هاروكي موراكامي. بقلم بلند الحيدري


من هو هاروكي موراكامي:

هاروكي موراكامي روائي ومُتَرْجِم ياباني، حازت أعماله الخيالية والواقعية على ثناء النُّقَّاد حول العالم وليس في اليابان فحسب.

يُعْتَبَر من أهم مُؤلفي مرحلة ما بعد الحداثة الأدبية، وتتميَّز أعماله بالسيريالية والعَدَمِيَّة. فغالبًا ما تتحدَّث أعماله عن الوحدة والغُرْبَة. وقد حصد العديد من الجوائز العريقة، مثل: جائزة فرانز كافكا Franz Kafka Prize، وجائزة فرانك أوكونور الدولية للقصة القصيرة Frank O’Connor International Short Story Award، وجائزة القدس Jerusalem Prize.

ومن العجيب أن موراكامي لم يَحْلُم أبدًا بأن يصبح كاتبًا، بل دخل إلى مجال الكتابة الأدبية بمَحْضِ الصُدْفَة. بعد انتهاءه من دراسة الدراما، افتتح مَقْهَى ولم يَخْطُر بباله أبدًا أن يعمل في مجال الكتابة. وأثناء مشاهدته لإحدى مباريات البيسبول، داهمه الإلهام لكتابة رواية، ومنذ ذلك الوقت لم يتوقَّف عن الكتابة.

كانت أولى روائعه الأدبية عبارةً عن رواية من 200 صفحة، شارك بها في مسابقة للكُتَّاب الجُدد. فاز حينها بأوَّل جائزة أدبية له، مما دفعه لكتابة المزيد من الروايات.سُرعان ما أغْلَق المقهى الخاص به، واتخذ من الكتابة مهنة دائمة. واليوم يُعَد أحد أعظم الكُتَّاب الأحياء على وجه الأرض، كما وصفته بذلك جريدة الجارديان The Guardian..

في احدى المقابلات الصحفية.. لم أرغب في أن أُصْبِح كاتبًا، ولكنني صِرت كذلك. والآن لدي العديد من القُرَّاء في العديد من البلدان. أعتقد إنها معجزة، والتي عَلَيَّ أن أتواضع أمامها. أنا فخور بذلك واستمتع به، ومن الغريب أن أقول ذلك، ولكنني أحترمه.

يقول ايضا بأن رواية رواية “الغابة النرويجية” كانت تعتبر تحدياً منه لنفسه في أن يكتب رواية واقعية مائة بالمائة غير روايات الواقعية السحرية التي أبدع بها وكان أحد الأسباب في هذا إنه كان هناك من النقاد من يقول بأن موراكامي لا يستطيع كتابة رواية واقعية.

وصول الرواية للعالمية وكونها السبب في شهرته عالمياً والصدى الذي أحدثته عالمياً لم يكن متوقعاً ..#من اقتباساته العميقة جدا في رواية كافكا الشاطئ قلبك نهر واسع بعد وابل من المطر تفيض المياه على ضفتيه ، تختفي علامات الطريق ، يطمسها أو يجرفها السيل الجارف . ويستمر المطر بالهطول على النهر .

في كل مرة ترى فيها فيضانا كهذا في نشرة الأخبار ، تقول لنفسك : ها هو ذا ، إنه قلبي “

نصائح شخصيّة في كيفيّة قراءة هاروكي موراكامي:

الكتابة السحرية الواقعية:

– بدايةً، فإن على كل من يريد أن يقرأ لموراكامي أن يكونَ متقبلاً لكتابات الواقعية السحرية دون قيدٍ أو شرط.

موراكامي (وغيره من أعلام الواقعية السحرية مثل ماركيز) لا تُمكِنُ قراءَتهم بنفس طريقة قراءة باقي الكتاب، ومثلما أننا نولدُ معتنقين لديانات آبائنا ومعتقداتهم وفي الأعمِّ الأغلب لا نُجهدُ أنفسنا في التحقّق من كل ذلك ونسلّمُ به قطعياً، فإن على قراء موراكامي، كي يستمتعوا بأعمال هذا الكاتب العبقري، التسليم بإمكانية حدوثِ كل ما يقوله ويخلُقهُ من عوالمَ وشخصياتٍ وأحداث دون إخضاع كل ذلك إلى العقل والمنطق وإلا فسدت القراءة حتماً.

