مراجعات وتحليلات روائية.(ج4) بقلم بلند الحيدري.


في هته الرواية سنقدم مراجعات وتحليلات روائية ل6 روايات هي كالتالي: 1/ رواية أشياء تتداعى لـ تشينوا أتشيبي, 2/ رواية كل شئ هادئ في الميدان الغربي لأريك ماريا ريماك, 3/ رواية وحدها شجرة الرمان, 4/ رواية بينما ينام العالم سوزان ابو الهوى, 5/ رواية مدبرة المنزل والأستاذ – يوكو أوكاوا, قراءة في 6/ روايات حجي جابر. نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ رواية أشياء تتداعى لـ تشينوا أتشيبي (كاتب نيجيري):

رواية أشياء تتداعى.

رواية مذهلة، تزخر بعبق أفريقيا وتأخذ القارئ إلى مجاهل هذه القارة المجهولة كي يعيش بين إحدى قبائلها ويتابع طقوسهم ويحزن لحزنهم ويخاف مما يخيفهم ..

تتطرق الرواية في المجمل إلى الحياة اليومية لعائلة بطل من أبطال القبيلة، ثم تتدرج في الأحداث حتى وصول الرجل الأبيض ..

لن اذكر ما يحدث بعد ذلك كي لا أحرمكم متعة القراءة … أما النهاية فهي شيء غير متوقع إطلاقاً … أنصح الجميع بقراءتها (238 صفحة من المتعة).

2/ رواية كل شئ هادئ في الميدان الغربي لأريك ماريا ريماك:

رواية كل شئ هادئ في الميدان الغربي

أذكر أنني مررت عرضا باسم هذه الرواية أثناء قراءتي لرواية أخرى قبل عشرين عام أو أكثر وظللت مذاك أحاول أن أحصل عليها وأقرأها دون جدوى.

حتى تفضل علي أحد الاعضاء مشكورا بنسخة PDF قبل فترة وأتممت قراءتها اليوم. أن تكون رواية عن الحرب وأهوالها فهذا أمر وارد وأن تكون الرواية جميلة فهذا وارد أيضا لكن أن يكون باستطاعة كل حرف في الرواية اثارة كل مشاعر المقت والحزن والأسى بسبب الحرب.

وأن يكون بمقدور الرواية أن تجعلك مع الجنود في الميدان تعاني مايعانوه وتكابد مايكابدوه، وأن يكون كل سطر في الرواية قابلاً الاقتباس، وكل هذا دون أن يفقد الكاتب حياديته وانسانيته (رغم كونه ألمانيا) فهذا هو الاعجاز الأدبي بكل عبقريته.

لربما لو أن الطغاة، عربهم وأجنبيهم، قرأوا هذه الرواية لما قامت حرب أبداً! من لم يقرأها فليضعها في مقدمة أولوياته.. أعصبوها برأسي وقولوا جبن بلند.

3/ رواية وحدها شجرة الرمان:

بالأمس أكملت هذه الرواية للروائي العراقي سنان أنطون، وما سأقوله هنا بالتأكيد سوف يغضب الأدمن الرائع ضياء فاخر، لكن الحقيقة وجدتها رواية ربما فوق العادية بقليل.

أسلوب الكاتب جميل ولغته سلسة ورصينة لكن ليس في الرواية ما يدهش على الإطلاق، وباستثناء براعته في وصف تغسيل الميت، فإن كل مافي الرواية من أحداث متوقع ولا يعدو كونه وصفاً لمآسي العراق اليومية.

لا أريد أن أطيل، لكن باختصار أعتقد أن الرواية Overrated كما يقال بالإنجليزية، وحقيقة لا تستحق جبال المديح الذي نالته. هذا رأيي الشخصي.

4/ رواية بينما ينام العالم سوزان ابو الهوى:

في بداية الرواية تتحدث سوزان في فترة نهاية الثلاثينات عن طفلين مريضين ، أحدهما الفلسطيني حسن المصاب بالربو و الذي منعه أبوه لاحقاً من اكمال دراسته رغم نبوغه ، لأن عليه وراثة الأرض التي ” خلفها له الإجداد ” و الثاني هو آري ، طفل يهودي ألماني هرب مع عائلته من أذى النازية بعد أن أصابته بعاهة في ساقه.

و آري دخل لاحقاً كلية الطب بتشجيع من عائلته … تنقل سوزان الحوار التالي :

” قال آري : الوضع سيء جدا يا حسن ، لدى الصهاينة كميات كبيرة من الأسلحة ، لقد جندوا جيشاُ هائلاً من اليهود الذين يصلون يومياً عبر السفن ، أنت لا تعرف كل شيء يا حسن ، لديهم عربات مدرعة ، بل و طائرات …تفحص حسن الأرض الزراعية التي يفترض أن يرثها ذات يوم.

