيها نمط الإيقاع الأخير للكبشِ عبر اسلوب الراوي العليم الذي يبرز لنا إحساس الكبش قبل الذبح مع العلاقة التي تربطه بابن صاحب الكبش سالم، التي تظهر من خلال المقاطع التالية (سأكون حزيناً بعد ذبحكَ، سأحرم اللحم على نفسي) ( كان يتهادى حزيناً في مكانٍ بعيد عن لحم صديقه).

في هذه القصة يصفُ لنا الكاتب جوانيات الخروف حيثُ رأى عالماً يرتسم على صفحته وهو يقترب من جردل الماء، وهو وصف حزينُ بالنسبة للخروف وهو يشهد ما قبل ذبحه ايقاعه الأخير في هذه الحياة وربما اجد بعض استغراب للمبرر الذي جعل الكاتب يكتب مثل هذه القصة, سوى انها تقريب لنظر الانسان الى مشاعر الخروف وإيحاء ربما بأن نحرم اكل اللحوم ونصبح نوعاً ما نباتيين.

قصة تذكارات العديل:

كان الإيقاع الأخير لحياة العديل عبر نافذة سردية حوارية بين ساردٍ لم اعرف من هو ولم ترد اي اشارة الى من هو وبين العديل ، عبر نافذة تقترب من المنسي في هذه القرية الصغيرة التي لم يدخلها سيفٌ واحد ، ويقتلها وباء الجدري او الموت في الآبار كما كان لبطل القصة، انها عن برٌ إبن لوالديه الذين فقدا البصر، وبصيرة والدٍ عندما قال لإمرأته بصوتٍ باك – الآن تفقدين بصرك، ذهب العديل بالعصفورةِ، وعادت العصفورة بدون العديل.

كان هذا السطر مشهد بحاله ، يتجلي فيه قمة الشعور بالحزن، بدلالة العصفور التي عادت بدونه، والعصفورة التي في البدء رَكًّت على كتفِ العديل وهي تدل على صفاته الشخصية الطيبة الهادئة والبارة بوالديه، الذي لم يرَ شيئاً في هذه الحياة بإعتبارات وجوده في القرية ولم ير هذا العالم البرح ، مدافع الإنجليز، و سيوف الأتراك.

ما أعيبه على الكاتب أن العصفور كدلالة لم يبنيها لنا عبر اشارات في بداية القصة حيث كان يمكن أن تُستثمر في دفع الحالة الوجدانية التي تنتهي بها والعلاقة بين العصفور والموت والعديل وما جرى له.

قصة الإيقاع الأخير لسيدنا الزَّغرات:

اما القصة السابعة والتي سُميت بها إسم المجموعة القصصية – الإيقاع الأخير لسيدنا الزَّغرات) ، فقد كان إيقاعُ بين الحياة والموت يتجلى عبر منَّانة التي يقول لها الشيخ ( منَّانة ! ضرابة الدلوكة، خادم الله الماك مملوكة، دقي الدلوكة)، هنا يتجلى لنا رؤية دقيقة ذات حالة صوفية ووجدانية عالية ونداء لإرتباط وثيق بين شخصين للقفز عبر جدلية الحياة والموت كما في القصة الأولى.

حيث ينادي الحبيب حبيبته عبر الحب الذي نفثه لها أخيرا في رسائله لها ليقفزا بحبهما سوياً فكأن الحياة ليست هي حياة سوى بالآخر الذي اذا مضى الى الموت يلحقه الآخر ويتحرر من الحياة الشكلية وينغمسا في حياة اخرى، كما فعلت منَّانة حيث دقَّت الدلوكة تحت المطر وفي وعند ضريح شيخها فكان إيقاعهما الأخير.

حالته الوجدانية وهي تدق الدلوكة وهو يقفز بقدميه ويزغرت، فإنضمت له في زغرتته الأخيرة او ايقاعها الاخير وعبرت الجسر من الحياة الىالموت نسبة لعلاقتهما الوثيقة فهو لا يستطيع ان يكون في حالته الوجدانية في الموت دونها التي تدق له الدلوكة ، وهي الحياة لا تعيشها الا عند رقصه وزغرتته.

حقيقة كانت هذه القصة ذا تأثير كبير علىَّ لدلالات الحالة الوجدانية العميقة التي تربط بين إثنين وتنتقل بهما بقوتها من الحياة الى الموت، وهي دلالة تحطم مفهوم الحياة والموت بشكله الاعتيادي وتنتقل به الى ان الحياة هي الحالة التي تربط الرفيقين ويكون الموت هو إنتقال عظيم من حالة إلى حالة.

أشير بالذكر ان باقي القصص الخمس لها اشارات يمكن التفكر بها والنقاش والوقوف عليها, الا انني وقفت في هذه القصص الأربعة لما لها من نمطٍ واحد يشبه العنوان وهو انها تعبر بنا بحالة وجدانية حزينة جدا, الإيقاع الأخير للحياة والعبور الى حالة الموت.

0 تعليقات

    أترك تعليق