مراجعات وتحليلات روائية (ج5). بقلم بلند الحيدري.


في هته المقالة سنقدم مراجعات وتحليلات لأربعة روايات هي كالتالي: 1/ لعبة المغزل – حجي جابر, 2/ روايةِ المعبد ذي الرواق الذهبي “يوكيو ميشيما”, 3/ رواية أولادُ اليهوديّة لـتحسين كرمياني, 4/ هاروكي موراكامي ورواية 1Q84. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ لعبة المغزل – حجي جابر:

رغم ولعي بكتابات هذا الرجل، لكني أعتقد أن هذه الرواية هي أضعف أعمال هذا المبدع، رغم غرابة الفكرة التي انتقاها وتوظيفه لها – الفكرة – لخدمة الرواية، سرداً وحبكة.

هي أيضاً الرواية الوحيدة له التي وجدتني أعاني كي أنتهي منها في مقابل رواياته الأخريات اللواتي كنت أتمنى ألا ينتهين.

وللمفارقة أيضاً. هذه هي الرواية الوحيدة التي استطعت أن ألحظ فيها خطأين لغويين، أحدهما نحوي (أنّ أبيها – والأصح أباها على النصب لإنها إسم أنّ) والآخر إملائي (يملأها والأصح يملؤها لأن الهمزة على ما قبلها وهو الرفع في حالة السياق الذي وردت فيه الكلمة) وقد يكونان من المصحح اللغوي وليسا من الكاتب، ولكن عموماً، فالروايات الأخريات كنّ سليمات تماماً كما أعتقد.

طبعا وللتوضيح، كل هذا لا يعني أنها رواية سيئة، لكنّ من يعتاد على قوة روايات حجي جابر يستطيع بسهولة أن يشعر بالفرق.

من الأمور التي قد تحسب للرواية (رغم إني شخصياً أعتبر أن هذا مثلبة تقلل من قيمة العمل الروائي الرصين) أنها سلسة وسهلة جداً على مستوى القراءة وليس فيها ذاك العمق الفلسفي أو الفكرة التي تتطلّب تركيزاً شديداً من القارىء.

كما أنّ رسالة الرواية مباشرة برغم محاولة الكاتب تغليفها برأيه المعتاد عن الحرب والقائد والنفاق، الخ.

أيضاً، هناك مفاجئتان في نهاية الرواية ربما تخففان من بساطة الرواية وتضيفان لها بعض الإثارة، لكن عموماً لا أرى هذه الرواية تستحق أن تحمل إسم حجي جابر كما عرفناه.

2/ روايةِ المعبد ذي الرواق الذهبي “يوكيو ميشيما”:

تشبيهٌ فلسفيٌّ غريبٌ لكنّهُ آسرٌ كالعادةِ منْ كاتبٍ يابانيٍّ مذهلٍ وغريبِ الأطوارِ والأفكارِ هو “يوكيو ميشيما”.

الاقتباسُ التالي يَرِدُ في صفحة 136 من النسخةِ الانجليزيةِ لروايةِ “المعبد ذي الرواق الذهبي” وهو من ترجمتي:

“برغم أنّ الجمالَ قد يَمنحُ نفسَهُ لأي شخصٍ إلا إنه لا أحدَ يمتلكُه.

دعني أرى. كيف لي أن أقرّبَ ذلك؟

جمال – نعم، الجمالُ هو كضرسٍ متسوّس يُلامِسُ لسانكَ طيلةُ الوقت، يؤلِمُك، مصرّاً على إثباتِ وجوده. في النهايةِ يتغوّلُ الألمُ فلا تكادُ تُطيقهُ ويتوجّبُ عليك الذهابُ إلى طبيبِ الأسنانِ لاقتلاعه.