الإستسلام لكل ذلك هو أو شرط لقراءة موراكامي.

– القراءة لموراكامي خطرة لأنها قد تغيّرُ حياتك تماماً عدا أنها قد تقتلُ رغبتكَ في قراءة كاتبٍ آخر, لأنه وكما يُقال بالإنجليزية Raises the bar ولا يستطيعُ أحدُ أن يجاريه (بالمصري: مفيش حد حيملى عينك بعده).

رواية جنوب الحدود غرب الشمس لهاروكي موراكامي:

رواية جنوب الحدود غرب الشمس

كانت أول رواية أقرؤها له هي “جنوب الحدود غرب الشمس” وتسبّبتْ هذه الرواية بإدماني على قراءة جميع أعماله دون توقّف وأيضاً وهذه هي الكارثة، تسبّبت الرواية بالكثير فيما يخصّ حياتي الشخصية وحتى الزوجية.

أما رواية “كافكا على الساحل” فقد احتجتُ إلى إسبوعٍ أو اثنين للتخلّص من آثارِها, حيث أنني كنتُ كلما رأيت قطة أبدأ إما في الحديث معها أو التفكير في الذي قد تكونُ هي تفكَرُ فيه لحظتها.

موراكامي أيضاً قد يكون الوحيد من المعاصرين الذين له أتباع بالمعني الحرفي للكلمة حيث قام محبّوه والمتأثرون به بتأسيس جماعة أو Cult خاص به فتصوروا قدرتهُ الغريبة على التأثير في الناس، هو الذي لا يحبُ الظهور ولا الإعلام ولا الأضواء!

موراكامي وعمقه في المواضيع السخيفة:

– موراكامي هو من بين القلائل إن لم يكن الأوحدَ في عصرنا الحالي الذي يستطيع أن يكتب عن شيءٍ قد يبدو للقارئ البسيط شيئاً سخيفاً، بكلّ العظمةِ والدقةِ التي تجعلُ مما بدا سخيفاً أول الأمر أن يكون عملاً روائياً استثنائياً أو قصة قصيرة رائعة تحبسُ الأنفاس.

هذه النقطة هي خلاصة رأيي فيما كتبته الأخت ريم. خذ مثلاً إحدى قصص موراكامي القصيرة من مجموعته “صفصاف أعمى، إمرأة نائمة” وهي قصة “سَنة السباغيتي” والتي وبكل بساطة تتكلّمُ عن رجل أعزب يعيش وحيداً وكل أحداثِ القصة هي عن قيامه بتجهيز طبق من المكرونة السباغيتي ثمّ شعورهِ بالغثيان واستفراغهِ بعد ذلك (القصة أعمق من ذلك وتتناولُ حالة البطل النفسية).

لكن كل هذا يقدمهُ موراكامي بطريقة ساحرة تجعلك تتفاعل مع هذه القصة القصيرة بل وتتعاطف مع هذا الرجل وتعيشُ كل تفاصيل الـ “مأساة”, بل ربما قد تصابُ أنتَ نفسُكَ بالغثيان.

بالتأكيد أنه من نافلة القول أنّ القصة قد تحمل أبعاداً إنسانية وواقعية أكثر من مجرد قصة رجل يتناولُ عشاءه ثم يتقيأ, لكن من يجهل أسلوب موراكامي قد ينتهي به الامر بعد قراءة قصة مثل هذه. أن يكرهَ الكاتبَ ويحرمَ نفسَهُ القراءة له مرة أخرى.

قدرةُ الكاتبِ هنا على تصوير مشهدٍ حياتي بسيط وتقديمهِ كمادةٍ روائيةٍ بكل هذا الجمال هي مثال وجواب في آن واحد على ما طرحتهُ الأخت ريم في منشورها وهي دليلٌ على قدرة الروائي وعبقريتهِ السردية وتمكنهِ من أدواته، وكل ذلك يجتمعُ في هاروكي موراكامي.

