تحليلات روائية (ج8). بلند الحيدري.


في هته المقالة سنقدم تحليلات ومراجعات لستة روايات وهي بالترتيب التالي: 1/ رواية أفراح القبّة – نجيب محفوظ, 2/ رواية قلب الليل – نجيب محفوظ, 3/ الثلاثية لنجيب محفوظ, 4/ رواية يا مريم للكاتب سنان أنطون, 5/ رواية قصة حب مجوسية – عبد الرحمن منيف, 6/ رواية شروكية لشوقي كريم حسن. نتمنى لكم قراءة ممتعة وشكرا.

1/ رواية أفراح القبّة – نجيب محفوظ:

الروائي نجيب محفوظ

كيف يمكنُ لروايةٍ بهذا الحجمِ الصغيرِ الذي لا يتجاوزُ 152 صفحةً أن تكونَ بكلِّ هذا الجمالِ والعمقِ والبعدِ الفلسفيّ؟ الجوابُ عندَ نجيب محفوظ ونجيب محفوظ نفسه فقط!تبدأُ الروايةُ بشكلٍ صعبٍ ومشوّشٍ وهو أمرٌ ربّما تقصّدهُ محفوظ لأنّ الروايةَ لا تكشِفُ عن جمالِها دفعةً واحدةً بل تتكشّفُ أبعادُها وتنثالُ أسرارُها للقارئِ بشكلٍ تدريجيٍّ وبنسقٍ متصاعد.

يكمُنُ سرُّ صعوبةِ البدايةِ في الأسلوبِ الذي اختارَه نجيب، فما بينَ الانتقالِ بينَ المشاهدِ الواقعيّةِ ومشاهدِ مسرحيةِ “أفراح القبة” التي تُشكّل متنَ الرواية، وبين تعدّدِ الأصواتِ الروائيّةِ الأربعةِ التي يتوالى كلٌّ منها في سردِ الجزءِ الخاصِّ به، كيْ تتشكَّل الصورةُ النهائيةُ للأحداث، بين هذا كلِّهِ قد يَتيهُ القارئُ العجول، لكنَّ الصبرَ والقراءةَ المتأنيةَ يؤتيانِ أُكُلَهما ويكافئانِ القارئ المتعطّشَ في نهايةِ الأمر.

وكما وظّفَ شكسبير مشهدَ المسرحيةِ في مسرحيةِ هامْلِتْ (مشهدُ المسرحيةِ الشهيرِ في مسرحيةِ هامْلِتْ عندما يسألُ كلاوديوس الملكُ هاملت عن اسمِ المسرحيةِ التي كان الممثلونَ بصَدَدِ عرضِها في القصرِ بطلبٍ وترتيبٍ من هامْلِتْ فيُجيبُ هامْلِتْ بأنَّ اسمَها “مصيدةُ الفأر” ) كيْ يواجِهَ عمّهُ قاتلَ أبيهِ بما اقترفَ ويَحْمِلَهُ على الاعترافِ بجُرْمِهِ إمّا تصريحاً أو من خلالِ مراقبةِ انفعالاتِ وجهِه.

فإنَّ محفوظ يوظّفُ المسرحيةَ التي يكتبها “عباس” توظيفاً مماثلاً من حيث التكنيكِ لكِنْ لغايةٍ أخرى، فلسفيةٍ في مُجْمَلِها، حيثُ يقومُ “عباس” بكتابةِ مسرحيةٍ مستقاةٍ من سيرةِ حياتِه وحياةِ عائلتهِ لكنَّهُ يتلاعبُ بالأحداثِ (لن اخوضَ في التفاصيلِ حرصاً على متعةِ مَنْ لم يقرأ الروايةَ بعد) بطريقةٍ تجعلُ المشاهدينَ – وبالتالي القارئ – في حيرةٍ من أمرِه، أيُّهُما الحقيقةُ:

الإشكاليات الفلسفية التي يعالجها نجيب محفوظ في رواياته:

