asp_tags = On display_errors = Off max_execution_time = 300000 max_input_time = 600000 max_input_vars = 1000 memory_limit = 3002M post_max_size = 8000M session.gc_maxlifetime = 1440 session.save_path = "/var/cpanel/php/sessions/ea-php56" upload_max_filesize = 9999M zlib.output_compression = On | تحليلات روائية (ج7). بلند الحيدري.Art analyse

تحليلات روائية (ج7). بلند الحيدري.


في هته المقالة سنقدم مراجعات وتحليلات ل6 روايات وهي كالتالي: 1/ رواية الرجل الخراب – عبد العزيز بركة ساكن, 2/ رواية المعطف ل نيكولاي غوغول, 3/ رواية فرانكشتاين في بغداد للكاتب احمد سعداوي, 4/ رواية صحراء المماليك لخيري شلبي, 5/ مجنون ساحة الحرية – حسن بلاسم, 6/ أربع وعشرون ساعة من حياة إمرأة – ستيفان زفايغ.

1/ رواية الرجل الخراب – عبد العزيز بركة ساكن:

رواية الرجل الخراب

لا تقتصر موهبة عبد العزيز بركة ساكن على النواحي السردية أو اللغوية أو حتى ما يتعلق بالمخيال الخصب الذي يطوّع اللغة ويتلاعب بها تشكيلاً وصياغة وتأطيراً في قوالب غير مطروقة سابقاً، وإنما تتعداه إلى ما يخص تقنيات السرد التي يفاجئنا بها في كل عمل من أعماله العجيبة الـ “لذيذة”.

ورغم أني أزعم بأنني قرأت معظم أعماله إلا أن شعور المفاجئة لا يبارحني كلما التهمت عملاً جديداً من أعماله، مثال على ذلك هذا العمل قصير الحجم، عظيم المحتوى. يسرد لنا عبد العزيز بركة ساكن في هذه الرواية حكاية لاجئ نصف سوداني نصف مصري, يستقر في النمسا بعد رحلة عذاب طويلة بأسلوب الفلاش باك.

لكن هذا ليس مكمن الغرابة أو المفاجئة حيث يكتشف القارئ كلما توغل في الرواية أن الكاتب يستقل بنفسه عن راوي الرواية، بل يتهمه أحياناً بالدكتاتورية في صنع الأحداث ومحاولة توظيف الرواية لأغراضه هو – الراوي – في الوقت الذي يرغب الكاتب في توجيه الأحداث نحو ما يراه ويشاؤه هو.

ومن خلال هذا الصراع بين الكاتب وبين الراوي العليم الذي يصفه الكاتب قبل ذلك بأنه وهمي وهلامي، تتوالى أحداث الرواية مستغلة هذه التقنية الفريدة التي يوظّفها الكاتب بحرفية عالية كعامل مساعد على تنويع تقنية السرد من جهة، ومصدر آخر من مصادر تفرّد الرواية والمؤلف من جهة أخرى، الأمران اللذان يتظافران للإتيان بالمتعة والغرابة والخروج عن طور المألوف، الأمور التي ينشدها القرّاء عادة.

يضمّن الكاتب أيضاً الرواية رسائله غير المباشرة المعتادة وهو هنا يعرض للعديد من العادات الاجتماعية والدينية للمجتمعات العربية المسلمة إجمالاً ومأزق المغتربين والصراع بين قيم المنشأ والمستقر، كل ذلك بأسلوبه الرائع وسلاسته المعهودة.

2/ رواية المعطف ل نيكولاي غوغول:

  • هل سبق لك أن بكيت بسبب قطعة ملابس قديمة؟

نعم قطعة ملابس عادية جداً، لكن عبقرية الكتاب الروس، غوغول تحديداً جعلت منها أسطورة تحتفظ بتأثيرها حتى هذه اللحظة.يعلمنا الأدب الروسي كيف أن رواية قصيرة جداً نشرت عام 1842 تستطيع أن تدفع رجلاً بعمر الثانية والأربعين – أنا – إلى حافة البكاء في 2018 بسبب قطعة ثياب عادية قديمة رثة!

الآن فقط أدركت سبب المقولة المشهورة أن الأدب الروسي خرج من معطف غوغول!

هذه الرواية القصيرة جداً التي لا تتجاوز الثمانين صفحة تصف حياة موظف روسي مدقع فقراً، قبيح الإسم وغير محظوظ على الإطلاق، بطريقة السهل الممتنع، حيث أن الفكرة تكاد تبدو عادية جداً، بل ربما مملة في البداية، لكن كمية المشاعر الإنسانية التي تحشدها الرواية وإبداع نكيولاي غوغول في ربط القاريء وجدانياً ببطل الرواية غير عادي على الإطلاق بل يقترب من صفة العبقرية.

