تحليلات روائية(ج11). Khaled Abubaker.


في هته المقالة سنقدم تحليلات ومراجعات لخمسة روايات هي كالتالي: رواية هكذا كانت الوحدة للروائي خوان خوسيه مياس, 2/ رواية بيوغرافيا الجوع للروائية اميلي نوثومب, 3/ رواية جوهرتان في أكفان الموتى للروائي مبارك أحمد, 4/ رواية الفراغ العريض للروائية ملكة الدار محمد, 5/ رواية سارق العمامة للروائي شهيد الحلفي. نتمنى لكم مطالعة ممتعة.

1/ رواية هكذا كانت الوحدة للروائي خوان خوسيه مياس:

الروائي خوان خوسيه مياس.

الاسلوب الروائي في رواية هكذا كانت الوحدة:

اعتبر اسلوب التقارير في رواية هكذا كانت الوحدة للروائي خوان خوسيه الذي يبعثها المحقق لايلينا -الذي لم يعرف انها من استأجرته- عن زوجها وبعد اكتشافها الاثارة التي وجدتها عندما تناولها هي وهو يحكي عنها، يبين شعورها بالوحدة خصوصا عندما طلبت ان يكون ذاتياً في تقريره اي يقص هو بذاته مُعملاً رأيه عن ماهية هذه الحركات وتلك الافعال التي يراها.

بدا لي انها طريقة تقنية لكتابة الرواية او القصة، فكأنما الرواي خوان يعلم الروائيين عنصر اخر في الكتابة الروائية غير الوصف الحركي ، الجسدي، للشخوص، فهو هنا يرى ان يكون الكاتب ذاتياً اي أنه بالاضافة للتصاعد الدرامي والتتبع الحركي للشخوص والوصف لهم ان يُتبع بكتابة ماهية هذا الوصف الشكلاني الخارجي، انه بحث عن معنى الفعل السردي.

إنه شئ يؤثر في عقلية القارئ كما أثر في عقلية ايلينا حيث عرفت نفسها عن طريق شخص آخر، أجد الامر مثيراً ومشفقاً في آن واحد ان تطلب من المحقق ترك زوجها وتتبعها هي والغوص ذاتياً فيها حتى تعرف نفسها ، انه معبرٌ عن شعور عن الوحدة.

انها بطريقة ما تستمتع بأن يكون هناك متتبع لها، له رأي فيها ، طريقة للبحث عن الاهتمام حتى تنفذ من خشيتها في التحول الى أمها الوحيدة، فترتبط رواية التحول لكافكا هنا حيث تتحول ايلينا الى امها عبر ذات الكتلة المرضية التي تأتيها، انقطاع صلاتها الاجتماعية، بابنتها، زوجها.

بطلت رواية هكذا كانت الوحدة:

في الجزء الثاني من الرواية نتعرف أكثر على بطلة الرواية إيلينا من خلال يومياتها بحيث استنسخت الفكرة من خلال يوميات أمها ، لقد كانت حاجتها لليوميات حتى تقبض على وجود ايامها الماضية.

اذ يعتبر التدوين في هذه الاشارة هو تثبيت للوجود الذاتي خصوصا لو كانت يوميات ، فهنا الكتابة تمثل رفقة جميلة كرد فعلٍ للوحدة التي كانت تشعر بها بطلة الرواية.

ويظهر ذلك جلياً في حكايتها مع سائق الاجرة الذي فقد ذاكرته الخاصة عن نفسه، فهي هنا تعبر عن فقدان ذاتها من خلال فقدان ذاكرتها عن نفسها ، فقدان وجود ايامها الماضية، فالثرثرة/الكتابة تعتبر افضل اداة لتمتين الذات في الوجود البشري.

هنا يتدخل اخيها حيث يقترح ان سبب الوحدة هو التفكير في نفسها كثيراً وهذا الفراغ الذي تمتلكه، فعليها التفكير فيمن حولها من الاشياء والناس.

يقرأ حوارها مع اخيها في المجال النفسي فالشعور بالوحدة الذي ينتج فقدانها بقيمة الاشياء ينتج عن الفراغ، الذي يحيل الى التوغل في الذات وطرح اسئلة وجودية عن ماهية حياتها وقيمتها في الحياة، فالحياة كما قالت ايلينا يوجد في النسيج العائلي ، اي رؤية ما حولنا من الاشياء والعالم وتوصيل الصلات الاجتماعية لتفادي الشعور الفقدان بالقيمة في الحياة.