هاروكي موراكامي وعناوين اعماله:

– لا تُمكِنُ قراءةُ أعمال موراكامي دون الإنتباه لعناوين تلك الأعمال لأن لها علاقةً وثيقةً بما يجري في الرواية أو ما يريدُهُ موراكامي من رواياتهِ. مثلاً في مجموعته القصصية غير المترجمة للعربية بعد “رجال دون نساء” والتي تصوّرُ الأحوال الحياتية والنفسية لمجموعة رجال ليس في حياتِهِم نساء في تلك المرحلة من أعمارِهِم.

لا يُمكنُ اكتشافُ مواطنِ الجمال والاستمتاع بالقصص إذا غابَ عنا ما يقترحهُ ويشير له العنوان. إذا مرّ القارئ بالعنوان مرور الكرام، تبدّتْ المجموعة القصصية بأكملها كعمل بسيط ليس فيهِ أي إثارة أو متعة. مثالٌ آخر يأتينا في قصة قصيرة أخرى إسمها ” ضفدع خارق ينقذُ طوكيو” .

ضمن مجموعته المسمّاة “بعد الزلزال” حيث يُشاطرُ بطلَ القصة ضفدع أخضر عملاق ينبثقُ من تحت الأرض ويُشاركُ البطلَ أحداث القصة التي قطعاً ستبدو قصة بلهاء أو خيالية سمجة إذا لم نتذكّر عنوان المجموعة “بعد الزلزال” حيثُ يمثّلُ الوحش إشارة ضمنيَة وترميزاً ذكياً من الكاتب يُشيرُ بهِ إلى الزلزال المدمر.

خاصةً إذا ما علمنا أن موراكامي كتب هذه المجموعة القصصية تخليداً للزلزال المدمر الذي ضرب مدينة Kobe في عام 1995 وكطريقة للتعامل مع آثار الزلزال الاجتماعية وتوابعهِ على المجتمع والناس، في مثالٍ جميلٍ على دور الروائيين المجتمعي وقدرتهم على التأثير في قرائهم واحتواء أزماتهم وتهدئتهم.

(الضفدع أيضاً يرمزُ لمدى الوحدة التي يشعرُ بها بطل القصة بحسب الدراسات عن هذه المجموعة القصصية وقد يكون أيضاً – وهذه الإضافة من عندي – رسالةً للمجتمع للتعاون والتقارب خاصة في وقت الشدة).

– رغمَ أن جلّ أعمال موراكامي تنتمي للواقعية السحرية وهذا بالذات هو سببُ تميّزهِ وشهرتهِ محلياً وعالمياً إلا أن موراكامي وبعد انطلاقتهِ الموفقة نهاية السبعينات، أرادَ أن يُثبتَ لنفسهِ أولا قدرتهُ على كتابةِ رواية واقعية مائة بالمائة فكان أن أنتجَ لنا رائعة “الغابة النرويجية” التي أكسبتهُ شهرةً منقطعةَ النظير.

روايات هاروكي موراكامي التي ينصح بقراءتها:

الروايات التي يُنصحُ بقراءتها لقرّاء موراكامي الجدد الذين يحتارون بأي الروايات يبدأون. شخصياً أنصح من يرغب بقراءة موراكامي بالابتعاد عن رواياته الصعبة مثل “كافكا على الساحل” وثلاثية الفأر وغيرها والأفضل أن يبدأوا بروايات مثل “بعد الظلام” و “جنوب الحدود غرب الشمس” و “رجال دون نساء” ثم التدرّج في رواياتهِ حتى آخرها.

الترجمة العربية واساءتها لاعمال هاروكي موراكامي:

– لم تُسئ الترجمات العربية لكاتب كما أساءت لموراكامي فنصيحتي لمن يستطيع أن يقرأ هذه الروايات بالانجليزية أو أية لغة أخرى يجيدها لأن كمية التسطيح والأخطاء في الطبعات العربية شيء مقرف حقيقة.