الحياةُ أم الحلم؟ ما نعيشُهُ أم ما نريدُه؟ وهذهِ أو ما يقارِبُها هي وفقاً لقراءتي المتواضعةِ هي الإشكاليّةُ الفلسفيّةُ التي يعالِجها محفوظ في هذه الرواية.العنوانُ نفسُه فيهِ إشارةٌ ومسألةٌ فلسفيّةٌ فلا أفراح ولا حتى قبّة، وهو اختيارٌ عبقريّ ينافِس الروايةُ في جمالِها وعبقريّتها، والاثنانِ لا يصدرانِ إلا عن مخيّلةٍ أدبيّةٍ بحجمِ وقيمةِ نجيب محفوظ.

روايةٌ جميلةٌ جداً وهي من الرواياتِ القليلةِ التي وددتُ أن أعيدِ قراءَتَها حتى قبلَ الانتهاءِ منها.

2/ رواية قلب الليل – نجيب محفوظ:

رواية قلب الليل

على طريقةِ “أفراح القبة” يُقدِّمُ محفوظ في هذهِ الروايةِ المظلومةِ إعلاميّاً – برأيي- إشكاليّةً فلسفيةً تَتَمحورُ حول الصراعِ الأزليّ بينَ العقلِ والقلبِ أو إذا شئْتَ بينَ العقلِ والنقلِ من خلالِ رحلةِ بطلِ الروايةِ وسيرةِ حياتِه وأطوارهِ التي يمرُّ بها، في رحلةٍ مشابهةٍ لما خاضَهُ “سانتياغو” بطلُ روايةِ “الخيميائي” الرائعة لـ “باولو كويلّو” مع فارقِ الأحداثِ بالتأكيد، لكِنْ مع التركيزِ على المشتركِ بين الروايتين بحسبِ فهمي لهما، وهو الرحلةُ نفسُها كغايةٍ ومقصدِ بدلاً عن النتيجةِ أو النهاية.

تسْتَعرِضُ الروايةُ سيرةَ حياةِ بطلِ الروايةِ ذي الحسبِ الأصيلِ، جعفر سيد الراوي – وأعتقدُ أن محفوظ كعادَتهِ اختارَ الاسمَ بتأنٍّ إمعاناً في الرمزيّة والدلالات – حفيدِ “الراوي” مرموقِ الشأنِ، صاحبِ القصرِ المنيفِ والسيرةِ العطرةِ، رجل البرِّ والتقوى، صاحبِ اليدِ البيضاءِ على الجميع.

هذه الصورةُ تعزِّزُها افتتاحيةُ الروايةِ والتي تبدأُ بمطالبةِ الحفيدِ بأملاكِ جدّهِ التي أوقِفَتْ للخيرِ بحسبِ وصيّته بينما الحفيدُ نفسُه يعاني شظفَ العيشِ متسكّعاً في حواري القاهرة، في صورةٍ متناقضةٍ ربّما أرادً منها محفوظ إيصالَ رسالةٍ تشيرُ إلى فداحةِ الثمنِ الذي قد نضطرُّ لدفعِهِ إذا ما أردنا اقتناصَ الحكمةِ من حياتِنا، الحكمةُ، ذلك الطائرُ صعب الاقتناص.

وما بينَ مفارقاتِ حياةِ جعفر سيّد الراوي وبينَ قراراتهِ المفاجئةِ، يطالِعُنا محفوظ بالإشكاليّاتِ التي يُريدُ محفوظ أنْ يشاكِسَنا بها.

تساؤلاتٌ عن الخالقِ ومعرفتِهِ والطريقِ إلى ذلك، بالإضافةِ إلى إشكاليّاتٍ حولَ أنواع الفلسفةِ المعروفةِ ومدى صلاحيةِ كلٍّ منها لتسييرِ أمور الناسِ معيشيّاً على الوجهِ الأمثل، ناهيكَ عن الصراعِ التقليديّ بين الدينِ والحُكْمِ وبين الأحزابِ الإسلاميّةِ وغيرها من علمانيّةٍ وشيوعيّةٍ، إلى آخرِ القائمة.