جاء القول الفائق من الصدمة لإيلينا التي كانت تظن انها وحيدة ، ووحدتها كانت جحيماً، فعندما شكت لزوجها هذا كان رده صادماً لشعورها ، كان عبارة عن خيط يخرجها من هذا الشعور ، فكلنا نحيا في جحيم ما ، وعلينا ان نختار جحيمنا الخاص.

هذا الرد يرسم شخصية زوجها حيث كان متماهي مع ذاته، لايهتم بالاسئلة الوجودية ويرى بساطة الحياة، عكس زوجته ايلينا.

فهذا الرد كان بمثابة نهاية لعقدة الوحدة التي تشعر بها بطلة الرواية، كان بمثابة حلٍ من الرواي على لسان احدى شخصياته، حيث ان الاختيار للحياة /الجحيم الخاص بنا هو ما يفرقُ، وان كان من ذلك لما نصنع من انفسنا شيئا ما، قيمة ما حتى لو كانت عبر منظور آخر كما هو منظور المحقق الذي كان بمثابة البحث عن الاهتمام/ تسليط الضوء على التغييرات التي عزمت اجراءها.

الروائي خوان خوسيه مياس والتوغل في مفهوم الوحدة:

اخيرا اقول ان الروائي خوان خوسيه مياس توغل جيدا في مفهوم الوحدة مستخدما ذات الهيكل من رواية التحول، فهنا هو تحول ابنة لذات امها في تفاصيل وحدتها، مرضها، كتابة اليوميات، لكنها نجت من هذا التحول/الوحدة في نهاية المطاف بادراك مفهوم ان تختار حياتها/جحيمها.

تتميز الرواية بالسرد التفصيلي والسرد الجواني لشخصيته الرئيسية وتنوع الاساليب فهناك تقارير المحقق فقد كانت ذا دلالة لنتعرف على شخصية الزوج وشخصية البطلة من عين اخرى، ايضا الحوار بين المحقق وبطلة الرواية كان مدخلا جيدا لكتابة الرواية/القصة.

فكما يفعل الرواي هنا يستخدم الذاتي ويبرز ماهية السلوك والافعال لشخوصه ويتمحور حول موضوع الوحدة فقد بحث في الاسباب وتعمق بأثر هذا الشعور في النفس، مع مقاطع تصويرية عن حياة البطلة واراء الشخصيات التي حولها كالابنة/الاخ/الزوج/المحقق وهو الوحيد الذي تعاطف معها.

ولا انسي الفكرة المثيرة التي القاها الراوي وهي ان تجهل احد ما يتحقق من حياتك ، بل يعبر عن رأيه فيك، فهو اكتشاف للذات نن زاوية اخرى.واهم ما يقال هو كيف تمكن الراوي الذكر من استخدام صوت الأنثى في روايته، كيف استطاع التسلل لجوانيات الانثى ليكشف هذا الشعور اي الوحدة.؟هنا تكمن البراعة على ما اعتقد.

2/ رواية بيوغرافيا الجوع للروائية اميلي نوثومب:

الروائية اميلي نوثومب.

ترتكز رواية بيوغرافيا الجوع للروائية اميلي نوثومب على هاتين الصفحتين إذ تتخذ حالة فانواتو في اللاجوع كمدخل للرواية التي هي سيرة ذاتية للكاتبة وهي ابنة سفير ، سيرة طالت بين اليابان- نيويورك- الصين- بنغلاديش.فحالة الرخاء تولد اللانتاج اي اللامبالاة وعدم السعي، اذ ان السعي في الحياة هو مربط الفرس، سعىٌ يجعل للحياة قيمة معنوية في نفس الانسان.

ايضا يوؤل الجوع هنا الى حالة القلق، القلق الذي يؤدي الى الاكتشاف والمعرفة، للحد من هذا الجوع.تلك هي المعاني التي نظرت لها الكاتبة في مدخل روايتها لتضع اطارا نرى من خلاله تحركاتها سلوكها في مختلف تلك المدن.