مثال على سوء الترجمة هو ترجمة عنوان رواية “رقص .. رقص .. رقص” بهذا الشكل بينما الأصحّ أن يترجم “إرقص .. إرقص .. إرقص” بصيغة الأمر والفارق كبير لأن الأخير هو مضمون ما قاله الرجل الخروف (نعم، هذه شخصية اخترعها موراكامي ولاقت شهرة واسعة وأصبحت شخصية ثابتة في أكثر من رواية)

لبطل الرواية كطريقة لمجابهة العالم التخلص من التوتّر والصعوبات، لكن المترجم لم يُتعب نفسهُ كي ينتبهَ لهذه التفصيلة المهمة.

قراء هاروكي موراكامي:

– ينقسمُ قرّاء موراكامي إلى قسمين:

الأول يفضّل رواياتِهِ على قصصه القصيرة (وأنا منهم) والثاني العكس. هذه الحقيقة يُدركها موراكامي نفسه ويتكلّمُ عنها في إحدى مقابلاته.

هذا لا يعني أن قصصهُ القصيرة ليست جميلة لكني من أنصار القسم الأول.

– يقول موراكامي في إحدى مقابلاتِه القليلة جداً، فيما يخص قصصه القصيرة، أنه حالما انتهى من كتابة بعض تلك القصص كان يُدركُ أن القصة لم تنتهِ وأنه سوف يعودُ لها في المستقبل، بل إنّهُ وصفَ هذا الشعور وصفاً جميلاً حيث قال إنه يشعر أنّ قصصاً بعينها تناديه وتطالبهُ بإكمالها.

وهذا ما حدث فعلاً مع بعض قصصهِ القصيرة حيث تكرّر الأمر مع قصتين من قصصهِ إذا لم تخنّي الذاكرة (إحداها قصة الرجل والسباغيتي المذكورة آنفاً) فقد أدرجها موراكامي في سياق بعضٍ من رواياته التي كتبها فيما بعد كفصولٍ متكاملة دون الإخلال بسياق السرد.

هذه أيضاً إحدى مميزات هذا الكاتب الرائع حيثُ أن موضوع إعادة استخدام قصة قصيرة بأكملها (لاحظوا أنه لم يغير من القصة شيئاً ولم يستخدم اسم البطل أو صفاتهِ فقط بل أدرج القصة بأكملها كما كتبها أول مرة).

صعبٌ جداً ومغامرة قد تُضرّ بسمعتهِ الروائية لأنّ الموضوع أكبر من مجرد حشر قصة بشكل فجّ في إطار رواية مكتوبة بشكل منفصل بعدها لأنّ مثل هذا الأمر يتطلّبُ حرفيّة عالية تضمن استحضارَ مكنون الشخصية بكل صفاتهِا النفسيّة وحالتها السيكولوجية دون تغيير ومن ثم بناء الحدث الروائي الجديد حولها. كل ذلك دون الإخلال بأي شيء في الرواية.

أيضاً، من المعلوم أن القصة القصيرة هي بناء قائم بذاتِه مستوفي الأركان على صعيد الحدث وعلى صعيد الشخصيات وبالتالي فإن قدرة الكاتب على استخدامه في عمل مختلف الصفاتِ والشروط يُعتبر برأيي عملاً سحريّاً لا يُجيدُه إلا أمثال موراكامي وهم قليل.

دور النشر العربية وهاروكي موراكامي:

– لا توجدُ رواية لموراكامي إسمها “نُعاس”. هذه قد تكون قصة قصيرة من إحدى مجموعاته. المشكلة أن هذه “الرواية” المزعومة التي قامت إحدى دور النشر العربية بترجمتها ونشرها تسبّبت في عزوف كثير من القراء العرب عن موراكامي لأنها كانت سيئة جداً (لا أعلم أي القصص تحديداً لكن ربما كانت قصة من مجموعته “صفصاف أعمى، إمرأة نائمة”).

أذكرُ أنه كان هناك في هذه المجموعة تحديداً منشور قبل سنة ربما يتناولُ موراكامي بالسلب ويصفه شهرتهُ بأنها مبالغٌ بها وأنه لا يستحق كل هذا الضجيج وكيف أنه مشهور لأنهُ ليس عربياً بينما هناك الكثير من الكتاب العرب الذين هم أفضل منه.