كلُّ هذهِ الأمورِ تورَدُ دون إقحامٍ فظٍّ أو اعتراضٍ سقيمٍ لسلاسة السردِ أو تداعي الحدثِ الروائيّ بل على العكسِ، تأتي الإشاراتُ إلى هذهِ الإشكالاتِ على شكل ومضاتٍ على رأسِ كلّ مرحلةٍ أو انعطافةٍ في حياةِ بطلِ الرواية.

تمتلئُ الروايةُ أيضاً بما يستحقُ الوقوفَ عنده مثل “نحنُ نتكلّمُ عن القلبِ كنبْعٍ للإيمانِ، ولكنْ تذكّرْ أنَّ اللهَ لمْ يعبُدهُ إلا الإنسانُ العاقلُ، فالعقلُ هو أساسُ الإيمانِ، ولكنَّ عجْزَهُ النسبيَّ عنْ إدراكِهِ – معَ حرْصِهِ عليهِ – جَعَلَهُ يُرْجِعُ الإيمانَ بهِ إلى عضوٍ آخر هروباَ من التناقُض” أو: – لا أريدُ أنْ أفكّرَ فدعْني أفعل.

– والجبّةُ والقُفْطان؟

– سأخْلَعُهُما من توّي.

– إذنْ كفَرْت؟

– لا أُريدُ الدّينَ مهنة.

ولا تنتهي الاقتباساتُ عندَ هذا الحدِّ لأنْ كل ما في الحوارِ بينَ بطلِ الروايةِ ومستَمِعِهِ (الروايةُ على شكلِ حوارِ بين اثنين، البطل ومن يستمعُ إليهِ، والأحداثُ هي كلّ ما يقُصّهُ البطل في أثناءِ ذلك) يُمكِنُ اعتبارهُ محطةً للتفكّرِ وموضوعاً للنقاش.

أخيراَ، أعتقِدُ شخصياً أنَّ هذهِ الروايةَ مظلومةٌ إعلامياً جداً وكذا على مستوى انتشارِها بينَ القرّاء، وهي على رغمِ قِصَرِها – لا تتجاوزُ 122 صفحة – فإنّها عميقةٌ جداً تستحِقُّ قراءاتٍ متكرّرةٍ ومراجعاتٍ من أكثرِ من زاويةٍ ويجِبُ على محبّي محفوظ أن يحوطوها بالعنايةِ والدراسةِ اللازمتين.

3/ الثلاثية لنجيب محفوظ:

رحلةُ الحياةِ والموتِ بينَ “سي السيد” و “نعيمة” في ثلاثيةِ نجيب محفوظ الخالدة– مُقارَبة مغايِرة.

تكمُنُ الصعوبةُ في الحديثِ عن قامةٍ عملاقةٍ بحجمِ نجيب محفوظ في أمرين:

عبقريّةُ الكاتبِ ومكانَتُهُ الأدبيةِ واللغويةِ من جهة، وفرادةُ أعمالهِ وما يضمنّها بها من جهةٍ أخرى. وليْسَتْ هذه المراجعةُ البسيطةُ بأيّ حالٍ من الأحوالِ لإبداءِ الرأيِ في هذا العملاق رَحِمهُ الله، ولكنّها تناولٌ بسيطٌ لثيمةٍ محددةٍ في الثلاثيّة أو لنسقٍ مضمرٍ ربّما ضمّنه الكاتب وجَعَلَ أمرَ اكتشافهِ والتفكّرِ فيه للقارئِ وحدَهُ وعلى جرعاتٍ لا تبلُغُ الكمالَ إلّا حالَ الانتهاءِ من الأجزاءِ الثلاثةِ جميعِها.

أحداث الرواية:

تبدأُ الثلاثيةُ بالإيغالِ في كلّ ما يُحيلُ إلى خُيَلاءِ البشرِ وجبروتِهم وإسرافِهم في ملذاتِ الحياةِ سواءً بشكلٍ سريّ مثلَ ما كانَ يفعَلُهُ السيدُ أحمد عبد الجواد “سي السيد” متلفّعاً برداءِ الحشمةِ المزعومة، أو علنياً كما كان يفعلُ ابنهُ “ياسين” الذي لم يكن يُضِيعُ أدنى فرصةٍ للظفرِ بما يُريد، في الشارعِ كان ذلكَ أو حتى في البيت.