بيد انه يبدر سؤال كيف لفتاة ان تتذكر ما جرى لها في الخامسة ؟ ربما حُكي لها ماضيها!!

الجوع والسرد في رواية اميلي نوثومب:

تسرد اميلي نوثومب في هذه الرواية الجوع بمناظير مختلفة حيث تربط الجوع عبر مفهومي العبودية والآلوهية، فالجوع كحالة مرغوبة للانسان يجعله الهٌ يستطيع التلذذ بتلك المتعة الناتجة عن الجوع، اي تحكمه في شهوة الاكل.

والعكس كما في حالة أبيها حيث وصفته بالعبد تجاه شهوة الاكل باستمرار، وهو ما يحيل الى الشهوات الاخرى التي هي غريزة في خصيصة الانسان مثل السلطة، تضخيم الذات ، المال وغيرها من الشهوات، اذ ان السماح لها و عدم التحكم بها تجعلنا في مقام العبودية لها، وان التحكم بها والشعور بمتعة الحرمان منها اي تلك اللذة التي تشبه الطهرانية من الالم هو ما يجعلنا آلهة، ذات سمو في حياتنا.

في هذا السرد تناولت الكاتبة جوع اللغة، اي التلهف للكلمات هنا تتلهف الكاتبة المقاطع غير المتصلة ذات الرنة الواحدة، إذ أن اللغة أياً كانت تمتلك في بنيتها ما يكفي لتجعلها شهوة متمكنة في عقلية البعض، يكون الجوع للغة هنا معيارا ليس للعاديين، بل لمن تبحروا وبحثوا وتفكروا فيها، اي ان التلهف للغة لا يمكن حصوله الا بعد معرفة مقدارها ، ومدى سحرها الذي يكمن في جوانبها.

على هذا الاساس اسائل في موضوعية السرد المقتبس والمتحدث عن جوع الفتاة ذات الخامسة عمراً للغة، هل هو شئ منطقي، متى اتيح لها ان تتعرف على اللغة حتى تعبر عن مدى جوعها للغة، ام ان هذا الاسباغ الفلسفي لم يأتِ في لحظتها الزمنية اي عندما كانت في الخامسة، بل جاءها وهي تسترجع هذه الذكريات فأدغمته في السرد كسلوكٍ آني؟

هذه اسئلة تستند على انها سيرة ذاتية في نص روائي،اذ لا يستقيم موضوعاً ان يكون لفتاة في الخامسة في نص روائي كل هذا الوعي الموضوعي لفلسفة الجوع وارتباطه بالعبودية/الالوهية/ اللغة.

يظهر الجوع بتطرفه في التوق الى الموت، اذ انني اقرأ الامر ان المتعة التي كانت ترتجيها بعدما جربت كل شئ حيث تقول انها بلغت السابعة وتعرف كل شئ في هذا العالم وبناءً عليه يجب ان تموت، وهذا يتجلى في محاولتها الانتحار.

فهذا يُقرأ من باب الموت بعد الامتلاء الذي يجعل الحياة دون قيمة اي انه ليس هناك سعيٌ يحتم الانسان ان يعرفه ، او يختبره، وهذا يظهر جلياً في الاغنياء الذين جربوا كل شئ، خاضوا كل متعة ومخاطرة في الحياة، وبعدها ما كان لهم الا الانتحار بعد فقدان قيمة الحياة التي جوهرها كما قلنا متعة الشعي والاكتشاف المرتبط بالجوع والتلهف.

يُمكن قراءة هذا الجوع الى الموت من باب التطرف في الاكتشاف والمعرفة التي تستند الى التجربة، لقد ذكرتني بتوقها توق دكتور هاوس في مسلسل House. M. D حيث في إحدى مشاهده كان لابد ان يجرب لوحده الموتُ ليكتشف هل هناك حياة اخرى ام لا فصعق نفسه بالكهرباء، اذ تُعبر هذه التجربة تطرفاً في المعرفة، التوق الى الاكتشاف المبني على التجربة.

