تحليلات روائية (ج14). وليد غالب.


في هته المقالة سنقدم تحليلات ومراجعات روائية لثلاثة روايات وهي كالتالي: 1/ رواية “عالم جديد شجاع” لـ ألدوس هكسلي, 2/ فؤاد التكرلي ورواية الرجع البعيد, 3/ رواية خمسة أصوات لغائب طعمة فرمان. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ رواية “عالم جديد شجاع” لـ ألدوس هكسلي:

“ببطء شديد تحولت القدمان كذراعي بوصلة متمهلتين، جهة اليمين.. فالشمال، فالشمال الشرقي فالشرق، فالجنوب الشرقي فالجنوب، فالجنوب الغربي، ثم توقفتا لتعاودا الرحلة العكسية المتمهلة بعد عدة ثوان نحو اليسار، إلى الجنوب فالجنوب الغربي، فالجنوب الشرقي فالشرق”.

آخر مشهد من رواية “عالم جديد شجاع” لـ ألدوس هكسلي.هل هناك مشهد لتحكم “العلم والتقنية” في حياة البشر أكثر قهرا من هذا النص؟! بعد سنوات طويلة بالتحديد عام 1976 يكتب الروائي الروسي اسحق عظيموف قصة مختلفة عن رواية هكسلي، ضمن مجموعة قصصية تحولت فيما بعد لفيلم سينمائي، تتحدث عن إنسان آلي مختلف “نوعا ما” في زمن تنتشر فيه الروبوتات لخدمة السيد “الإنسان”.

فيلم رجل المائتي عام:

يقوم ريتشارد مارتن – الممثل سام نيل – بأخذ الإنسان الآلي أندرو – العظيم الراحل روبن ويليامز – لورشة الروبوتات ويخبرهم أن أندرو يختلف عن بقية الروبوتات.- لماذا يختلف؟!

– لأنه “يشعر”ويبدو من خلال الفيلم أن هذه “المشاعر” هي نتيجة خلل تقني في الروبوت ولا يمكن إصلاحه. في الفيلم أيضا، نكتشف أن أندرو لا يمتلك مشاعرًا فقط، بل يبحث عن حريته ويُحب.

عمليا هل تستطيع التقنية والعلم أن تُميت مشاعرنا، ومن أقرب لواقعنا؛ رواية هكسلي أم إن “رجل المائتي عام” له رأي مختلف؟!

***في أعوام كتابة رواية “عالم شجاع جديد” كان تخيّل التقدم العلمي والتقني سهلا جدا، لكنه خيال مليء بالسوداوية، بسبب أن “الآلة” كان متوقعا لها أن تأخذ “محل” الإنسان.

فكل آلة تظهر للعمل، تعني مزيدا من “البطالة” وتعني مزيدا من الفقر والجوع.قسطنين جورجيو ينقل لنا أنطباعه عن هذا الموضوع في روايته الساعة الخامسة والعشرون؛ يقول على لسان أحد أبطاله:

“إننا سنتخلى عن إنسانيتنا ونعتنق اسلوب الحياة المُطبق على عبيدنا التقنيين، وستكون دلالة هذا التخلي عن الإنسانية، احتقار الكائن البشري.

فالرجل العصري يعرف أنه هو وزملاؤه من بني الإنسان ليسوا أكثر من عناصر يمكن استبدالها، والمجتمع الحديث الذي يتضمن إنسانا واحدا مقابل كل ثلاثين عبدا تقنيا، ينبغي أن يُنظم وأن يعمل حسب النظم التقنية، لأنه مجتمع صُنع على احتياجات ميكانيكية وليست إنسانية. وهنا تبدأ الفاجعة”.

هل فعلا التقنية والعلم هما سبب في تعاسة المجتمع الإنساني أم هي سبب في تقدمه الأخلاقي؟!

