تحليلات روائية (ج13). وليد غالب.


في هته المقالة سنقدم مراجعات وتحليلات لروايات وروائيين وذلك كالتالي: 1/ روايات وقصص كافكا, 2/ الروائيان, دون كيخوته وفرانكشتاين, 3/ رواية المزحة لكونديرا, 4/ سنان أنطون وروايته وحدها شجرة الرمان, نتمنى لكم مطالعة ممتعة.

1/ روايات وقصص كافكا:

عن إنسان كافكا:

غالبًا، لا تكاد تخلو روايات كافكا من حالة نوم أو استيقاظ مخيف أو غير طبيعي، بمكان غريب بوجود أشخاص غرباء.

لنجرب أخذ بعض الأمثلة:

قصة المسخ لكافكا:

في قصة المسخ أو التحول “استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة فوجد نفسه قد تحول لحشرة”.

المحاكمة لكافكا:

في “المحاكمة” يستيقظ “جوزيف ك” ويجد شخصين يقتحمان غرفته لغرض التحقيق معه.

رواية القصر لكافكا:

أيضًا في رواية “القصر” ينام “ك” في حانة غريبة على شوال قش ثم يوقظه شخص غريب يسأله بأدب عن سبب قضائه لليلته في الحانة بدون تصريح.

محاولة لفهم كافكا:

لفهم كافكا أعتقد أن من الجيد التركيز على هذه النقطة المثيرة “لماذا يجعل أبطاله يعانون في النوم أو في الاستيقاظ”. بصورة عامة هناك صفتين تميّزان “إنسان كافكا الأدبي”، الأولى هي القلق، والثانية عدم الشعور بالطمانينة.

تلاحق هاتين الصفتين جميع شخصيات العظيم كافكا في أكثر الأماكن التي من المفترض أن تكون أكثر أمنًا. تلاحقهم في بيوتهم، في غرفهم، بل وحتى في أسرتهم.

من الممكن ملاحظة هاتين الصفتين في قصة العرين بشكل أكثر وضوحًا من باقي قصص وروايات كافكا.

قصة العرين لكافكا:

في العرين يبني الحيوان حفرة شديدة التحصين تحت الأرض – بالصدفة وبعد عدة محاولات فاشلة – لكنه يعترف أن أي محاولة عشوائية لحيوان مفترس ستقضي عليه تمامًا.

في النص يروي كافكا “إنه عرين محصن بأفضل طرق التحصين. يمكن أن يحدث – وهذا أمر وارد – أن يدوس أحدهم على هذه الطحالب بقدميه وعندها يصبح الطريق إلى داخل العرين مفتوحًا”.

في هذا النص يبقي كافكا مخلوقه في حالة قلق دائم من سهولة اقتحام العرين. وبالمجمل هذا هو شكل البيت الذي يتخذه حيوان كافكا.

بيت مهدد في أي لحظة بالخراب. وفي صفحات اخرى من القصة يتحدث الحيوان عن أوقاته السعيدة “وذات ليلة أهرول إلى الفناء، وأنقض على المؤن، وأدس في فمي أفضل ما أشتهيه. أوقات سعيدة، وخطيرة أيضًا. فكل من يستطيع استغلالها بإمكانه أن يُدمّرني بسهولة”.

لا تشعر روح أبطال كافكا بالاطمئنان أبدًا، لا البيت آمن ولا حتى السرير، ونتيجة لهذا القلق الذي يأكل الروح، كان لابد له أن يجعل نوم شخصياته أو استيقاظها متعبًا.

يقول الحيوان:

“لكني لم أعرف وأنا في قمة عنفواني ساعة من الراحة، هناك وسط الطحلب الداكن تجدني جريحًا إلى درجة لا توصف، يُطاردني في أحلامي حيوان نهم”.

