تحليلات روائية(ج3). بلند الحيدري.


في هته المقالة سنقدم مراجعات لأربعة روايات وهي: رواية صالح هيصة لخيري شلبي, رواية حرمة لعلي المقري, رواية فتيان الزنك لـ سفيتلانا أليكسيفيتش, رواية مدرسة الحرية – شيشي بونروكو. نتمنى لكم قراءة ممتعة وشكرا.

1/ صالح هيصة لخيري شلبي:

خيري شلبي.

يصْنَعُ خيري شلبي في هذهِ الروايةِ صُنْعَ الساحرِ: يُخْرِجُ من قبّعَتِهِ الصغيرةِ التي أسْماها “هيصة” في هذهِ الروايةِ “فيلاً” من فلسفةٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ لا يُتقِنُ الإِتْيانَ بِمِثلِها إلا عبْقريٌّ بِحَجمِهِ ومن طينَته.

الأحداث وبراعة الكتابة لدى خيري شلبي:

تبْدأُ الروايةُ بصورةٍ عاديّةٍ بلْ ربّما هي أقلُّ رواياتهِ تَسارُعاً وأكثَرُها غُموضاً من ناحيةِ البوحِ بالهدفِ المقصودِ والغايةِ المنشودةِ من العملِ بأكمَلِهِ، وكلّ من سبَقَ وأنْ قرأ لخيري شلبي يعلمُ أنهُ لا يُقرأُ بطريقةٍ سطحيّةٍ رغمَ سلاسةِ السردِ لأنّهُ دائماً ما يكونُ هناكَ وراءَ الأكَمةِ ما وراءَها لدى هذا الروائيّ العملاق.

غيْرَ أنّ هذا العملَ يختلِفُ نوعاً ما من حيث أنّ الأحداثَ تبدأُ كما ذكرْتُ ببطءٍ ودونَ تميّزٍ عدا ما تجودُ بهِ علينا الصورُ المتقنةُ التي خلَقها الكاتبُ وهو يَصِفُ دقائقَ وخفايا عمليّةِ التحشيشِ ووصفِ غُرَزِها ومُرتاديها وكلِّ ما يتعلّقُ بمزاجِها وشروطِها وكأنّهُ يحْتَرِفُ الأمرَ بنفسِهِ منذُ نُعومةِ أظفاره.

ثمّ، وبينما يقِفُ القارئُ منبهِراً بتفاصيلِ الأحداثِ على بساطتها، يرتدي الكاتبُ ثيابَ الساحرِ وبحركةٍ بارعةٍ ودونَ أن يُثيرَ لدينا أدنى رِبيةٍ، يُخرِجُ لنا الـ “فيل” من الـ “هيصة” التي سنكتَشِفُ أنّها على عبثيتِّها وسطْحيّتِها هي في الحقيقةِ اختيارٌ بارِعٌ ومقصودٌ أودَعَ فيهِ الكاتِبُ كلّ ما يُريد إيصالَهُ من آراءٍ ورسائِلَ على لسانِ بطلِ روايتِهِ “صالح هيصة”.

وكما أنّه اختارَ نفسَ الطريقةِ في روايتهِ العظيمةِ الأكثرِ شموليّةً “صحراء المماليك” من خلالِ إيداعِهِ سرّ الروايةِ في عنوانهِا، عادَ هنا ليكرّرَ الأمرَ ذاتَهُ مع فارِقِ أن السرَ جاءَ مجسّداً (personified) بشكلٍ كامِلٍ في شخصيةِ بطلِ الرواية.

تتكرّرُ في الروايةِ مسألةُ أخرى أثارَها في روايتهِ “صحراء المماليك” وهي مسألةُ الصراعِ على خلافةِ عبد الناصرِ ومحاولاتِ صدّام والقذافي المستميتةِ في هذا الشأن، كما في الاقتباسِ التالي:

– منين ياخد قرشين ومنصب؟!

– من العراق! في العراق!

– مش فاهم!

– يابيه أصل صدام حسين ف يالعراق بيعمل الهيصة.

هو الآخر عاوز يلحق الهيصة.

أنا أصلي شفته كتير أيام ما كان بيتعلم في مصر وأنا كنت ماسك النار وحجارة لاشيشة في قهوة في الجيزة, كان هو بيقعد عليها ما الأدباتية والساسيين.

أنا فهمته على طول وعرفت إن في دماغه شيطان كبير قوي. لقت الأيام وبقى هو رئيس العراق لكن العراق أقل منه في نظره. قال لك جمال عبد الناصر مات، أحل أنا محله بقى واحكم العرب.

عينه اتحطت على مصر. الصحفيين وكل الألاديش اللي كانوا تبع جمال عبد الناصر إتهيأ له ان هما اللي عملوا زعامة عبد الناصر.

بعت ناس تتفاوض معاهم عشان يشتغلوا له في العراق هتيفة ويزعموه. اللي صحفي صحفي واللي كاتب كاتب واللي أونطجي أونطجي ما يضرش. حياخدوا مهيات بالكيلة طبعا ……

” رجالة صدام نقوا شوية من البتاع ده عشان يروحوا يشتغلوا عند صدام. اللي صحفي واللي مذيع واللي استاذ جامعة واللي مش مهم يكون أي حاجة مادام حيسبح بحمد صدام ويشترك في الهيصة بتاعته”.