واقع الحال يقول أن الأخلاق الإنسانية من عدمها، ليست مرتبطة بـ “العلم والتقنية”، فمثلا أثناء الحرب العالمية الثانية قتل أكثر من 60 مليون إنسان ساهمت العلوم في تقديمهم كضحايا بشكل كبير.في المقابل فإن المجتمعات المتخلفة فيما لو امتلكت السلاح، فإنها لن تكون أقل وحشية من أي مجتمع متقدم تقنيا؛ والمجتمعان التقني والمتخلف يبحثان عن تحقيق “المصالح” سواء بالعلم أو بالتخلف.

وحتى بدون سلاح فإن هذه المجتمعات “المتخلفة أو المتطورة” هي قمة في القسوة بالنسبة في تعاملها مع الآخر في كسب المصالح.يتحدث باتريك زوسكند في رواية “العطر” عن القرن الثامن عشر، الذي يبدو أنه الأكثر تخلفا في فرنسا “في العصر الذي نتحدث عنه هيمنت على المدن رائحة نتنة لا يمكن لإنسان من عصرنا الحديث تصور مدى كراهتها.

كانت الروائح الكريهة تفوح من الأنهار والساحات، من الكنائس ومن تحت الجسور ومن القصور، كانت رائحة الفلاح كريهة كرائحة القس ورائحة الحرفي المتدرب كرائحة زوجة المعلم، كانت طبقة النبلاء تنضح برائحة كريهة، بما فيها الملك نفسه الذي كانت تفوح منه رائحة حيوان مفترس”.

زوسكند يرينا في الرواية حجم التخلف والتوحش في المجتمع الفرنسي الذي يعبر عنه بـ “نتانة الرائحة”. لكن باتيست غرونوي ابن هذا المجتمع المتخلف، حتى بعد أن تعلّم وتطور وتدرب وتعلم أصبح قاتلا محترفا متلذذا “بتقطير” ضحاياه. فما الذي تغّير إذن! في الحقيقة لا شيء.

رواية “عالم جديد شجاع” لم تتحقق نبوءتها بشكل كامل، وأزعم أن أي رواية سوداوية “تقنية” لم تحقق النبوءة، فـ “القسوة أو مسخ الإنسان” كما يبدو ليست نتيجة للتقنية أو العلم.

2/ فؤاد التكرلي ورواية الرجع البعيد:

شخصيات سوداوية:

اختار التكرلي – تقريبا – فترة منتصف العام 1962 إلى شباط 1963 زمناً لروايته، ويبدو أن على أساس الوضع المضطرب هذا، جاءت شخصياته مضطربة مترددة وغالبا بائسة. أظهر التكرلي سوداوية ويأس أبطاله – مدحت وحسين وكريم – من خلال مستويين:

الأول – المحلي:

متأثراً بالوضع السياسي للبلد “مدحت عبد الرزاق الحاج إسماعيل، عراقي بغدادي من محلة باب الشيخ أبا عن جد، حقوقي موظف منذ خمس سنوات، لا يملك نقوداً ولا بيتاً ولا مستقبلاً معيناً.. ص 399”.جملة “منذ خمس سنين” تشير إلى العام 1958 وقت “الثورة / الإنقلاب” على الملكية في العراق، ولأن الرواية تنتهي في العام 1963 فالمقصود تماما فترة حكم عبد الكريم قاسم كاملة.

الثاني – العالمي:

وهو فكري – الأرسخ بحسب اعتقادي – كفكرة جدوى الحياة وماهيّة الإنسان، وبهذه الفكرة حاول التكرلي أن يخرج من محلّية روايته ومشاكل مجتمعه لقضايا إنسانية كبرى “ألم يكن الوقت يتهيأ لبعضهم لكي يدركوا أنهم يدخلون ضمن لعبة مميتة وأنهم على وشك أن يمارسوا عملية تقتيل جماعية حيوانية ليسوا هم آخر ضحاياها … وعبثا حينئد تختار السلام، مثل ذلك الهندي المسلم يريهم عروته ليثبت لهم أنه منهم وأنه اختار ألا يحارب اخوته في الدين.. ص 421”.