و قال لنفسه ” يبدو أن المحصول سيكون جيداً هذا العام “كان الصهاينة يفكرون للمستقبل و يخططون بشكل جماعي ، و كان العرب يفكرون بالموسم السنوي و يفكر كل بنفسه …..و لكن هل كان هناك فعلاً تشابه في ظروف العرب و اليهود فترة الثلاثينات !!!

5/ رواية مدبرة المنزل والأستاذ – يوكو أوكاوا Yoko Ogawa:

ليست هناك أية غرابة في أن نقرأ عملاً واقعياً مستنداً إلى أية مشهد حياتي معين أو فكرة محضة لها ارتباط بالفلسفة أو الحب أو التاريخ أو غيرها من السياقات التي ترد فيها الروايات عادة فهذا هو أساس الأدب الواقعي.

لكن الغرابة كل الغرابة أن تبنى الرواية على علم مثل الرياضيات بحيث تكون المسائل الرياضية الغريبة هي المدخل والمحرك الرئيسي للاحداث وبطريقة لها دلالات وارتباطات عاطفية وليست موظفة توظيفاً بوليسياً لخلق وحل الألغاز مثلاً، حتى لكأن الرياضيات شخصية إضافية مستقلة حالها كحال باقي الشخصيات الأساسية في الرواية.

الأغرب من هذا – رغم كونه منطقياً مبدئياً – أن كاتبة الرواية هي عالمة رياضيات شغوف بهذا العلم شغفاً جعلها تسثمر عبقريتها في مجالها كمدخل للولوج إلى عالم الرواية وتحقيق شهرة معقولة داخل اليابان وربما خارجها أيضاً.الرواية في 214 صفحة من المتعة والـ “يابانية” (ما أسميه أنا الـ Japanism) بكل خصائصها.

من غرابة الفكرة، إلى عناصر العزلة والوحدة التي تكاد تكون السمة الغالبة على الأدب الياباني بجميع أجناسه الأدبية رغم تفرد كل كاتب ياباني بإسلوبه حتى لكأن كل كاتب ياباني هو نسيج وحده رغم نشاته في نفس البيئة واستخدامه لنفس المؤثرات الحسية والصورية وحتى الحركية ربما.

وهذا ما قد يكون عاملاً مميزاً للأدب الياباني وباباً خاصاً لتفرده على عكس آداب البلدان والثقافات الأخرى. أعداد طبيعية ومعادلات رياضية وامرأة وطفل وأستاذ رياضيات والكثير من البيسبول. هذا هو كل ما احتاجته أوكاوا لترسم كل هذا الجمال! إنه الأدب الياباني ياسادة.

6/ روايات حجي جابر:

عن الوظائف الأدبية في كتابات حجي جابر لايختلف القراء والنقاد على أن إحدى وظائف الأدب والأدباء بشكل عام هي التعريف بثقافات/شعوب البلدان المختلفة التي ينتمي إليها هؤلاء الكتاب أنفسهم، خاصة إذا كانت تلك الثقافات أو الشعوب ليست في بؤرة الضوء الأدبي العالمي أو محل تركيز “مزودي الخدمة الأدبية” العالمية.

سواءً كتابياً كالنقاد، أو تفاعلياً كالقراء، أو – وهذا هو العامل الأهم – تجارياً كدور نشر ومعارض كتب. من خلال “سمراويت” و “مرسى فاطمة” و “رغوة سوداء” وغيرها من كتاباته المبهرة، يوظف حجي جابر، هذا الكاتب ألارتيري ذو النشأة السعودية (بحكم السكن والتربية).

الكاتب حجي جابر ومميزات كتاباته:

فرشاته الأدبية – فهو برأيي يرسم ولا يكتب – للعب دور السفير لبلده المغمور أرتيريا على أجمل ما يكون السفراء وبأحسن صورة. فبينما يضمـّن كتاباته بعضاً من تاريخ أريتريا (حرب الإستقلال ضد أثيوبيا، الاحتلال الأيطالي، الشعبية، الوادي الأزرق، الأمم المتحدة .. الخ) التي لم أكن أعلم عنها شيئاً شخصياً.

تراه لا ينسى أن يغمر القارىء بوصف جذاب دون إطناب لمعالم المدن والأماكن في هذا البلد الأفريقي الذي يزاوج بين الأطياف والأعراق المختلفة من عرب و أحباش وأفارقة من غير أرتيريا وحتى ذوي أصول إيطالية وغيرهم، كما يجمع بين الديانات المختلفة:

الإسلام والمسيحية وحتى اليهودية.

* إضافة إلى كل ذلك، يحرص حجي جابر على إثراء النص بملامح اللغات واللهجات المختلفة للأماكن التي عاش فيها مثل التغرنيّة والأمهرية والسودانية والجداوية.

مثل هذه الأمور التي ترد في السرد الروائي يلعب دوراً مهماً وحميمياً في استثارة القارىء واجتذابه بشدة نحو التفاعل مع النص الراوئي لأنها تستثير المكامن العاطفية، خصوصاً لمن لديه خبرة أو دراية بتلك اللهجات، مما يساهم في استعادة ذكريات معينة تجعل الرواية قطعة أثيرة لدى قلب القارىء.