طبعاً هذا الرأي غير المنصف كان بعد قراءة ذلك القارئ لرواية “نعاس” المزعومة وهذا أمرُ فيهِ ظلمُ كبير جداً ويوضّحُ خطورة الترجمات السيئة والمسؤولية التي يجب أن تتعامل معها دور النشر بجدية أكبر، خصوصاً في عالمنا العربي التعيس!

رحلة هاجيمي في رواية “جنوب الحدود، غرب الشمس” لهاروكي موراكامي:

بين المحسوس غرب الشمس، والـنفسي الـ كاثارسِس:

بالأمس أكملتُ قراءة هذه الرواية العظيمة للمرة الثانية وبالعربية هذه المرة بعد أن كنتُ قد قرأتُها بالإنجليزية قبل أكثر من أربع سنين، ورغم انقضاء كل هذه الفترة إلا إنني أزعمُ أن عالم هذه الرواية وما أثارتْهُ في مخيّلتي وما تركتْهُ من أثرٍ نفسيّ لم يفارقني طيلة هذه المدة فكان لا بد من قراءةٍ متأنية ثانية بُغية اكتشاف ما خَفيَ من جهة والاستمتاع بكل تلك اللذة مُجدّداً من جهةٍ أخرى.

قراءتي الثانية جاءت أيضاً بعدما استثارني سؤال من الأخت Muna Shukur حول نهاية الرواية وسؤالها عن رأيي في “من وضع يده على كتف هاجيمي في المشهد الأخير من الرواية”، وحيثُ أنّ القرّاء والنقّاد مختلفون حول الشخصيّة الأساسية في الرواية وهي شخصيّة شيماموتو.

قرّرتُ أن أقرأ الرواية مرة أخرى علّني أصلُ إلى رأيٍ يُرضيني أولاً وقد يقدّمُ تفسيراً مقبولاً لكل من شغلتهُ هذه الرواية الرائعة، ثانياً.

شخصية شيماموتو في رواية هاروكي موراكامي: حقيقة أم خيال؟

أكثر ما أصابَ القرّاء بالحيرة هو الموضوع أعلاه، حيثُ يقدّمُ موراكامي جميع الدلائل التي تُشيرُ إلى أن هذه الفتاة الغريبة كانت حقيقية ولم تكن خيالاً محضاً اختلقهُ هاجيمي لحاجةٍ نفسيةٍ، مثلاً قوله “غير أن هذا لم يكن وهماً.

حين عدتُ إلى البار، كان كأس وطفاية سجائر موجودين حيث كانتْ، وعقبي سجائر في المطفأة، على كل منهما أحمر شفاه خفيف.” وغير ذلك من أمور يذكرها قبل وبعد اللقاءات التي جرتْ بينهم، عدا حقيقة أن أحداث الرواية جميعاً تقوم على وجود شيماموتو بشكل حقيقي وفيزيائي كامل مما يعارِضُ الرأي القائل بعكسِ ذلك.

لكن موراكامي نفسه فيما بعد، يعودُ ليقدّم لنا دلائل أخرى معاكسة تقوّضُ كل ما قلناهُ سابقاً وتتركنا مذهولين دون أي تفسير منطقي مثل اختفاء مظروف النقود أو اختفاء أسطوانة أغنيته المفضلة التي كانت قد قدّمتها له في ليلة اللقاء الأخير!

هذا الأمر حفّزني كي أُعمِلَ ذهني وإذا، وفي لحظة تجلٍّ، بطائفٍ خاطف يزورني ليقترحَ رأياً ثالثاً في الموضوع، خلاصتُهُ العنوان الرئيسي لهذه المقالة أعلاه.وكي أوضّح أكثر، فأنا أعتقدُ أن شيماموتو كانت قطعاً حقيقية في المرة الأولى التي ظهرتْ بها في الرواية عندما كانوا أطفالاً في المدرسة.