كيف كان باستطاعة غوغول أن يخلق كل هذا الجمال عن طريق قطعة عادية من الثياب لا روح فيها ولا جمال؟

كيف له أن يبكيك وانت تقرؤها الآن بعد ما يقارب قرناً ونصف أو قرنين من الزمان؟لمن لم يقرأها، ضع كل مافي يدك جانباً وابدأ بقراءة رواية “المعطف” لغوغول حالاً .. أوقاتاً .. حزينة؟

3/ رواية فرانكشتاين في بغداد للكاتب احمد سعداوي:

رواية فرانكشتاين في بغداد

لاغرو أن تصل هذه الرواية الرائعة إلى البوكر العالمية فهي رواية “سينمائية” بامتياز أودع فيها سعداوي الموهوب جميع مفاتيح النجاح، من كمية التفاصيل الـ “عراقية” الدقيقة كاختياره لمنطقة “البتاويين” بالتحديد كخلفية مكانية للأحداث، إلى المشاهد التصويرية التي تكثف الصورة لدى المتلقي وتجعله لا يستطيع فكاكاً من الرواية.

وإذا ما اضفنا الجرعة البوليسية التي هي ثيمة الرواية الأساسية، بالإضافة إلى “عراقية” الرواية التي تصور الاحداث بعد 2003، كل هذا مصحوباً بتعطش سوق القراء إلى روايات قوية عن هذه الفترة، يصبح لدينا تصور كاف عن اسباب استحقاق هذه الشهرة الكاسحة والترشيحات المتوالية للجوائز.

رغم هذا فإنه – في تقييمي الشخصي – يعاب على الرواية وعلى الكتاب العراقيين المعاصرين بالمجمل عدم إجادتهم التامة للغة العربية (يستثنى من ذلك محسن الرملي) مقارنة مثلاً بالكتاب السودانيين الذين يتقنون اللغة العربية إلى درجة مذهلة.

الرواية مليئة بالألفاظ العامية (افرشة، كنتور.. الخ) التي تسللت إلى المتن المكتوب بالفصحى خارج إطار الحوارات الثنائية التي كتبت بالعامية أساساً.

شيء آخر أزعجني كثيراً في الرواية هو اعتماد واستخدام الكاتب لحرف العطف “واو” بشكل مبالغ فيه فيما كان بالإمكان في أحيان كثيرة إما الاستغناء عنه كلياً أو الاستعاضة عنه بأدوات لغوية أخرى تضيف جمالية للغة المستخدمة بدلاً من أن تكون منقصة فيها.

شخصياً، أرى أن مثل هذه الأمور تقلل من القيمة الأدبية للرواية وتستفز القراء المهتمين باللغة العربية – مثلي – وتمثل عاملاً مهماً في الاقتراب أو الابتعاد عن أعمال كتاب معينين إما بناءً على جنسية الكاتب أو حتى على الجنس الأدبي ككل.إجمالاً، رواية رائعة تستحق أن تحول إلى فلم سينمائي مثير.

4/ رواية صحراء المماليك لخيري شلبي:

الروائي خيري شلبي

المهمةُ المستحيلةُ: القبضُ على مَكامِنِ المتعةِ في روايةِ “صحراء المماليك” لخيري شلبي:

الحديثُ عنْ هذهِ الروايةِ قدْ لا تكْفيهِ مجلّداتٌ عديدةٌ لكنّ أوّلَ ما يجبُ الحديثُ عنهُ هو برأيي العنوانُ لأنّ هذهِ الروايةَ بالذّات تنبُعُ بكلِّتِها منَ العنوانِ على عكْسِ المألوفِ حيثُ تلخّصُ كلمةُ “المماليك” جميعَ مآسينا كمواطِنينَ عرباً مملوكينَ للحكوماتِ كابِراً عن كابِر ومنَ الحياةِ إلى المماتِ وهكذا دواليك:

” أسْمَوها صحراءَ المماليكِ لأنّنا جميعاً مماليك. نحنُ جميعاً من أملاكِ الرئيسِ وأهْلِ منزِله ومجْلِسِ وزرائِهِ ومجْلِسِ شعْبِه. الواحِدُ منّا إمّا مالكٌ أو مملوك” …… “مُهِمٌّ أنْ يُجرِّبَ الإنسانُ سادةً جُدُد، وهذه في نظرية رَفاهيّةٌ مملوكيّة:

أنْ يكونَ لكَ الحقُّ في تغْييرِ سادَتِكَ واسْتِبْدالَهُم. قالَ بهادر بحماسةٍ: أَصَبْتَ يا متولي! ليْتَ الواحِدَ منّا يملِكُ هذهِ الحريّة”.