يُكثّف محفوظ هذا الشعورَ وهذا الفهمَ من خلالِ إضفاءِ جميع الصفاتِ الجسمانيِّة والنفسيةِ التي يتطلّبها الانغماسُ في كلِ ذلكَ على بطلِ روايتهِ الذي أصبحَ فيما بعدُ أيقونةً ورمزاً للتسلّطِ والجبروتِ كما لم يعرِفهُ الأدبُ من قبل.

يبرُع محفوظ كعادَتِهِ في تصويرِ أدقّ التفاصيلِ حتى يكادُ القارئُ يتنسُّم الـ “كولونيا” التي يَحرُصُ “سي السيد” على وضعِها قبلَ خروجهِ كلَّ ليلة، وحتى تعتريهِ – القارئ – نفسُ الرعشةِ التي تعتري “أمينة” زوجةَ “سي السيد” عندما تسمعهُ يتَنَحْنَحُ كآخرِ مرحلةٍ من مراحِلِ التهيؤِ للخروجِ في المغامراتِ الذكوريّةِ الليلية.

إضافةً إلى كل ذلكَ فإنّ ما يَرِدُ على لسانِ البطلِ وأصدقائِه في وصف مغامراتِه النسائيّة، وتعدد العلاقاتِ الجنسيّةِ التي يورِدُها محفوظ دون تفاصيلٍ ولكِنْ من خلالِ إتاحةِ الفرصةِ لبطلهِ في التعرّفِ على أكثر من “عالمة – راقصة”، يشكّلون على التوالي سيرةَ حياةِ الرجلِ النسائيةِ طيلةَ عمرِه، يُساهِمُ في تكثيفِ المعنى في ذهنِ القارئِ ولا يترُكُهُ دونَ التذكيرِ بهِ طيلةَ الجزءِ الأولِّ (بين القصرين).

يستمرّ نسقُ الروايةِ على هذا الحالِ حتى نهايةِ الجزءِ الأولِّ الذي ينتهي بأمرٍ (أتجنّبُ ذكرَه كيْ لا أَحِرمَ من لم يقرأ الروايةَ متعةَ الاكتشاف) يُمثّلُ بدايةَ التحوّلِ روائياً، أمّا رمزيّاً فكأنّه المعادِلُ السرديُّ لبلوغِ الإنسانِ أواسطَ عمرِهِ في منتصفِ الرحلةِ بين المهدِ واللحد، بين القوَّةِ والضَّعف، بينَ “وزادَهُ اللهُ بسطةً في العلمِ والجسم” و ” ربِّ أوزعني”.

وكما أن “بين القصرين” كانتْ مخصصةً لكلِّ ما يُشيرُ إلى بهجةِ الحياةِ وسِعتِها، فإنَّ مَسارَ الروايةِ في الجزءِ الثاني “قصر الشوق” يُخصّصهُ نجيب لإزاحةِ البطلِ قليلاً عن مِحْوَرِ الأحداثِ والتركيزِ على سيرةِ حياةِ أولادِه، في إشارةِ مستترةٍ ربّما إلى حتميّة التغييرِ والتسليمِ بالخطِّ التنازليّ للحياةِ حتّى لِمَنْ كان بقوةِ وجبروتِ “سي السيد”.

يُقدّم نجيب ذلك روائياً بطُرِقٍ مختلفةٍ، فمِن إزاحةِ “سي السيد” عن محور الأحداث إلى التصريحِ ببعض ِالأمورِ التي تضطرُّهُ للتمهّلِ في نسقِ حياتِهِ اللاهثِ مثلَ إصابتهِ بمرضِ الضّغط، تتعزّزُ الحقيقةُ التي يُريدُ الكاتبُ إيصالها، ويتحوّلُ التركيزُ تدريجيّاً إلى الأبناءِ والأحفاد، كلُّ ذلكَ دونَ الإخلالِ بسيرِ الروايةِ أو حتى الشعورِ بتقليلٍ من قيمةِ رجلِ الروايةِ الأوحدِ ودورِهِ الذكوريّ الواضح.