الأمر الوحيد الذي يجعل شخصية مدحت تختلف عن حسين وكريم هو أنه كان كارها للمجتمع “شوف حسين آني ما أريد هلمجتمع الوسخ، ما أريد انتمي اله.. ص 147”.

هذا الأمر – السوداوية على مستويين – كرره التكرلي مع عبد الكريم الأخ الأصغر لمدحت، نقرأ:

الأول – المحلي:

من خلال حلم كريم بضابط الشرطة الدكتاتوري الذي يشير بيده إشارة النازية، في إشارة لدكتاتورية الحكم حينها. وأيضا قوله “أن تملك بيتا.. وسيارة.. مع إمرأة.. ياللطريق الطويل.. ص202”.

الثاني – العالمي:

في كلام كريم مع ذاته عن حقيقة مرضه “أما إذا كان نتيجة لحالة نفسية أو صدى لفكرة استحواذية، فإن النجاح في علاجه سيكون أمراً مشكوكاً فيه.. ص 28”.

لكن التكرلي لا يخبرنا ماهي هذه “الفكرة الاستحواذية” التي تسيطر على كريم بشكل مباشر، ونكتشف من خلال الرواية أنها الضياع الإنساني. وأيضا تكرر الأمر مع حسين – أعني مستويات السوداوية –

الأول – المحلي:

طرد حسين من عمله في الكويت، بعد محاولة عبد الكريم قاسم ضمها للعراق.

الثاني – العالمي:

ضياع حسين فكريا فهو “كمن يركض وراء خيال، شيء لا يُمسك ولا يُرى … لأن مدا اقدر أثبت شي ولا دا أعرف منين أبدأ.. ص 108”.

لكني أميل للاعتقاد أن السوداوية الفكرية في “الرجع البعيد” أرسخ وأعمق من السوداوية التي تتكون بسبب ظلم السلطة الحاكمة، لأن السوداوية واليأس لا يمكن أن تكون راسخة في شخصية الإنسان المثقف خلال أشهر أو سنة وسنتين.

وبالعادة يُصاب بهذا السواد والكآبة واليأس المشتغلون بالسياسة الذين كانوا يتأملون نجاح ثورتهم وتحقيق أهدافها فتصيبهم الخيبة عندما تنحرف “الثورة”، وطبعا لا شيء يدل على توجهات سياسية للشخصيات الرئيسية في الرجع البعيد بدليل وقوفهم موقف المتفرج المُنتظر في المشاهد الخاصة بنهاية عبد الكريم قاسم.

ملاحظة ثانية: في صفحة 137 يتحدث مدحت في حوار مع نفسه “أربعمئة دينار في البنك، ودفتر شيكات ووظيفة في الدولة وسبع وعشرون سنة”.

الروائي هنا، يخبرنا أن مدحت مرتاح مادياً وأنه في أول العمر ولديه مؤهلات الرفاهية، لكنه – أي التكرلي – في صفحة 339 يجعل مدحت يتحدث عن نفسه بشكل مغاير “حقوقي موظف منذ خمس سنوات، لا يملك نقوداً ولا بيتاً ولا مستقبلاً معيناً”..

التناقض بين النصوص:

هناك تناقض واضح بين النصّين، فهل من المنطقي أن يمتلك موظفاً في بداية حياته الوظيفية بيتاً تمليك من وظيفته! أيضا فإن فترة الستينات في العراق برغم تقلباتها السياسية إلا أن الدينار فيها كان قوياً جداً، وفرص العيش الجيد بالنسبة للموظف صاحب الشهادة العالية جيدة جداً أيضاً.

النساء في الرواية الرجع البعيد:

أجيال مختلفة من النساء، صوّرهن التكرلي بشكل جيد ومقبول، وجعلهنّ أقوى من الرجال المنهارون، فمديحة المرأة الموظفة التي تركها زوجها مع طفلتين، تعمل وتعود للبيت للطبخ والتنظيف، صحيح إنها تشتكي لكنها صامدة معتمدة على نفسها.