وهذهِ هي ثيمةُ الروايةِ ومَرْبَضُ الفرَسِ الذي يدورُ حولَهُ كلّ شيءٍ. يحدُثّ كلُّ هذا على عتبةِ النَّصِ – الروايةِ رغمَ أنّ الصّورةَ لا تنجلي عن هذا المعنى العميقِ إلّا معَ استمرارِ القارئِ في اكتشافِ المستوياتِ المتعدّدةِ للمعاني ما وراءَ النصيّةِ – السّرديّةِ التي يُسدِّدُها الكاتبُ بمُنْتهى البراعَةِ إلى اهدافِهِ المنشودة.

وهُنا يكمُنُ العجبُ ويُتْحِفُنا العمُّ خيري شلبي بنَفحاتٍ من عبْقريّتهِ حينما نجِدُ أنفُسَنا فجأةً في مُغامرةٍ مستحيلةٍ نُحاولُ فيها اصْطيادَ مَكامِنَ المُتعةِ في هذهِ الروايةِ العجيبةِ دونَ طائلٍ كمنْ يَصطادُ سمكاً بشَبَك!

كلّ ذلكَ يجْعَلُ الروايةَ تَنْزَلِقُ إلى مخيّلةِ القارئِ بسلاسةٍ زِئْبقيّةٍ ومَلْمَسٍ ناعِمٍ لكنّها تَنْتَزِعُ مكاناً أبديّاً في رُكنٍ من أركانِ الدّماغِ، عندَ مركزِ المُتعةِ تماماً وتَبْقى هناكَ خالِدةً إلى ما شاءَ الله.

تنْتَقِلُ بنا الروايةُ من معنىً إلى آخر في اتّساقٍ وانسيابيّةٍ رائِعَتيْنِ، فتارةَ يُعَرِّضُ الكاتِبُ بأنْظِمةِ الحُكمِ العربيّةِ مثل نظامِ صدّام حسين في العراقِ ويتحدّثُ عنْ عُقدةِ “جمال عبد الناصر” وصورةِ البطلِ القوميِّ التي كانَتْ تُطارِدُه:

“معَ نِسبَةٍ معيَّنةٍ من الراقصينَ على الحبالِ التي يُجيدُ هو اخْتيارَهُم من بينِ الصُحفيّينَ والأُدباءِ والمُتَشاعِرينَ ليكونوا مماليكَ السّفارةِ بِشَكْلٍ أوْ بآخرَ في خدمَةِ النّظامِ العراقيّ.”

“أنت أصلك فلّاح غبي! هذا الشاعِرُ الكبيرُ يَضْرِبُ عَصفوريْنِ بحَجَرٍ واحِد. إنّهُ الآنَ مُتصالِحٌ مع حزبِ البعث. مطلوبُ منهُ المساهَمَةُ في بناءِ قاعِدةٍ فكْريّةٍ سياسيّةٍ صُحفيّةٍ أدبيّةٍ تَشْتَغِلُ على صناعةِ زعيمٍ جديدٍ في العراقِ بدلاً من عبد الناصرِ وفي نفسِ الوقتِ يخدِمُ أصدِقاءهُ الذينَ يُؤمِنونَ بفِكْرِهِ ويُؤمِنُ بفِكْرِهم.”

“عددُ المجلّةِ احْتوى معهُ نسخةً مهداةً من المؤلّفِ من كتابِ “الزعيمُ الملْهِمُ:

دراسةٌ في فِكرِ القائِدِ صدّام حسين – تأليف معتزّ الأقصري” …… ” فأنْ يَكْتُبَ الناقِدُ الماركسيُّ المصريُّ كتاباً عن الزّعيمِ القائِدِ صدّام حسين كأنَّهُ يَكْتُبُ عن لينين أو كاسترو أو جمال عبد النّاصر معناهُ أنَّ معتزّ الأقصريّ الفاقِدُ لأيِّ مصداقيّةٍ قدْ آلَ بهِ التدهورُ إلى أنْ يَصيرَ مفكِّراً بالإيجارِ”.