يُمثّل الجزءُ الثاني أيضاً قمّةَ الحدثِ الروائي أو الـ (climax) إذا ما نظرنا إلى الثلاثيّة كوحدةٍ متكاملةٍ أمّا إذا اعتبرنا كلَّ جزءٍ عملاً منفصلاً فإنّ كلاً منهم له climax خاص به لا يقلّ أهميَةً عن باقي الأجزاء (الهيكلُ العامُّ للرواياتِ كما هو معروفٌ يتبعُ الشكلَ التالي:

الخلفية أو Background information/setting ثم العقدة/الذروة أو climax وأخيراً النتيجة/الحل أو resolution).

أمّا الجزءُ الثالثُ فيأتي كيّ يؤكد شيئاً واحداً:

لكلِ شيءٍ إذا ما تمّ نقصانُ، حيثُ أنّ كلّ ما في هذا الجزءِ يشيرُ إلى النهايةِ الحتميةِ التي لا مَهرَبَ منها سواءً نهايةِ الرجلِ نفسِه أو نهايةِ حفيدتِهِ “نعيمة”، بهجة البيتِ وصورة أمّها أيّامَ الصِبا.

ولكأنّ الجزءَ الثالثَ هو معكوسَ الجزءِ الأوَّل، فكما أنّ “بين القصرين” تمتلأُ بكلِّ صورِ الفرحِ (باستثناءِ النهاية) فإنّ “السكريّة” هي كتلةٌ واحدةٌ من الحزنِ الجسيمِ الذي يجثمُ على صدرِ القارئِ ولا يزايِلُهُ حتى بعد الانتهاءِ من الرواية، وللأبدِ ربّما!”إذا أردت أن تعترف بالجميل فلا تعتمد على الذاكرة وحدها” – السكرية – نجيب محفوظ.

4/ رواية يا مريم للكاتب سنان أنطون:

الكاتب سنان أنطون

عموماً برأيي الشخصي المتواضع كقارىء – أزعم – نهم للأدب، فإن سنان أنطون ينتمي إلى فئة الكتاب الأذكياء الذين يصنعون، ببساطة، من ذكرياتهم أو خبراتهم الماضية تجارب روائية ناجحة جداً، وإن كان الأدب إجمالاً ينبع من هذه الفكرة، لكن قراءتي لأعمال سنان تحديداً تجعلني أتساءل فيما إذا كانت رواياته ستكون بنفس القوة ان لم يكن عراقياً أو لو أن العراق لم يمر بتلك الظروف التي يستغلها سنان أنطون الاستغلال الأمثل في نتاجه الأدبي.

ذائقتي الشخصية تجبرني أن أعتبر رواية “يامريم” من أجمل ما كتب سنان وحتماً أجمل من “وحدها شجرة الرمان”، ولهذا الرأي أسباب، ألخصها في التالي:

– إستخدام اللهجة العراقية الدارجة التي يحن لها معظمنا الآن بعد انتشار المفردات الجوفاء مثل “صقيقي” و “ضلع” و “حمبي” و “كبد” الخ الخ. هذا الإستخدام جاء متنوعاً بين البغدادية – كما في السرد على لسان العم يوسف.

– والمصلاوية والكلدانية والآثورية على لسان باقي الشخصيات كالأخت حنة ومها.

– هذا التوظيف اللغوي للهجة العامية عزز شعور الـ “نوستالجيا” طوال قراءة الرواية واعاد شخصاً مثلي من جيل السبعينات إلى تلك الأيام الجميلة التي نعتبرها رغم قساوتها أياماً بسيطة جميلة، حزينة جداً ربما لكنها شئنا أم ابينا هويتنا وتاريخنا.