روح قلقة دائمًا لا تعرف الاستقرار تُطارد حتى في أحلامها. هكذا يرى كافكا حياة الإنسان، حيث تكون أوقاته سعيدة وخطيرة في الوقت نفسه.

2/ الروائيان, دون كيخوته وفرانكشتاين:

السينما وتشويه روايات كل من دون كيخوته وفرانكشتاين:

ربما لم تتعرض رواية للتشويه والاقتطاع مثلما تعرضت روايات دون كيخوته وفرانكنشتاين.

أخذت السينما هذه الروايات، لكنها ركّزت على ما يُبهر فقط، ما يجلب المشاهد، وما يزيد الأرباح.تحول دون كيخوته لشخص مضحك أشبه بالمهرج، وتحولت رواية ماري شيلي لرواية رعب برز منها وحش فرانكنشتاين فقط.

غالبًا، تأخذ السينما من الأدب ما تحب فقط، تبرزه وتظهره على أنه الأهم، فمن سيهتم بحكمة سرڤانتس مقابل السذاجة المضحكة لدون كيخوته، من سيفكر بخوف ماري شيلي من سطوة العلم والاختراعات التي ازدهرت في القرن التاسع عشر مقابل الرعب الذي يجلبه شكل المسخ المخيف! لم تكن هذه الجناية على الأدب مختصة بالسينما.

حتى الفلاسفة يأخذون ما يعجبهم، ما يعزز فكرتهم، ويهملون بشكل غريب باقي الرواية أو الشعر. لم يُعجب نيتشه بديستويفسكي، لكن ما أعجبه هو التحليل النفسي في أدب الروائي الروسي العظيم. لم يُعجب ماركس وأنجلز ببلزاك إلا بقدر اهتمامهم بفهم الطبقات الشعبية التي يذكرها في رواياته.

حتى فرويد لم يكن يهتم بمسرحيات شكسبير إلا باعتبارها حالة شارحة لمريض نفسي. وقبل هؤلاء الفلاسفة بعدة قرون لم يُعجب أفلاطون بأشعار هوميروس. كان يقتطع ما يريد من هذا الأدب، وحرفيًا يطالب برمي الباقي كأنه لم يكن له أي وجود.

3/ رواية المزحة لكونديرا:

هناك مشهد في رواية المزحة لكونديرا يتحدث فيه عن سباق جري “بريد” يجري بين الجنود والمعتقلين وبين ضباط الصف.

وفي لحظة غضب يقرر لودڤيك – بطل الرواية وأحد المعتقلين – إفشال السباق فيقترح على زملائه “أن نركض جميعًا بتباطؤ” حيث انتشرت الفكرة بين المعتقلين والجنود فورًا “وسرعان ما ارتفعت موجة من الضحك الهازئ بين الجنود المنهكين”.

هذه هي طريقة كونديرا المعتادة في مواجهة جدية الحياة التي يراها لا تُحتمل، وبهذه الطريقة فقط – السخرية – سيكون من الممكن إيجاد مقبولية لمعنى الحياة بحسب فهم كونديرا له، يقول على لسان لودڤيك في المزحة أيضًا وبعد المشهد السابق “كنا أخيرًا مستعدين لمسابقة بلا معنى تمامًا”.

كانوا يضحكون وهم يركضون حتى وإن كلفهم ذلك عقوبة تتناسب تمامًا مع اللامعنى العام الذي يحيط بهم.ليس هذا المشهد هو مشهد مفرد في روايات كونديرا، ففي قصة ادورد والرب هناك مشهد مشابه عن مواجهة الحياة الجادة بالتهكم فلا ينبغي لأحد أن يتناقش بجدية مع مجنون يدعي أنه سمكة.

لكن الخلاصة تتمثل في هذا الجملة من رواية “كائن لا تحتمل خفته” عندما يقول توماس لتيريزا “تيريزا.. إن ما تقولينه شيء تافه، لا رسالة لي. ولا أحد يملك رسالة، إنها لتعزية لا تُقدّر بأن نشعر أننا أحرار وأننا لا رسالة لنا”.