هذه النقطة تحيلني الى دلالة ان الاكتشاف كخاصية نمت في هذه الفتاة بعدما كان هناك امتلاء في جوانب حياتها حيث يوفر لها كل شئ باعتبارها ابنة سفير، ويوفر لها الحب من والديها، مما قاد هذا الامتلاء ان تجرب النقيض منه اي الجوع، اي اللذة المفتقدة في الحرمان، مما حالها الى المعرفة والاكتشاف وهو أحد جوانب المعرفة.

اما الجانب الاخر فنراه في تجربتها التي آلت تجوع نفسها حتى اصبح جسدها نحيلاً، وصلت الى الحد الاقصى من الجوع حيث زال شعور الجوع وبقيت آثاره وهنا وصلت الى النقاء الروحي الذي جعلها تلتهم الكلمات في القواميس ، فهنا جوع الجسد يقود الى التهام في المعرفة.

فهنا تقترب من فلسفة التصوف التي تقتضي بالعزلة والجوع الا من تمرات وماء اربعين يوما، فيصل الانسان الى تنقية الجسد من ملذاته ، مما يحيله الى النقاء الروحي الذي يكشف له المعرفة.

من بين الاسفار التي خاضتها كان هناك اندهاشاً للاطفال في الروضة النيويوركية بأن هناك تلاميذ من جنسيات غير الامريكيين او الفرنسيين، هذه الدهشة منبت التحيز العرقي ، فهو يحيل الى انه ليس هناك من البشر غيرهم وهو ما يحيل في مسارات اخرى ممارسة سلطوية عليهم وتهميشهم، وهو ما يحيلنا الى علاج امبرتو ايكو بأن يعلم الاطفال ان هناك الفاظ اخري لذات الكلمة في لغات اخرى وهو ما يرسخ معنى التعددية ، وان هناك اخرين لهم لغة غير التي نستعملها للتعبير عن ذات المدلولات التي نعبر بها.

تقييم رواية بيوغرافيا الجوع:

أخيراً اقول ان هذه الرواية ممتعةٌ في ترجمتها ، وسردها المختلف، حيث تناولت الكاتبة الجوع كمحركٌ موضوعي غاصت به عدة موضوعات جراء تجربتها الذاتية، فكان سرد يكتشف المهمل من التفكير اي الجوع، فمن كان يمكن ان يفكر في الجوع كارضية سردية تتفرع منه عدة موضوعات ترتبط بالمعرفة والاكتشاف واللذة المرتبطة بالحرمان.

لكنني اعيب التحميل الفلسفي على لسان فتاة صغيرة منذ الخامسة الى الثالثة عشرة ، اذ كان يمكن معالجة الامر عبر رؤية راوي عليم بكل شئ يتسق مع صوت المتكلم للفتاة لأحداثها فيكون الرواي العليم معلقاً بفلسفته على احداث الفتاة التي تحكيها بنفسها، سواء اعتبرنا النص رواية او سيرة ذاتية.

3/ رواية جوهرتان في أكفان الموتى للروائي مبارك أحمد:

رواية جوهرتان في أكفان الموتى.

ربما تقترب رواية جوهرتان في أكفان الموتى للروائي مبارك أحمد عثمان من حكايات ألف ليلة وليلة في جانبٍ من الجوانب, حيث أنها تستلف ذات اللغة البيانية في السرد والحوارات وشئ من الهيكل المحبوك للقصة, حيث حبٍ يضاده عنصرية وتحل المعادلة عبر الإيمان حيث يقول له الشاب الامين( يطأ العنصريون رقابنا بأقدامنا ويأبى تعظيمنا للقرآن الكريم إلا أن يرفع مقامنا قدراً…).

إذن يجد الكاتب أن التخلق الحسن بالاخلاق الفاضلة والتسامح والعفو هو الوسيلة للنفاذ الى قلوب تتعنصر تجاه قبيلة معينة.

شخصية البطل في رواية جوهرتان في أكفان الموتى:

حقيقة أجد شخصية البطل بها شئ من المثالية للغاية فهو ريفي ومتخلق بخلق حسن، وعاشق نموذجي ، وأديب أريب، معتز بذاته، يحفظ من القرآن ويرد الاساءة بالحسن متسامحاً حيث يزور عادل بعدما اصيب ذاك الشيوعي الذي تصيده اثناء “كوماجات السياسيين ليلقنه درساً لأنه أبعده من الفتاة سلوى، وبذلك يرد على الضرب والغدر بالزيارة والعفو عن غدره.