– إيراد الأحداث عن طريق محورين أساسيين: تبدأ الرواية على لسان يوسف، ثم تتحول الـ “كاميرا” لتكون عبر مها. هذه الطريقة سهلت على القارىء متابعة الأحداث دون التيه في تفاصيل الشخصيات أو الأحداث، وهي أيضاً سهلت على الكاتب لم طرف خيوط الرواية في النهاية بشكل منطقي.

– خلو الرواية من الأخطاء التاريخية – على عكس وحدها شجرة الرمان – يعزز شعور القراء، خصوصاً العراقيين منهم ممن عاصر الأحداث المذكورة، بالارتباط بالأحداث.

– اختيار الموضوع ومعالجته بطريقة سنان السلسة الممتعة يجعل للرواية قيمة تسجيلية وتوثيقية لمرحلة مهمة من مراحل العراق بعد 2003.

هذا أيضاً يجعل هذه الرواية تستحق أن تدرس في كليات الآداب في الجامعات العراقية كشاهد مهم على فترة صعبة من التاريخ العراقي المعاصر.

– ذكاء سنان في إيراد الآراء المتصادمة على لسان الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية أعفاه من تهمة الإنحياز إلى أحد الطرفين المتناحرين، مما قد يساهم في انتشار الرواية حتى بين القراء ذوي القناعات المسبقة.

– طبعاً إضافة قوة اللغة عند سنان وسلاستها وعذوبتها يصبح من نافلة القول لأن “يا مريم” لها من أسباب الجمال ما يتعدى الأدوات اللغوية.

5/ رواية قصة حب مجوسية – عبد الرحمن منيف:

يكاد المرء يحار في كيفية كتابة مراجعة لهذه الرواية الرائعة التي لا تكشف عن نفسها أبداً في الصفحات الأولى بل ربما تجعل القارىء مستغرباً من كم المديح الذي لطالما ناله عبد الرحمن منيف كقامة روائية سامقة، حيث أن الرواية تبدأ بداية متواضعة ومتداخلة نوعاً ما مما يجعل الإمساك بخيوط الرواية أمراً صعبا بادىء الأمر، لكن كل ذلك يزول بسرعة وتصبح الرواية على بساطتها ممسكة بتلابيب القارىء لايستطيع منها فكاكاً.

السرد الروائي مباشر دون تعقيدات وشخصيات الرواية قليلة جداً ولا يعتلي أي حدث ثانوي خشبة مسرح الرواية كي يكون – ولو جزئياً – فاعلاً في تحريك المناخ العام للنص بل إن الأحداث جميعها تتمحور حول بطل الرواية الذي يتلاعب بنا من خلال دوامة المشاعر التي تتملكه والتي يتقاسمها بنسب مختلفة مع نساء الرواية، والتي – المشاعر – تشكل الممول الرئيسي لسياقات السرد من بداية الرواية حتى آخر “نفس” فيها.

رغم مباشرتها وفكرتها البسيطة التي تتمحور حول الشعور الإنساني الاسمى، الحب، إلا أن منيف يغني البعد الفكري – الفسلفي للرواية من خلال بثه مجموعة من الأسئلة الوجودية التي تتعلق بالإنسان والحب وغيرها من المسائل التي لطالما أرقت الكتاب والمفكرين بل وحتى الإنسان العادي. الجميل في الأمر.

أن منيف استطاع تضمين الرواية وبثها – ربما – أسئلته هو شخصياً بطريقة سلسة دون تعقيد أو فجاجة أو إثقال على القارىء الذي قد يكون غير مهتم بأي شيء خارج نطاق السرد.

أخيراً، وشخصياً، وجدت أجمل مافي الرواية أنها أقرب بإسلوبها ونهايتها للأدب الروسي، بل أنني في أحيان كثيرة ظننت أنني أقرأ لكاتب روسي من أمثال غوغول، ثم أتدارك ذلك سريعاً وأنبه نفسي مندهشاً أنني أقرأ لعبد الرحمن منيف!

6/ رواية شروكية لشوقي كريم حسن:

رواية شروكية

الرواية القصيدة . الرواية الملحمة:

ملح الجنوب بسمرته وسعفه وحتى فقره!