سخرية وتهكم، الاستغناء عن الجدال الجاد مع العالم المجنون، والتخلي عن هوس حمل رسالة ما، هذه هي طريقة كونديرا في فهم الحياة بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معها.

4/ سنان أنطون وروايته وحدها شجرة الرمان:

اعتمدت على تتبع مشاهد الرواية التي يكثر فيها “الوصف” الذي بلا معنى، ومحاولة عزلها، وبيان نسبتها بالمئة من عدد الصفحات الكلي للرواية، لأنها زائدة عن الحاجة “حسب ظني”.

أول وصف ظننته “مزعج وبديع” في الوقت نفسه – مزعج لأني رأيت أنه وصف للوصف فقط، وبديع لأن سنان جَرَد كأمين مخزن دقيق كل شي في مكان عمل والده – هو الوصف الذي يبتدئ من صفحة 23 “كنت ككل الأطفال، شديد الفضول، وألحّ على أبي بالسؤال عن تفاصيل عمله”

بعد هذا السطر بفقرة يبدأ سنان بسرد أسرار عمل الأب “المغسلجي” وتفاصيل مكانه على طول 10 صفحات، وصف لكل شيء، المكان، دكة المغسلة، أماكن المكانس والكافور والقطن والصوابين والتوابيت والأكفان، جسد الرجل المتوفي وطريقة تغسيله وتكفينه بأدق أدق التفاصيل.

انتبهوا على هذين المشهدين لأني سأربطهما مع مشاهد ثانية.

“ثم شمرّ عن ساعديه وفتح حنفية الماء وأخذ يصوبن يديه وذراعيه حتى المرفقين ثم غسلهما بالماء وكرر ذلك مرتين اخريين، وبينما كان يجفف يديه.. ” “كان أبي يغسل براحته المفتوحة بنعومة، بعدها أعاد الميت على ظهره ودار أبي إلى الجانب الآخر وقلباه على الجانب المعاكس لغسل الجانب الأيسر”.

اعتقادي عن فكرة “الوصف لمجرد الوصف” يتبدد عند الاستمرار بالرواية، ففي صفحة 74 وحتى الصفحة 80 يصف سنان المشهد الجنسي بين جواد وريم، يبدأه طبعا بوصف مكان بيت ريم كما وصف مكان عمل والده، المطبخ غرفة الطعام ومائدتها وكراسيها، الحائط والكاشي، وحتى والحمام، لاحظوا معي هذا المشهد:

“جاءت تحمل منشفة بيضاء ومدت يدها نحوي قائلة:

تفضل.

قلت لها:

أريد أغسّلج إيدج.

فضحكت متفاجئة وقالت:

شنو؟ ليش؟”

يستمر المشهد “أمسكت يديها ووضعتهما تحت الماء وبللتهما. لم تقل شيئا، ثم أخذت الصابونة وفركتها بيدي وصوبنت يدها اليمنى بعناية، ثم وضعت كل أصبع بين إبهامي وسبابتي وصوبنته، كررت ذلك مع يدها اليسرى، بللتهما بالماء وأغلقت الصنبور، كانت تنظر إلي طول الوقت.أخذت المنشفة وفتحتها وأمسكت بيديها لأجففهما.

سنان يجعل “جواد” بطل الرواية يغسّل ريم، كما غسّل والده الرجل الميت. طبعا ما يؤكد كلامي هو النص الموجود في أول الرواية ص 8 عندما تقول ريم لجواد “في حلمه”:

“لا تبوسني؛ غسّلني الأول حتى نكون سوية”بين مشهد “المغسلجي وتكفين الميت” ومشهد “بيت ريم والعلاقة معها” تشابه كبير جدا، ربما هي ثنائية الموت والحياة التي تعيش في داخل جواد بطل الرواية.

0 تعليقات

    أترك تعليق