عندها وقع هاجيمي في أسرها وتمنّى كل شيءٍ معها لكن ظروف كل منهما أدتْ إلى ابتعادهما، كل في خطّ سيره وقدره، دون أن ينساها للحظة لكنْ مع ذلك اكتفى باجترار الذكريات والتحسّر دون أن يحاول الاتصال بها لسوء تقدير أو سوء فهم للحالة وقتها.

هذا الألم وهذه المشاعر المعلّقة جعلتهُ يستميتُ في إيجاد بديل عاطفي ونفسي يعوضُهُ عن شيماموتو، حب حياته، فكان أن انجرف في علاقة مع إزومي التي لم تستطع أن تحلّ محل شيماموتو لا نفسيا ولا عاطفيا ولا جسدياّ. وهنا كانت البداية والنهاية في آنٍ واحد:

أقدم هاجيمي على مغامرة جنسية جسدية شهوانية مع ابنة عم إزومي. هذه العلاقة التي كان مقدّراً لها أن تُكشَف أدّت إلى تدمير إزومي ووشمِ روحها وحتى وجهها بأثرٍ مدمّرٍ لم تبرأ منه حتى النهاية،

أثرٍ كان من شدّةِ ألمهِ أن جعل هاجيمي يقول “ما لم أفهمه آنذاك أن بإمكاني أن أجرح مشاعر فتاة بشكل سيء لا تُشفى منه أبداً، وأن بإمكان المرء بمجرّد العيش أن يدمّر إنساناً آخر بشكل لا يُمكنُ إصلاحُه”.

لاحظوا جمال الصياغة وعمق الفكرة وقدرة موراكامي على تجسيد أية فكرة بشكل حسّي مؤلم أو مفرح بحسبِ ما تقتضيه الحالة.وهذه الحالة، تحديداً، ما تسبّب به هاجيمي لإيزومي من ألم مدمّرٍ غير قابلٍ للشفاء، هي السبب الرئيسي الذي جعلهُ، وهو في أواسِطِ عمره، يعيدُ شيماموتو إلى حياتهِ.

لكن هذه المرة في تقديري، كانت مجرد خيالٍ يطارده، خيالٍ كاد أن يقضي عليه وعلى كل شيء جميل في حياته، خيالٍ أوشك أن يقوده إلى هناك، إلى غرب الشمس حيث يموتُ فلاحوا سيبيريا بسبب حالةٍ نفسيةٍ مؤقتة تقود الفلاح الذي يدور في حلقة مفرغة في فضاءات الحياة الرتيبة في تُندرا سيبريا في رحلة نحو الغرب لا تنتهي إلا بالموت!

رحلة هاجيمي ورحلة “كاثارسِس:

وبينما أن رحلة فلاحي سيبيريا هي رحلة فيزيائية، فإن رحلة هاجيمي هي رحلة “كاثارسِس Catharsis” أي رحلة تطهير، نوع من الانتقام والتكفير عن الذنب Restitution.

حاولَ به أن يُنصِف إيزومي من خلال إسقاطِ ما تَصَوّرَهُ نفس نوعية الألم الذي تسبّب به ابتداء لتلك الفتاة المسكينة التي أحبّتهُ مثلما لم تحب أحداً قبله لكنه تركها جسداً محطماً ونفساً خاوية ووجها ذا تعبير يخافه الأطفال في الحارة ” لم يكن في وجهها ما يمكن أن تدعوه تعبيراً.

كلا، هذه ليست طريقة دقيقة للتعبير عن ذلك. ينبغي أن أقوله هكذا:

مثل حجرة أُخرجتْ منها كل قطعة أثاث وأزيل منها أي شيء يمكن أن تدعوه تعبير ولم يترك فيها شيئاً. لم يكن هناك أثرٌ لمشاعر في وجهها. كان وجهها مثل قعر محيط عميق، صامت وميت.

“رأيي هذا، أن شيماموتو هي قطعاً حقيقة أول الأمر لكنها خيال استحضره هاجيمي فيما بعد ليعاقب نفسه، ليس هكذا على عواهِنه، بل هناك أكثر من نقطة تؤيده، أسوقها أدناه:

– ظهور واختفاء شيماموتو العجيبين عندما كان هاجيمي في السابعة والثلاثين وفي قمة سعادته الأسرية ونجاحه الوظيفي، بمعنى عندما كان على قمة الهرم “ضحكت شيماموتو وقالت “عل كلٍّ، إلى الغد. وجاء الغد.