الأمر نفسه ينطبق على الشخصية الرئيسة في الرواية منيرة، فهي برغم انكسارها وتعرضها للاغتصاب وترك زوجها لها، تبقى مصرّة على مواصلة الحياة، فنجدها برغم الألم تقول لكريم “ما عندي استعداد للموت إذا تقصد هذا الشي.. ص473”.

لكن هذا لا يعني أبدا عدم وجود السوداوية في الشخصيتين – مديحة ومنيرة – لكن سوداويتهنّ لم تكن نتيجة ضغط سياسي أو فكري، إنما هي بسبب ظلم المجتمع والرجال بالخصوص.

‏*** ‏موقف غير مُبرر ‏بعد اكتشاف مدحت عدم عذرية زوجته منيرة في ليلة زواجهما، وتركه لها وهروبه من بيت أهله، افتقدتُ تصرفاً منطقياً، وهو أن يجعل الروائي أهل مدحت يسألون منيرة عما جرى لمدحت.

‏التكرلي لم يجعل أي شخص من أهل مدحت يسأل منيرة عن السبب الذي يجعل زوجها يهرب من البيت بعد ليلة زواجه مباشرة ولا يعود لأيام. بل إنه لم يجعل حسين حينما اختبئ عنده مدحت يسأل: لماذا تركت زوجتك وجئت عندي؟! وهذا موقف غير منطقي يجعلني أشك باحتكاك التكرلي بواقع المجتمع العراقي.

لكن بعض النقّاد يبررون هذا الموقف، باعتبار أن منيرة هي رمز للعراق أو لثورة شباط 1963، وهذا تأويل غير مُقنع، بدليل أن منيرة في آخر الرواية تقول “آني أعرف هسه حقيقتكم، جبناء. ما تعرفون منو يحتاج مساعدة ومنو المخلص ومنو السيء الحظ والدنيا واقعة به.. جبناء أغبياء.. ص 476”

فهل من المنطقي أن يشتم العراق أو الثورة جماهيرهم؟! ‏*

صورة لعبد الكريم قاسم:

قد يبدو التكرلي بعيداً جداً عن السياسة، لكنه في واقع الحال – في الرجع البعيد – كان بالضد تماما من عبد الكريم قاسم بصورتين، الأولى عامّة من خلال إبراز ضياع أبطال روايته لأسباب إقتصادية، والثانية بكلام مباشر من أغلب شخصيات الرواية، ويمكن ملاحظة الآتي:

‏العمّة: “هاي المگموعة دتغني على زعيمها المخبل بالتلفزيون.. ص 19”.

‏مديحة: “هو هذا تلفزيون لو صخام ولطام، لو أناشيد وخُطب، لو ماكو شي.. ص 20”.

‏الجدّة: “صايرة المهداوي على راسي.. ص 56”.

‏الأب: “أربع سنين شنو إبني؟ هذا حساب غلط، انت احسب كم سنة بقت اله، كم شهر، يمكن كم يوم، وعلى هلمقياس ممكن تعرف شلون جهنم عايش بيها.. ص75”

عدنان متحدثا عن مكان الدب: “هناك.. في باب المعظم.. ص 126”

يقصد بالدب عبد الكريم قاسم. ‏إلا إن أهم جملة بالضد من عبد الكريم قاسم هي الجملة التي قالها حسين لمدحت “هاي هي الثورة الي ننتظرها كليتنا.. ص 396”.

التكرلي وشخصيات روايته:

التكرلي جعل أغلب شخصيات روايته تشتم وتقف بالضد من عبد الكريم قاسم، مع إن الواقع يقول إن لقاسم محبين كُثر، الأغرب أن التكرلي حينما كتب رواية اللاسؤال واللاجواب التي تتحدث عن الحصار الاقتصادي في التسعينيات، لم يسم المسؤولين عن ضياع الشعب العراقي – بشكل مباشر – من خلال شخصياته كما فعل في الرجع البعيد.