عندما إنتهيت من قراءة الرواية قلت:

إنه المسيح لا يمكن أن يكون هناك سوداني بكل هذا التخلق الفاضل ، هذا التسامح.من أوجه التشابه بين الرواية وألف ليلة وليلة هذا التناظر الأدبي بين بطلي الرواية الحبيبيين بيلو وسلوى، إذ يمكن فهم ان يكون ل سلوى هذا الكم الأدبي بنشأتها في قطر وأمٍ أديبة استاذة جامعية تشارك في المنتديات الأدبية، لكن كيف يمكن ان يتحصل على هذه القدرة الأدبية وهو في السنة الأولى لكلية الآداب؟

قصة الرواية:

القصة في هذه الرواية بسيطة للغاية هناك فتى يحب فتاة ويقف في وجه هذا الحب عنصرية والديها تجاه الفتى لأنه من قبيلة اخرى، يصعد الكاتب التضاد هذا عبر دراما مواجهة حادة للغاية حد الضرب بين الوالدين والفتي ويحل هذا الاشكال عبر حبكة تستنبط من اسم الرواية فالجوهرة في كفن الموتى هي المطلقة، لذا عبر التجربة يتعلم الوالدان خطأ تزويجهما لابنتهما سلوى بسرعة ليفرقا هذا الحب.

عبر الاخلاق الفاضلة لبيلو تذوب العنصرية في قلوب الوالدين ليحل محله الندم وفض هذا الغشاء المعمي، وترتكز الرواية على اهم تماس يبرز العنصرية الا وهو الزواج، حيث يستند على ان هناك قبائل لا تزوج بناتها لابناء من قبائل اخرى بسبب انهم يعتقدون علو شرفهم ولا ينبغي ان يدنس هذا الشرف من قبل آخرون خارجون عنهم.

فرضية الكاتب:

يمكنني ان اناقش فرضية الكاتب التي وضعها اعلاه لعلاج مشكلة العنصرية حيث هناك حبكة جعلت الطرف الاخر اي الوالدين يرون عن قربٍ ذاك الفتى الذين كانوا يتعنصرون تجاهه فغيروا رأيهم.

حسناً ماذا لو تغيرت هذه الحبكة التي جعلت الزواج ممكناً بين الاثنين، خصوصاً ان الحبكة تستند على نظرة الأهل تجاه بنتهم المطلقة فيرضون بأي شئ لستر مكانهم عن ألسن الناس.

ماذا لو لم يطلقها هل كان رأيُ والديها العنصري سيتغير؟لا أحاكم النص بإعتبارات خارجةً عن النص وهي تخيلات امتدادية للنص يمكننا ان نتفرع، إنما أنفذ مباشرةً للفكرة التي إعتمدت عليها الحبكة التي جعلت الزواج ممكنا وبالتالي انحلال عقدة العنصرية، أي أن هذه الحبكة خيالية في خيالها كخيالية بشرى الفاضل في روايته تعيسة عندما أقام واحة جمع بها بين السيد والعبد فكان التساوي وانحلال العنصرية عبر التوالد والاجيال المتعاقبة .

الجوانب الإيمانية في الرواية:

هناك أيضاً بعدٌ إيماني أدخله الكاتب في هذه المعادلة ويمكن ان نقول ان العلاج هنا ذاتي يعتمد على فردانية تمثلت هنا في سلوكيات فاضلة تخلق بها البطل فغيرت اراء الاخرين تجاهه كمتحيز ضده.

بلا شك كان هناك تعرفٌ جيد بجوانيات البطل بيلو حيث تعرفنا على غبنه عندما ذلته أم حبيبته بأبشع النعوت، وتعرفنا على مشاعره الرومانسية عبر التداعي الذاتي ، وهي الشخصية الوحيدة التي نالت حظاً من النفاذ لجوانياتها وشعورها بما يجري حولها اما بقية الشخصيات فكنت تظهر لنا عبر حواراتها وتماساتها مع بيلو بطل الرواية.