وتارَةً يَنْتَقِدُ السادات “فعْلاً نحنُ المصريّينَ والعربُ جميعاً لسْنا سوى مماليكَ للجالِسِ على أريكةِ السُّلْطَنَةِ فها هو ذا أنور السادات يوسِّعُ من دائرةِ مماليكهِ الجُّلْبان” …… “إمْتَلَكَهُ الحكّام! قَصَدْتُ القوْلَ بأنّني اليومَ مملوكٌ لأنور السّادات ويَسْتَطيعُ أقَلّ خادِمٍ من حاشِيَتِهِ أن يَبيعني يَسْجُنني يُخْفيني تحت الأرض”.

وبينَ هذِهِ وتِلك، لا يفوتُ الكاتبَ أن يُعرِّجَ على سوءِ الأحوالِ المعيشيّةِ وضَنكِ العيشِ وبيروقراطيةِ الحكوماتِ العربيّةِ التّعيسةِ “أو تَطْرأُ علينا واسطةٌ ذاتُ رأسٍ كبيرٍ يُمكِنُ أنْ تُساعِدَنا في احْتِسابِ أخي شهيداً عندَ الحكومةِ مثْلَما احْتَسَبْناهُ عندَ الله”…… “هلْ تقْصِدُ أنّكَ فَفَدْتَ الإيمان بالوطن؟! هبَّ عادل صائحاً:

لا يا أُستاذ بهادر! الوطنُ هو الذي فقدَ الإيمانَ بي. لمْ يعُدْ شأنُهُ المواطن. إمتَلَكَهُ الحكّام”.أمّا الدِّكتاتوريةُ والمحسوبيّةُ وسائرُ العِلَلِ التي تسْتَفْحِلُ في أوطاننا فيُعالِجُها الكاتبُ معالجةً خاصّةً من خلالِ إفْرادِ تجسيدِها في شَخْصِيَّةٍ مُسْتقلّةٍ في الروايةِ وهي شخْصِيَّةُ “فهمي القزّاز” الذي هو في الحقيقةِ ليْسَ اسمهُ الحقيقيّ وإنُما ما استخدمَهُ للوصولِ إلى كلِّ سفالاتِ الدنيا وقذاراتِها.

يُحَمِّلُ خيري شلبي هذهِ الشخصيَّةَ كلَّ ما استطاعَ من صفاةٍ خسيسةٍ حتى وهي في أدْنى وأضعَفِ حالاتِها، كما يُظْهِرُ لنا من خلالِ شخْصِيَّةِ زوجتِهِ الرائعةِ “خيرات الشامي”، كيفَ أنّ الحياةَ لا تُنصِفُ أحداً بلْ هي لمُنْتهزي الفرصِ والأفّاقينَ والكذابينَ ومن على شاكِلُتِهم، في توظيفٍ جميلٍ لصورةِ الـ Paradox بما يُخالِفُ العُرفَ السائِدَ أنَّ الطيورَ على أشكالِها تقع.

شخْصِيَّةُ “فهمي القزاز” على قُبْحِها ستبقى الشخصيّةَ الأكثر تذَكّراً من قِبَلِ القّراءِ، كونَها شخْصِيَّةٌ لَزِجةٌ مقيتةٌ شرّيرةٌ تلخِّصُ كلَّ شُرورِ الدنيا.

خِتاماً، وكأنّ كلَّ ما فاتَ لا يكْفي لإضْفاءِ العظمةِ على عَمَلٍ مثلَ هذا، لا يترُكُنا الكاتبُ دون أن يُدغْدِغَ عواطِفَنا ويُتحِفَنا ببعضِ لمحاتٍ من غَزلٍ ووصْفٍ عجيبينِ، أختِمُ بهما هذه الأسطُرَ المتواضِعةِ بشأنِ عملٍ عظيمٍ وخالدٍ يجعُلُ من الصعوبةِ بمكانٍ الاختيارَ بينهُ وبينَ رائعتهِ الأخرى “وكالة عطية”.

تأمّلوا معيَ هذا الوصف:

“جَفَلَتْ. مالَ الكأسانِ العينان – يشبّهُ العينينِ بكؤوسِ النبيذِ – فاصْطكّا ببعضِهِما فانكبّت الثُمالةُ وتناثَرتْ على خدّيْها المتكوّرينِ فتَكَرْمَشَتْ الشامَةُ البرتقاليّةُ اللونِ حولَ شَفَتيْها المَزْمومتين”.