وكان أقوى مشهد لإدانة السلطة عنده هو “كانوا يشكون مرّ الشكوى من أولئك المتسلطين على رقاب العراقيين الذين يشربون أرقى أنواع الويسكي في حين يسقط الأطفال مرضى الجوع ونقص التغذية.

تجنّبوا ذكر الأسماء.. ص58″.شخصياً، اعتقد أن الأستاذ التكرلي، مهندس للرواية وأكثر روائي عراقي يراعي التقنيات الروائية ويضع أغلب جهده فيها – أعني التقنية – بإتقان، لكنه غالبا ما يعيد استخدام شخصيات قصصه ويحولها لروايات.

3/ رواية خمسة أصوات لغائب طعمة فرمان:

“اُعامل التاريخ بأكبر اقتصاد ممكن”ميلان كونديرا

الجانب السياسي في رواية خمسة أصوات:

لا أكون مخطئاً فيما لو اعتقدت أن رواية خمسة أصوات التي تتحدث عن عراق العام 1954 – كُتبت في العام 1967 – تتطابق بشكل كبير مع الواقع السياسي العراقي الحالي، حتى فيما يخص قضية نهر دجلة، لكن مع فارق الفيضان والجفاف.

في الرواية نجد سيطرة أميركا الكبيرة على العراق “بغداد كلها الآن مباحة للأمريكيين.. ص 171”.ويقول إبراهيم متحدثاً عن سعيد “دعاه الجيش الأميركي لمشاهدة بغداد الغريقة من الجو.. ص 155″، ويؤكد فرمان على لسان سعيد هذه السيطرة، فيشرح فكرة سعيد عن سؤال “لماذا جعله الأميركان يشاهد بغداد من الجو”، يقول:

“ربما قصد الأميركيون إلى أن يرونا ذلك، وكأنهم يقولون لنا: أنظروا! هذه عاصمتكم، ما أوهنها وأقبحها منظراً من الجو، بهذه الجبهة الواهية من التخلف والعجز تريديون أن تثوروا على الأحلاف واتفاقية الأمن المتبادل؟ وتسخرون من النقطة الرابعة؟.. ص170”.

أما المشروع الذي كان يسخر منه العراقيون – النقطة الرابعة – فهو مشروع أعدته أميركا لمساعدة الدول النامية، لكنه في حقيقة الأمر كان مشروعاً لتقوية المعسكر الغربي مقابل المعسكر الروسي، وكان أبرز مؤيدي مشروع النقطة الرابعة في العراق، نوري السعيد.

زمن الرواية في رواية خمسة أصوات:

التشابه بين الزمنين – زمن الرواية والزمن الحالي – نجده أيضا في قضية الانتخابات “وحين حفلت الجريدة بالحركة، وأخذ الناس يتناقشون:

نقاطع أم نخوض.. ص 318″.

نلاحظ هنا انشغال الناس وانقسامهم، بين مقاطع للانتخابات ومروّج لها. كوكاكولا:في صفحة 201 يرسم فرمان مشهداً بين إبراهيم وسعيد مع بائع مرطبات “لكنهم لم يشربوا تمرهند، لأن بائع المرطبات قال:

شربت تمرهند راح وقته، جاء زمن الكوكاكولا”..ومن الممكن اعتبار الكوكاكولا – المُنتج الأميركي – هو تعبير عن سيطرة أميركا أيضا، فبعد أن يشرب إبراهيم الكوكاكولا، يشعر بوخز في انفه يُذكّره بماضي قريب “كانت لاذعة حقاً ببرودتها وطعمها، عندما وخزت أنف إبراهيم تذكر ذلك الموقف الذي وقفه من قبل، وقفه في غرفة صغيرة انعقدت فيها المحكمة العسكرية في معسكر الوشاش لتحاكمه أيام نور الدين محمود… ص 202”.