إذْ ذاك، وبينما تنظُرُ إلى ذلك الشيء الصغيرِ القذرِ البنيّ الملطّخِ بالدماء مستقرّاً في كفّكَ، قد تراودكُ الأفكارُ التالية: أهذا كلُّ شيء؟

أهذا كلُّ ما كان؟

ذاك الشيءُ الذي تسبّبَ لي بكلِّ هذا الألم، الشيءُ الذي جعلني دائماّ أخشى وجودُه، الشيءُ الذي كان مزروعاً داخلي بعنادٍ هو الآن مجرّدُ شيءٍ ميّت؟ إذا كان هذا الشيء – الجمال – في الأصلِ عائداً إلى كينونتي الخارجيةِ فلماذا – وبأي شكلِ من أشكالِ العنايةِ الإلهية – أصبحَ مرتبطاً بكينونتي الداخلية ونجحَ في التسبُّبِ لي بكلِّ هذا الألم؟

ما كان الأساسُ في وجودِ هذا الكائن؟ هل كان أساسُ وجودِهِ داخلي أنا؟ أم أنَّ أساسَ وجودهِ يكمنُ داخلهُ هو؟ مع هذا، فإنّ هذا الكائن الذي تم اقتلاعهُ من فمي والذي يقبعُ الآنَ في كفّي هو شيءٌ مختلفُ تماماً.

لا يُعقلُ أن يكونُ الأمرُ كذلك؟.

3/ رواية أولادُ اليهوديّة لـتحسين كرمياني:

رغمَ أنّني دائماً أتوجّسُ من كتاباتِ المعاصرينَ خصوصاً الشبابَ منهُم وأخصّ من ذلك العراقيّين (يُستثنى من ذلك أحمد سعدواي ومحسن الرملي) إلا أنّ عُنوانَ الروايةِ اجتذَبَني وأذكُرُ أنّني قرأتُ مُراجعةً سريعةً عنها كُتِبَتْ بصيغةِ الثّناءِ وهذا كانَ الفخّ فهذهِ لا يُمْكِنُ أنْ تكونَ روايةً، قدْ تكونُ ثرْثرةً أو مُحاولةً أولى لكنّها لا يمُكِنُ أنْ تكونَ روايةً إذا ما أرَدْنا أنْ نحُتَرِمَ عقولَ القرّاء.

أقولُ ذلكَ دونَ أنْ أُنْكِرَ الكاتبَ حقّهُ من الموهبةِ فهوَ بلا شكٍّ يمْتَلِكُها لكنّها لم تنضُجْ بعدُ وعليهِ إذا ما أرادَ أنْ يُنتِجَ عملاً جيّداً أنْ يُعنى بالكثيرِ من الأمورِ بدايةً بالحبْكةِ وليسَ نهايةً باللغةِ العربيِّةِ والنّحوِ بلْ وحتى الإملاء!

إختارَ الكاتبُ موضوعَ الغجَرِ ثيمةً أساسيّةً للروايةِ وهيَ على تميِّزِها كفكرةٍ غيرِ مطروقةٍ منْ قبل لكنّها أتَتْ بمفعولٍ عكسيٍّ لأنَّ الكاتبَ لمْ يستغلّ ذلكَ الأمرَ بلْ وظّفهُ بسذاجةٍ وفجاجةٍ فقطْ كيْ يُظهرَ مساوئَ النظامِ السابقِ وكإطارٍ عامٍّ يحتاجهُ لخدمةِ الحدثِ السرديّ الذي لا نكتشفُ كُنْهَهُ إلا في نهايةِ الروايةِ (هذهِ ربّما هي الحسنةُ الوحيدةُ في الرواية) فكانتْ النتيجةُ مجموعةً من الكليشيهاتِ المطروقةِ التي حاولَ الكاتبُ جاهِداً جعْلَها مثيرةً من خلالِ استخداماتٍ لُغَويةٍ غريبةٍ في كثيرٍ من الأحْيان.

أمّا اللغةُ العربيّةُ المُستخدمةُ فليسَ لها من اسمها نصيبٌ بلْ أعتقدُ أنّني لا أُبالِغُ إذا قلتُ أنّها أسوأُ لغةٍ عربيّةٍ مرّت بي ولا يفوقُها سوءاً إلّا لغةُ إبراهيم عيسى في روايتِهِ التعيسةِ “مقتل الرجل الكبير”.

فمنِ النحوِ إلى الاقترانات الغريبةِ إلى المفرداتِ العاميّةِ التي يبدو أنّ الكاتبَ يحسَبُها مفرداتٍ فُصْحى إلى مخالفةِ الفاعِلِ للفعْلِ في التذكيرِ والتأنيثِ إلى – وهذه هي الطّامّةُ الكبْرى – حتى الإملاءِ ولو كانتْ اللغةُ العربيّةُ تستطيعُ أنْ تشتكي للقضاءِ لحُكمَ على الكاتبِ بالإعدام!

