تكثيف النص بأبسط الطرق. بقلم بلند الحيدري.


في هته المقالة سنتعرف على كيفية منح النص كثافة لغوية باستعمال ابسط الطرق, نتمنى لكم قراءة ممتعة.

نصوص عبد العزيز بركة ساكن مثالاً:

تعرّف الكثافة اللغوية للنص (هذه ترجمتي الشخصية للمصطلح لأن ترجمة جوجل تقترح الكثافة المعجمية وهي ترجمة لا أستسيغها ولا أجدها تعبّر عن المضمون) (lexical density) بأنها نسبة الكلمات ذات المعنى (content words) إلى الكلمات الوظيفية (functional words) في أي نص ويتمّ احتسابها بعملية حسابية بسيطة.

لكنّ دلالاتِها عميقة وتُحيل إلى أكثر من أمر يتعلّق بقدرة الكاتب الكتابية، سواءً كان الحديثُ عن كتّاب الرواية أو أي جنس كتابي (genre) آخر من أشدّها تعقيداً إلى أبسطها، كتابة نصوص التعبير مثلاً.

هي أيضاً أمرٌ نُلفِتُ نحن مدرسو (ولو انت وحظك إذا مدرسك يفتهم لو لا) اللغة الإنجليزية انتباه طلابنا المتقدّمين له كطريقةٍ غير معقّدة للارتقاء بجودة كتابات الطلاب دون كثيرٍ من العناء، الأمر الذي ينعكِسُ إيجاباً على مهاراتهم الكتابية (writing skills) والتي غالباً ما تكون مصدر إزعاج وقلق لدارسي اللغات الأجنبية وأكثر المهارات ضعفاً.

وإذا ما طبّقنا الكلام أعلاه على النص أدناه سنجدُ أن النص كثيف جداً على مستويين، المستوى اللغوي المتعلّق بالعملية الحسابية أعلاه والمستوى الشعري المتعلّق بالتشبيه والموهبة والمخيال:

“أنتَ الوحيدُ ولا أحدْأنتَ الغريبُ ولا بلدْانتَ المُسافِرُ للأبدُحُزنُ الملاجئِ كلِّها والأرصفة.”

حسابياً، النسبة بشكل تقريبي تكاد تكون 60:40 % لمصلحة الكلمات ذات المعنى أما على المستوى الآخر، فإن السطر الأخير يحتوي حزنَ العالم بأكملهِ حيثُ تَختَزلُ كلمةُ “ملاجئ” جميع معاني الحزن وجميع حالاته من اللجوء إلى الحرب, إلى السفر الحزين, إلى الملاذات البعيدة, إلى كل ما شاء القارئ وبحسب مزاجه القرائي أن يختاره من صورةٍ حزينة يملأُ بها هذا الوعاء – النَّص الذي لهُ أن يتشكّلَ إلى مالا نهاية من الصورِ الحزينة.

ثمّ بعدَ ذلك لا يُغادِرُنا النص دون أن يَختِمَ على هذه الصورة الحزينة ويتأكّدَ من أن كمية الحزن التي يسكُبُها سوف تعيشُ مع القارئ إلى أن يشاء الله من خلال اختيار كلمة أخرى ذات دلالاتٍ لا نهائية تجمعُ بين كل العذابات الأرضية من حزنٍ وتشرّدٍ وفقرٍ ووحدةٍ وحرمانٍ وبردٍ وريحٍ وليلٍ وأملٍ مفقود وشمسٍ لا تُشرق وغدٍ لا يأتي أبداً!

* الاقتباس من كتاب “ما يتبقى كل ليلة من الليل” للكاتب المذهل عبد العزيز بركة ساكن.

0 تعليقات

    أترك تعليق