5/ مجنون ساحة الحرية – حسن بلاسم:

حينما تجمّل غرابةُ الفكرةِ عللَ السردلا يختلف الجميع نقاداً وقراء على موهبة حسن بلاسم وتفرده في بعض الخصائص الأسلوبية stylistics التي باتت علامة مصاحبة لكتاباته، فكتاباته التي تضج بالغرائبيات، صوراً وأفكاراً، كانت هي السبب في حصده للعديد من الإشادات النقدية من المتخصصين في مجال السرد وكانت هي أيضاً السبب في تصدره واجهة مشهد “الأدب السوداوي” العراقي مؤخراً.

لكني كقارىء حقيقة أجد أن موهبته تكمن في براعته في اجتراح مشاهد وصور غير متعارف عليها عندالقارىء العربي دون أن تفقد كتاباته ارتباطها بالواقع العربي والعراقي تحديداً رغم تحديها – الصور والمشاهد – لأي منطق قد يحاول القارىء التقليدي القياس عليه.

هذه البراعة في الاحتفاظ بحميمية المشهد المحلي هي التي تجمّل علل بل وحتى قبح السرد – أحياناً كثيرة – لدى الكاتب. حسن بلاسم يبدو مصراً على الزج بالكثير من الألفاظ النابية والصور المقززة في محاولة منه أو لاعتقاده – في رأيي الشخصي كقارىء طبعاً – أن ذلك شرط أو مفتاح من مفاتيح الحفاظ على غرائبية ومابعد حداثية نصوصه التي لها الفضل في شهرته.

كلمات وصور تم إقحامها وتكرارها دون وظيفة سردية واضحة، لا هي تُسهِم في تعضيد المتن اللغوي ولا حتى تتماهى مع الأحداث أو المشاهد، بل على العكس، كل الذي تفعله أنها تستفز القارىء وتجبره على الانفصال عن المشهد المحكي مثل مطب هوائي في رحلة جوية كان يمكن لها أن تكون أكثر سلاسة وجمالاً وانسيابية دون أن يخسر الكاتب أي خصيصة من خصائصة الأسلوبية واختياراته اللغوية.

حقيقة، قراءة هذه المجموعة القصصية القصيرة جعلني أؤجل قراءة مجموعته الأخرى “معرض الجثث” رغم أنها كانت التالية في الجدول!

6/ رواية أربع وعشرون ساعة من حياة إمرأة – ستيفان زفايغ:

“الأدب ليس الحياة بل هو عبارة عن وسيلة لتمجيد الحياة، وسيلة للقبض على بعدها المأساوي بشكل أكثر وضوحاً وأكثر جلاءً” – ستيفان زفايغ.باستثناء الـ “معطف” لغوغول، لا أذكر أنني قرأت رواية – نوفيلا إذا شئت – بهذا القصر لكن بكل هذا العمق والعظمة!

وإن كان دستويفسكي يسبر أغوار النفس البشرية من خلال رواياته في بضع مجلدات، فأن زفايغ بموهبته الفريدة وحساسيته المفرطة – وهو المنتحر في عام 1942 بسبب كم البشاعة في أوروبا خصوصاً وفي العالم عموماً – يسلك نفس المسلك لكن بانتقائية فريدة تسلط الضوء على تفصيلة واحدة من تفاصيل الإنسان النفسية المعقدة، في كل مرة يتناول قلمه كي يكتب رواية جديدة.

هذه الرواية الرائعة أعادتني شخصياً إلى رواية “المقامر” للعظيم دستويفسكي، فكلا الروايتين يتمحوران حول مرض المقامرة كثيمة أساسية للرواية، لكن شتان بين من يقامر بنقوده ومن يقامر بحياته، حتى وإن كانت النهاية واحدة!وللعنوان، على بساطته، نصيب كبير من أحداث الرواية فهو يكاد يشي بالإطار الزمني الذي تجري فيه الأحداث وكذا ببطلته.

لكن عظمة الرواية تكمن في قدرة الكاتب على تكثيف المشاهد والأحاسيس المتضاربة و مقدار المقامرة التي وجدت إمرأة العنوان نفسها على أعتابها ناهيك عن “كرة الثلج” التي سوف تستجبلها تلك المغامرة نفسها على حياة هذه المرأة الستينية.

إلى أي مدى نحن مستعدون للمقامرة بحياتنا من أجل نزواتنا أو من أجل مانظن أنه الخيار الصحيح؟ وإلى أي مدى نقيم وزناً لتقييم الناس لنا ولأفعالنا؟ أقرأوا هذه الرواية الرائعة كي تعرفوا.

0 تعليقات

    أترك تعليق