الروايةُ أيضاً مليئةٌ أيضاً بكلّ الكليشيهاتِ التي كنّا نسمعُها عن صدّام وحزبِ البعث وهيَ وإن كانتْ صحيحةً في المُجملِ إلا أنّها لا تضيفُ أي جماليّةٍ للروايةِ بل تتسبّبُ في تسخيفِ وتسطيحِ الأحداث – على قلّتِها – مما يُضيفُ سبباً آخرَ لوصفي لها بأنّها محضُ هذرٍ وليستْ رواية.

4/ هاروكي موراكامي ورواية 1Q84:

رواية 1Q84.

“هذه ميتة أسهل مما تستحق. كانت أسهل مما ينبغي. ربما كان عليّ أن أكسر لك بضعة أضلع بعصا غولف وأذيقك ألماً مبرحاً قبل أن أخرجك من بؤسك. تلك كانت الميتة المناسبة لجرذ ملك. فذلك هو ما فعلته في زوجتك، لكن لسوء الحظ أن الاختيار ليس اختياري.

مهمتي كانت هي أن أرسل هذا الرجل إلى العالم الآخر بأقصى سرعة وبأعلى درجات اليقين والكتمان. الآن، أنجزت تلك المهمة. كان حياً قبل لحظة، والآن هو في عداد الموتى. لقد عبر التعبة الفاصلة بين الحياة والموت دون أن يعي هو نفسه ذلك.”

“كانت بحاجة إلى تهدئة أعصابها ببعض الشراب قبل عودتها إلى البيت والخلود للنوم. فهي على أية حال قد أرسلت لتوها رجلاً إلى العالم الآخر. صحيح أنه كان جرذاً بغيضاً لا يحق له الشكوى من مقتله، بيد أنه، في نهاية المطاف، إنسان.”

* الاقتباسان من الكتاب الأول بترجمة أنور الشامي. قد يبدو الاقتباسان أعلاه، للوهلة الأولى، لـ “ديستايافسكي” – إذا ما تجاهلنا الأسلوب الكتابي – لكن في الحقيقة هما للمُذهل “هاروكي موراكامي” من ملحمتهِ 1Q84 – الكتاب الأول ويأتيان على لسان “أوماميه” وهي تفكّر فيما كانت أتمّتهُ للتوّ.

هذه في الحقيقة إحدى مميّزات هذا الكاتب الفذّ الذي دائماً ما يتركُ للقارئ مسؤولية اختيار الجانبِ الذي يُريد سواءً على مستوى الحدث أو على مستوى الأخلاقيات المرتبطة به، أما ولعُهُ بالنهاياتِ المفتوحةِ فهي شيءٌ آخر يمتازُ به – ربّما يكرهه البعض لهذا السبب – ويعرِفهُ قراؤهُ.

يُثيرُ “موراكامي” هنا نفس الجدليّة التي أثارَها “ديستايافسكي” في روايته الخالدة “الجريمة والعقاب” على لسان بطلهِ الخالدِ أيضاً “راسكولينيكوف” فيما يتعلّق بمدى أخلاقية التخلّص من العجوزِ المرابيةِ للصالحِ العالم أو بمعنى آخر إهلاكُ من فيهِ حياةُ آخرين.

وبينما قد يبدو “ديستايافسكي” منحازاً لجانبٍ معيّن في هذه القضية من خلال اختيارهِ لنهاية “راسكولينيكوف” فإنّ “موراكامي” يورِدُ هذه المسألة على شكل فكرةٍ تخطُرُ في بالِ “أوماميه” دون أن تستغرق كثيراً من الوقت ودون أن تشكّلَ ثيمةً أساسيّة في الرواية وهو بهذا – أزعم – إنّما تركَ للقارئِ حريّة الوقوف على الضفّةِ التي يُريدُها من النهرِ دون تدخّل منهُ في تشكيلِ الموقفِ الأخلاقي من الحدث أو ما وراءه.

الحديثُ والمقارنةُ يطولان لكنْ هذه مجرّد خاطرة جالتْ برأسي عندما قرأتُ الرواية وأردتُ مشاركتها معكم واستطلاع الآراء فيما إذا كانت المقاربة تستحقُّ النقاش والوقوف عندها أم لا.

0 تعليقات

    أترك تعليق