عيوب وميزات رواية جوهرتان في أكفان الموتى:

ربما يعيب بعض الشئ وحدانية مسار الرواية في فكرة واحدة تتصاعد بها الحبكات حيث هناك حكاية بين احمد بيلو & سلوى ، ويدور عالم الرواية حولهما لم ينفك ان نرى شيئا عبر بقية شخصياته حول العلاقة بين الاثنين ، هذه العنصرية التي تفجرت من امها، ما هو رأي مجتمع الجامعة حول الحادثة على سبيل المثال عادل السياسي وفاطمة الصديقة لسلوى فقد كان هناك تصميت لهما وتركيزٌ يستخدم لغةٌ بيانية رومانسية ذات رقى ادبي بين الاثنين واستشهاد باشارات شعرية وحكمٌ وامثال.

ما ميز الرواية اللغة بسلامتها وجمالها البديع والسوح الراقي في سطورٍ أدبية بانت لنا سعة الكاتب الأدبية، فعابها أن بعض الصفحات تغريها اللغة فيتوه السارد بالتداعي اللغوي عددٌ من الصفحات وينسينا مسار التحرك السردي.ومن الأشياء التي توقفت فيها واستغربتها الصفحة 205 حيث يرد فيها على لسان سلوى :

(ماما… ارجوك بلاش السيرة العنصرية دي)وعلى لسان أم سلوى:(إنت تخرصي خااالص، والا دققت عنقك… فاهمة)إذ كيف يمكن أن تكون جميع حوارات الرواية باللغة الفصيحة التي اعتمدها الكاتب حتى على لسان الشخصيتين السابقتين، لكن هنا عند الانفعال تخليا عن لغتهما الفصيحة وتحدثا بلغة مفارقة عن سابقها ولاحقها، هذا أشبه بإنخفاض مفاجئ لعربة السرد ثم العودة مرة اخرى لمقامها.

و لا أنسى أن الرواية اعتمدت جامعة الخرطوم كمتخيل أساسي، وهي ثيمة كما ذكرتها سابقاً في عدة اقوال متكررة في السرد السوداني، فكأنه ليس هناك جامعةٌ اخرى لا يمكنها ان تستضيف تغيراً وتخلقاً جديداً في السرد السوداني.اخيراً :

يمكنني أن أدرج الرواية كمرجعٍ ذات ثيمة لغوية بيانية يحتاجها المبتدئين من الكُتَّاب مع الصبر على قراءة الـ 440 ص.

4/ رواية الفراغ العريض للروائية ملكة الدار محمد:

رواية الفراغ العريض

وإني لمزهوٌ في بادئ الأمر باللغة المنسابة والفصيحة التي كُتبت بها الرواية الوحيدة لأول إمرأة في الوطن العربي تكتب رواية، وهي رواية الفراغ العريض لملكة الدار، حيث أن أسلوبها الروائي يتميز بالوضوح الشديد الذي برُزَ عبر المشاعر المختلفة التي تمزجها الكاتبة في شخوصها وحكايتهم التي يتعرضون لها، إذ أرى أن الرواية تعرضت بصورة واضحة إلى المرأة في السودان، من خلال كل المراحل الممكنة على مستوى العقل والقلب في آن.

ما يمنح الرواية ثرائها وعملها على مواضيع عديدة ترتكز على المرأة هو التعدد المكاني من بلدة ما ظهرت في اولها لم نعرف ماهيتها مرورا الى امدرمان ثم كوستي ورجوعا الى امدرمان وما صاحبه من فترة زمنية حيث الحرب العالمية الثانية والى فترة الاستقلال.

هذا التعدد سمح بإضافات غنية في الحبكة العامة التي أراها بصورة دقيقة تتحدد في العنوان -الفراغ العريض- وهو العنوان فهو ذو سمة شاعرية وصلة بقلب المرأة، والتحديات التي تواجه المرأة في السودان من المجتمع تجاه قضية التعليم، الزواج، وما يمتد اليها من استقلالية المرأة وإمكانية خوضها في المسائل الادبية والسياسية.

وتعبر بها الرواية عن هذا المقصد في الصفحة 81 وتقول فيه منى ( إنه لمن المحال أن تتحدث الى رجل، إلى أن يأتي يوم ترقى فيه الفتاة السودانية إلى مرتبة الأدباء فيشركونها في ندواتهم ومناقشاتهم دون أن يخرجها ذلك عن طورها أو يسلبها في حياءها وحشمتها…).