أول ماجذبني لهذه الرواية (التي اكتشفت للأسف أنها الجزأ الأول من ملحمة ثلاثية وأنا لا امتلك إلا الجزأ الأول – الجزآن التاليان هما : خوشية و هتلية) هو عنوانها.

هي رواية (وإن كان الكاتب يعنونها بأنها “ليست رواية” لأنها من صميم الواقع، وهي كذلك فعلاً) على شكل قصيدة، أو قصيدة على شكل رواية، إختر- انت كقارىْ – أحدهما واستمتع بها.

ما إن تبدأ بها حتى تنسيك لغتها الرائعة وتشبيهاتها وبلاغتها كل شيء، وتأخذك بعيداً في سبر نفس إنسانية من جنوب العراق بكل معاناتها وفقرها وانكسارها وظروفها وأحلامها وكل ال “ها” المتعلقة بهذه الشخصية التي اختارها الكاتب لتكون “بروتوتايب” لكل أهلنا في جنوب العراق، ممثلة لهم بدون تزويق ولا تجميل.

بلاغة الكاتب شوقي كريم حسن:

بلاغة الكاتب وقدرته على الانتقال بين المشاهد دون أن يفقد الخيط الأساسي للرواية ودون أن يجعل ذلك عبئاً على القارىء شيْ يثير الاعجاب ويجعل الرواية إحدى الروايات القليلة التي تحوي هذا الكم الهائل من التشبيهات والاستعارات المباشرة وغير المباشرة (metaphors & similes) المذهلة التي لا يكاد يخلو سطر في الرواية منها.

بلاغة الرواية هذه والأسلوب الذي اختاره الكاتب يجعلان منها رواية صعبة بل ربما عصية على القاريْ المبتدىْ، بل قد يكونا سبباً لعزوف الكثير من القراء عنها بعد صفحات قليلة. هي رواية على شاكلة “دبادا” لحسن مطلك مع فارق المستوى بين الكاتبين، لغة وتمكناً.

ولكن، ومع كل ماجاء أعلاه فالرواية والكاتب أيضاً “يعانيان” مما يعاني منه الكتاب العراقيون المعاصرون من السماح لكثير من المفردات العامية بغزو الرواية عن اعتقاد منهم بأن تلك المفردات هي مفردات لغة عربية فصحى (شمرتني، صافن، ميز، يؤرث، اضوية، ينطش، يتفلش، خاتلا، الروج، يلوب … الخ).

هذا الأمر في هذه الرواية بالتحديد يشكل مشكلة كبيرة لأن الرواية من أولها إلى آخرها تختار الفصحى فقط كوعاء لتشكيل الصورة الحسية والحركية لدى القاريْ، بالأضافة إلى إن أموراً مثل هذه تصيب القاريء بالحيرة لما فيها من تعارض مع بلاغة اللغة المستخدمة وشعريتها.

وإذا ما أضفنا بعض الأخطاء النحوية أيضاً مثل نصب خبر كان بسبب اتصال تاء التأنيث الساكنة والتوهم بأنها أسم كان المرفوع (كانت يديه) وهذا أمر تكرر أكثر من مرة، والاستخدام الخاطيء لـ “ثم وثمة”، وبعض الأخطاء المتعلقة بالاقترانات الخاصة بحروف الجر التي تتبع أفعالاً أو كلمات معينة (dependant prepositions & collocations) أو استخدام حرف جر بصورة خاطئة أو دونما حاجة، إضافة إلى جملة من الأخطاء الطباعية التي لم تنتبه لها دار النشر، نجد أنفسنا أمام عمل كاد أن يكون كاملاً لولا بضعة أمور كان بالأمكان تجاوزها لو كانت هناك مراجعة لغوية دقيقة ومتمكنة.

طبعاً هذا لا يقلل من قيمة العمل ولا من روعته وأنصح الجميع بقراءتها والاستمتاع بهذه اللوحة التي يقدمها لنا كاتب ماهر ربما غير معروف خارج العراق.

0 تعليقات

    أترك تعليق