عندما استيقظتُ كنتُ وحدي والمطر قد توقف والشمس ساطعة وضوء الصباح يسطع عبر نافذة حجرة النوم. كانت الساعة تشير إلى ما بعد التاسعة. لم تكن شيماموتو في الفراش، وإن كانت كآبة ضئيلة على الوسادة بجانبي توحي أين كانت.

– بعد أكثر من سبعة عشر سنة، يستلمُ هاجيمي رسالة مجهولة تخبره بموت ابنة عم إزومي التي كان على علاقة جنسية معها، الأمر الذي تسبّب بكل ما حصل لإزومي بعد ذلك. نوعٌ من الانتقام ربما؟

– لا يبرأُ هاجيمي من شيماموتو إلا في اللحظة التي يرى بها صدفة إزومي في سيارة أجرة بعد تلك الليلة التي، جدلاً، جمعتهُ بشيماموتو ثم اختفت بعدها، مخلّفة روحاً حائرة هي روح هاجيمي، تهيم في الشوارع بحثاً عن حب حياته لكنه عوضاً عن أن يجده، يجمعهُ قدرهُ مع من تسبّب في موتها مبكّرا رغم أنها فيزيائيا لا تزال على قيد الحياة “بهذا الوجه عديم التعبير تماماً حدّقتْ بي.

على الأقل فكّرتُ أنها تحدّقُ بي. كانت عيناها مصوبتان نحوي، وإن كان وجهها لا يُظهرُ شيئاً، أو بالأحرى كان فراغاً مطلقاً. وقفتُ هناك كمصعوق دون كلمة. بالكاد قادر على حمل جسمي واتنفّسُ ببطء. للحظة أو لحظتين تحطم إحساسي بذاتي وذابت خطوطها الخارجية في فوضى عظيمة منسابة.

دون وعي مددت يدي ولمست نافذة العربة، نقرتُ الزجاج برؤوس أصابعي. لا أدري لماذا. جفل اثنان من المارة، توقفا وحدقا بي لكني لم أستطع مقاومة ذلك. لمستُ الوجه عديم الوجه عبر الزجاج. لم تُحرّكْ إزومي عضلة أو تطرف لها عين. هل ما تزال على قيد الحياة في عالم لا يومض؟ في عالم صامت خلف لوح زجاج، عاشت.

تحدّثتْ شفتاها دون حركة بأشياء لا متناهية عديمة المعنى. تغيّر الضوء أخيراً إلى الأخضر وتحركتُ العربة. لم يتبدّل جه إزومي حتى النهاية. تسمّرتُ في مكاني أراقبُ حتى ابتَلَعتْ موجةُ السياراتِ السيارة.”

– لحظة اللقاء هذه وما تسبّبتْ به من ألمٍ على المستويين النفسي والجسدي إلى الحذ الذي أوشك فيه هاجيمي أن يموت فعلياً، ثم كيف عادت له الحياة تدريجياً وبدأت الألوان تسري في العالم المحيط به بعدما كان كل شيء قد تحول إلى الأسود والأبيض.

هي نفس اللحظة التي بدأت ذكرياته عن شيماموتو تتآكل وتختفي تدريجياً وكأنه لم يكن ليستعيد حياته دون المرور بكل هذا الألم.هذه الأسباب والمواقف وغيرها تدعوني للأخذ بهذا الرأي الذي أجدهُ يخفّف من وطأة النهاية المفتوحة التي قدمّا موراكامي – كعادته – في هذه الرواية.

بقي أن أقول إنني أعتقد أن من وضع كفّهُ على كتفِ هاجيمي في آخر مشهدٍ في الرواية هي زوجته، زوجة هاجيمي الصبور التي أنقذته مرتين، لكن هذه حكاية لمقالة أخرى تتناول أمراً آخر في هذه الرواية وعن دور المرأة في روايات موراكامي إجمالاً.

0 تعليقات

    أترك تعليق