فقد كانت هذه الجملة السردية تدفع بقدرتها الأدبية ووظيفتها الى فتح مستقبلي توده كاتبة الرواية وتحث فيه النساء على بلوغ المكانة الأدبية دون التخلي عن الحياء والحشمة ، وما يلاحظ انها تأتي بأسلوب التداعي النفسي والذي يكثر في الرواية بسبب أنه الأنسب لكشف الدواخل التي تعتمل المرأة.

فقد عملت الكاتبة على هذا الأسلوب بكثرة حتى تظهر لقارئها ما يعانينه النسوة من مختلف التحديات وتقترب بذلك مسافة شعورٍ الى وجدان قارئها، بحيث أننا نرى دواخل المرأة وما يعتليها من الحب الذي يقف في وجهه المال، الفضيحة، الأخ، وأيضا الحبيب الذي يلتوي الطرق الى قلب المرأة. كما اظهرت بذلك الكاتبة في نهاية الرواية.

معانات المرأة في رواية الفراغ العريض:

نجد معاناة المرأة في نيل حظها من التعليم عندما رُفض لسارة ومني أن يدخلن الى كلية المعلمات ولولا أم منى التي وقفت ودعمت قرار دخول بنتها منى لكن سارة لم تدخل الكلية بسبب أخيها ، وبذلك يظهر أسلوب المقارنة بين حالتين إمرأة دعمتها امها في قرار ابن عمها واعمامها في نيل حظها من التعليم، وبين أخرى لم تنل حظها من التعليم من ناحية الشعور والاحساس.

أكثر ما يعجبني هو القدرة على قتل إحدى شخصيات الرواية والعبور من خلالها لتوضيح معنى الفراغ العريض الذي يخلفه فقدان شخص بالنسبة لأسرته، أحبائه وأصدقائه حيث أعملت الكاتبة في هذه المشاهد قمة عباراتها الفصيحة لتحول في الحزن وجوانيات الذي تأثروا بهذا الفقد.

مسار رواية الفراغ العريض:

تسير الرواية بواقعية انهزامية المرأة امام القبول بزوجٍ لا تحبه وتستكره سلوكه المتسلط سوى أنه إبن العم ، بل الأدهش تخلق الكاتبة تحولاً من الكراهية التي تكنها لإبن العم وزوجها الى حب واستقرار عاطفي بعد الزواج، فهو نوعاً ما كسر لتوقع المتلقي الذي يتحدد باحتمالات الرفض الشديد او محاولة الانتحار او محاولة العيش ببعدٍ ممن تكرهه، لكن بذلك المنحى الدرامي ارادت الكاتبة ان تقف على مسلكين شديدين على المرأة أولها:

مدى معاناة المرأة في الصبر على زوج يدمن الخمر والميسر وما يجر عليهما من تبعات مثل تبذير الأموال والوصول لحالة الفلس وإهمال الواجبات الزوجية.

وثانيها : وقد كان أمراً جريئا أدهشني تناوله في تلك الفترة وهو الفراغ العاطفي الذي يتركه الزوج المهمل بواجباته كزوج منى وابن عمها في ذات الوقت سيد وانصرافه الى عوالم الخمر والميسر والاستدانة المذلة وما يتبعها من آثر كالضرب والشتائم التي يبذلها في سبيل زوجته.

هذا الفراغ العريض التي فتحت له الكاتبة بجرأة مجال الخيانة الزوجية من خلال صديق قديم لها وبنت عمها التي كان يحبها، وأقول إن المشاهد التي عرضتها في هذه الشأن قوية وواضحة تجعلني كقارئ أشعر بمشاعر متناقضة ومهتزة جراء هذه المشاهد ، تلك المشاعر المرتبكة التي تظهرها منى ما بين التزامها كزوجة وامتناعها عن اي تواصل ، والجرأة القوية التي يمتلكها الصديق القديم- صلاح- رغما عن انه متزوج الى الالحاح بالتواصل معها بكل السبل رسائل ، تليفونات، ولقاء في منزلها.