ولغرض تحليل هذا المشهد، يجب أولاً أن نعرف من هو نور الدين محمود؟ يورد التاريخ أن الضابط نور الدين محمود قد كُلف بتشكيل وزارة في العام 1952 وكان فيها – بالإضافة لمنصبه رئيسا للوزراء – وزيراً للداخلية والدفاع. تكليفه جاء من قبل الوصي عبد الإله بعد الثورة الطلابية التي كانت أهم مطالبها قيام الجمهورية – بحسب بعض المصادر – وتغيير الدستور وقانون الإنتخابات، أعلن نور الدين محمود الإحكام العرفية، وغلق الأحزاب السياسية، وعطّل الصحف.

كانت من شعارات المتظاهرين “أيها المستعمرون الانكليز والأمريكان ارحلوا عن بلادنا”. ويقال أن المتظاهرين رفعوا صورة نوري السعيد من مقر حزبه، ووضعوها أمام المبغى العام! الربط الذكي باستخدام إشارة “الكوكاكولا” الذي استخدمه فرمان باستعادة ذكريات إبراهيم عن طريق “وخز الكوكاكولا” سيخبرنا لاحقاً أن أيام نور الدين محمود ستعود مرة اخرى في العام 1954 حيث أغلقت الصحف وتمت ملاحقة السياسيين، ولم تكن نتائج الانتخابات التي أجريت إلا لخدمة الوصي ونوري باشا السعيد.

وتم ضرب وإقصاء أغلب القوى المعارضة، وهذا ما تنتهي إليه الرواية فنجد كل الشخصيات الخمسة، تنطبق عليهم افتتاحية الرواية “تقاذفته الأزقة مثل أرجل أخطبوط هائل.. ص7”.

طعام آسنمن الممكن أيضا، ملاحظة الإشارات السياسية في رواية خمسة أصوات من النص المروي على لسان شخصية عبد الخالق – الشخص الوحيد الذي يتحدث في السياسة – يقول في ص 63 “سار بدبدبة بمحاذاة قاعة الملك فيصل، ووزارة الدفاع، هاجمته رائحة طعام آسن منبعثة من مطعم قذر، تخلص منها بالسير وسط الشارع”.

فرمان في هذا النص، لم يحدد مكان المطعم القذر الذي كانت رائحته “تهاجم” المواطن عبد الخالق، لكنه ربط هذه الرائحة بالاقتراب من قاعة الملك ووزارة الدفاع، كأنه يوحي بفساد ما سمّي لاحقا بـ “المطبخ السياسي” لأن أغلب الصفقات كانت تتم بالاتفاق بين الوصي – مثّلَه فرمان بقاعة الملك – وبين وزارة الدفاع.

حالات اقتصادية:

كباب لم يهمل فرمان الجانب الاقتصادي في روايته الرائعة خمسة أصوات، لكنه كان كما يفعل كونديرا “يعامل التاريخ بأكبر اقتصاد ممكن” نجد في صفحة 141 “تناول قطعة كباب من المقلاة السوداء، الموضوعة على الموقد قرب أبريق الشاي، مضغها وأحس بها قوية مالحة، دفع بقية القطعة في فمه ليحرر يده ويصب لنفسه قدح شاي، مفكراً:

كباب ثلاثة أرباعه طحين، ولا تهضمه المعدة إلا مع الشاي”. فرمان عامل تذوق الكباب بنفس أسلوبه مع الكوكاكولا، نجد في الصفحة نفسها “وخطر بباله أنه تناول مثل هذا الكباب في مكان ما… ص141” لكن القارئ يجد أن هذا الـ “مكان ما” لم يكن سوى مقبرة “حاول أن يتذكر لماذا كان هناك، ولم يتذكر، لكنه تذكر المقبرة”.

هذا الكباب شبه الخالي من اللحم المخلوط بطحين سيء والذي ذكّر سعيد بالمقبرة، فيه إشارة واضحة على سوء الأوضاع الاقتصادية للمواطنين في عراق العام 1954.

0 تعليقات

    أترك تعليق