مثلاً، وكوني قضيت تقريباً ثلث عمري في اليمن، حيث يتواجد الكثير من الأثيوبيين والسودانيين والمغتربين اليمنيين في السعودية والقليل من الأرتيريين، فإن مفردات أمهرية مثل “قنزب يلم” أو “ورقت” والحديث عن الـ “فلاتا” والـ “هوسا” و “ياواد” و” ايش بك” وغيرها تستثير لدي مشاعر كثيرة من أعوام مضت وتجعل الصور والمشاهد تترى في مخيلتي.

كل ذلك تزامناً مع قراءة الرواية ولكم أن تتخيلوا مقدار المتعة التي كنت أشعر بها وأنا التهم الصفحة تلو الأخرى. * يركّز الكاتب الضوء على معاناة المهاجرين ولا يدخّر جهداً في تصوير المآسي التي يمر بها المهاجرون على اختلاف أعراقهم وخلفياتهم الدينية.

وهذه الثيمة تكاد تكون الثيمة الوحيدة التي تدور حولها روياته، لكنه يفعل ذلك بأسلوب سلس وجميل من خلال إضافة العنصر الجمالي الأول في العالم وهو المرأة. بعبارة أخرى، الأنثى / الوطن هي مركز الرواية ومنتهاها لدى هذا الكاتب الجميل.

* يوظف الكاتب نصوصه أيضاً لايصال مجموعة من الرسائل الضمنية التي تلعب دور الـ Subliminal messages في الأفلام بأسلوب غير مباشر ويترك للقارىء الحصيف التقاطها والتفاعل معها.

من ضمن هذه الرسائل موضوع معاناة الـ “مولّدين” في السعودية وعذاب تحديد الانتماء بين مجتمع ولدوا وتربوا فيه ولكنهم لا زالوا يعاملون كأجانب وأغراب، وبين بلدان لفظتهم ولم تستطع أن تعاملهم كأبناء شرعيين. مسألة النفاق الديني واستغلال الدين لمآرب اخرى هي أيضاً إحدى الرسائل التي يعرّض بها الكاتب دون إسهاب ودون أن ينحرف بالنص إلى غير مآربه.

هناك أيضاً الكثير من الأمور الأخرى التي يتطرق إليها الكاتب غير التي ذكرت طبعاً، ولكم أن تكتشفوها بأنفسكم وتشاركونا بها.*

الـ Intertextuality في كتابات حجي جابر:

رغم أن رواياته تدور في أكثر من مكان، لكن طابع الـ “أفريقية” وروح أرتيريا التي يكتب بها هذا الراوي الرائع يمنح القارىء شعوراً بارتباط الروايات فيما بينها مهما تعددت أسماء الأبطال وحبيباتهم ونهاياتهم المأساوية غالباً، وهذه براعة أدبية ولغوية صعبة التحقيق، وهذه ملاحظتي الشخصية كقارىء ولا يعني أن الكاتب عمد إلى هذا عن قصد.

فـ “سمراويت” هي بالنسبة لي نفسها “عائشة” ورحلة بطل رواية “مرسى فاطمة” من أرتيريا إلى السودان هي نفسها رحلة بطل “رغوة سوداء” من أرتيريا إلى أثيوبيا إلى إسرائيل في النهاية. بل إن جميع الروايات تبدو وكأنها أجزاء متعددة لرواية عظيمة واحدة تحت وسم “لاجئ”!

* رغم أن المقال يطول في الكلام عن جمال كتابات هذا الرجل، لكن إذا كان محمد عبد الولي اليمني – الأثيوبي قد قدم مبكراً معاناة الـ “مولّدين” كفئة مهمشة تائهة (راجع رواية يموتون غرباء التي يقال أن سعود السنعوسي اقتبس منها فكرة روايته ساق البامبو)، فإن حجي جابر يقدم هذه الثيمة ببراعة أشد وبتفاصيل وجرأة اكثر وباستخدامات متنوعة ومحترفة لمجموعة كبيرة من الأدوات اللغوية والتجارب الشخصية التي عاشها الكاتب نفسه.*

حاولت أن أجد هذه الروايات بأي لغة أخرى غير العربية لكن للأسف يبدو أنها لم تترجم حتى الآن رغم أني أعتقد أنها يجب أن تكون على قائمة دور الترجمة والنشر لنقلها إلى العالمية لأنها حتماً تستحق.

* ختاماً، نصيحة شخصية إلى جميع أقسام الأدب العربي والعالمي في جامعاتنا العربية، روايات هذا الرجل يجب أن تدرّس أكاديمياً لما فيها من دروس عظيمة على المستويين، اللغوي والوطني، والتي يمكن أن تساهم في إنتاج أعمال رائعة في بلدان عربية مختلفة.

0 تعليقات

    أترك تعليق