والمشاعر الحانقة التي تظهرها الزوجة جراء افعال زوجها السكران الذي لا يحافظ على عمله والعاطل الذي يستدين من مالها.

حيث توغل الكاتبة في أعمق نقطة للمجتمع السوداني حيث تعرض مسلك إن الإهمال العاطفي للمرأة المتزوجة هو شئ موجود على الأزواج في المقام الأول والاسر أن ترعى له.في جانبٍ أخير يظهر التحامل الشديد على الشخصيات الذكورية في الرواية حيث لم يظهر أي إتجاه إيجابي لهذه الشحصيات بالنسبة لقضايا المرأة فيظهر بذلك الحنق الشديد عليهم في تلك الفترة حيث نرى :

سيد: أخ وإبن عم متسلط لأخته وبنت عمه، منعهما من الدراسة، سخريته من بنت عمه عندما كانت تكتب مقالا في الجريدة اذ يرى ان الكتابة تجلب لها النقد والنقليل من مكانة المرأة ومكانة أسرتها ويؤازره في ذلك أبيه وعمها عمر.زوجٌ مدمن للخمر والميسر، مضيع للأموال، مهملا زوجته وبيته.

والد منى: الذي رأي في عمل بنته كمعلمة وتنقلها تقليلاً من مكانتها ومكانة أسرتها، الذي زوج بنته من شخص لا ترضاه.

صلاح :حبيب زائف بحبه يبتغي جسد المرأة من خلال نهايات الرواية عبر الكلام المعسول والإلحاح الشديد.

ولا يظهر بذلك اي رجل في الرواية ذو إيجابية في خصائصه وهو ما يسمى بالتحيز.في نهاية القول أقتبس البعض الذي أبرهن على اللغة الفصيحة المنسابة في المشاعر.

[قالت الأم: كل من يرتحل عن هذه الحياة في بداية رحيله فراغاً عريضاً، ووحشة مروعة يحس بها أولئك الذين كانت تربطهم بالراحل أواصر الرحم وروابط القربى ووشائج الإلفة، ويكون الفراغ عادة بقدر ما كان للراحل من أثر على أهله والذين من حوله، وعلى بيته ومجتمعه ووطنه، وبمرور الأيام يضيق الفراغ وتقل الوخشة ولربما زالتا بمضي السنين]

[ومنى تنحني مثل جدها تنظر في هلع إلى الوجه المربد ويفزعها منظر الفك المرتخي والعينين الواسعتين، والأنفاس اللاهثة تعل. وتنخفض في رتابة مخيفة وصار التفكير في الموت يرهقها ويستولي على تفكيرها، إنه مفزع رهيب يختطف الناس اختطافاً ليؤكد تفاهتهم وعجزهم ويسر أمرهم.].

رابط تحميل الرواية والتي تظهر على هيئة صور لصفحاتها فربما يكون هناك بعض الصعوبة للبعض في قرائتها لبهتان القليل من صفحاتهاhttps://drive.google.com/file/d/1WHGqe46wobEPWTBZ9SXWRU_7dqUzCBug/view?usp=sharing

5/ رواية سارق العمامة للروائي شهيد الحلفي:

رواية سارق العمامة

مستمتعٌ حقيقةً بهذه الرواية للعراقي شهيد الحلفي، فالجزئية ادناه هي قصة قصيرة مكتملة الاركان، حكاية عواد هذا، انها تعبر عن تخيل يتدخل في الحدود الماورائية حدود عالم القبر، وبأسلوب سخرية تتضمنها الهروب من القبر.

دلالة هذه الجزئية تعبر عن عينة من المضمون الكلي لفكرة الرواية حيث هي كتابة تأخذ بالتخيل الى مدى بعيد ، مدى يعتبر غير مرئي للانسان ومدى بعيد في الدين بإقتحام متخيل مقدسٍ ومرعبٌ في آن عبر نافذتي شعور الضجر/الهروب.

هذه الرواية فكرية لذا ستكون لي معها جولة طويلة في الافكار المتعددة التي تبثها عبر شخوصها فهي تستند الى مقولات فكرية عديدة تحولت لتطبيق واقعي ضمن المتخيل الادبي لما للمتخيل من أثرٍ في الدخول الى ذهنية المتلقي.

0 تعليقات

    أترك تعليق