وكما أنّ الكاتِبَ يعرِضُ بعضَ الشخصيّاتِ التي تُريدُ “الهيصة”، يعرِضُ في المقابِلِ شخصيّاتٍ تَسْتَميتُ في سبيلِ مبادِئها وترفُضُ كلّ المغريَات، فها هو أحدُ أبطالِهِ يرفُضُ عقدَ عملٍ مغرٍ مع صحيفة الثورة في ليبيا رغمَ أنّهُ لا يَجِدُ ما يأكُلُهُ في مصر:

بصراحة بقى عايز أبعد عن الهيصة، ماليش في الهيصة.

مادام جريدة ثورة وما أدراك ما الثورة! أنا ما أعرفش أعمل هيصة ومش عاوز ألحق الهيصة.” …… “عندي أزنكاريا من المثقفين العرب كلهم. اللي بعيملوا هيصة عشان يلحقوا الهيصة. يروحوا يشتغلوا هتيفة. أنا إيه اللي يخليني أروح أشارك في صنع أسطورة زعامة جديدة؟ هي ناقصة؟

العرب كلهم ما استحملوش زعامة واحدة حيستحملوا تلاتة أربعة؟ ثم إنكم على علم بأن صدام والقذافي وياسر عرفات وزعوا المثقفين العرب على بعض عشان كل زعيم فيهم في دماغه هيصة كبيرة ويلزمه رجالة تعمل له أكبر هيصة وكل واح منهم طمعان ان الهيصة بتاعته تاكل الهيصة بتاع التانيين حتى لو كلفته ميزانية قارون.

صحف تنطق بلسانه في كل البلاد، إذاعات، تليفزيونات، كتب، ندوات، أقلام، مسرحيات، كل المثقفين سابوا مشاكل بلادهم الحقيقية وانشغلوا بتربية وتسمين الزعامات.

“.وباستِثناءِ عبد الناصر، لا يكادُ يسلَمُ أحدٌ من نقد الكاتبِ بل أنّ أنور السادات وسياساتِه ضيفٌ دائمٌ ف معظمِ أعمالِ خيري شلبي، فهو ينتقِدهُ بشدّةٍ ويحمِّلهُ مسؤوليّةَ العديدِ من الكوارِثِ السيّاسيّةِ والاقتصاديّةِ التي عانتْ منها مصر، وحتى لو سلّمنا بأنّهُ ليسَ من الضرورةِ أن تتكلّمَ شخصيّاتُ الرواياتِ بلسانِ كتّابِها أو تعبّرَ عمّا يعتقدونَهُ بالضرورةِ.

تكرارَ الأمرِ في رأيي له دلالةٌ واضحة. خذوا مثلاً ما يقولُهُ على لسانِ صالِح هيصة بشأن ذهابِ الساداتِ إلى إسرائيل “ما هي طققان بطققان خلاص بقى كل واحد تطق في دماغه حاجة يعملها. طب وعيالنا اللي ماتوا دول؟

طياراتنا اللي اتدمرت في أنشاص من قبل متحارب؟ ده في عيال لسه ما رجعتش من سبعة وستين! طب ومدرسة بحر البقر؟ حد فيكم يرد يا جبنا.”

وحتى الشيوعيّون ينالُهُمْ نصيبٌ “مجموعة من الماركسيين المنعزلين عن الناس كالجيتو اليهودي وإنهم لا يفهمون طبائع الشعب المصري وربما كانوا مجرد عملاء للاتحاد السوفيتي.

قال كلاماً كثيراً من قاموس الغرزة مؤداه أن الماركسيين جميعا في العالم العربي كله يعملون الهيصة حيث كل واحد منهم في هيصة من أجل أن يلحق الهيصة وبعد طول عناء قد لا يلحقها, لأن هيمنة الاتحاد السوفيتي نفسه انتقلت من المتاجرة بأوجاع وأحلام الفقراء المطحونين في العالم إلى المتاجرة بمصير البشرية في سباق نووي مجنون مديرا ظهره لمستقبل الطبقة العاملة ولمستقبل جميع الطبقات في الأرض, بات مجرد وجود عسكري صرف جاثم على أنفاس الكرة الأرضية.

وكل من سافر إلى روسيا شهد بعينيه أن الامور التي شقيت شعوب الاتحاد في جمعها ينفقها سيادته على حرب الفضاء تاركا أهله في أوضاع غاية في السوء ما بين الجوع والقمع والقهر في القبضة الحديدية.

“ومن الواقِعِ المُعاشِ، يأبى الكاتبُ إلا أنُ يَسْتَشْرِفَ المستقبل وكأنّهُ ينظُرُ إلى أيامِنا هذه “عشان يضم لها مصر والعرب ويجيب خراشوف يعمله شيخ أزهر وبادجورني يمسّكه مكة والحرم الشريف وياخد شيخ الأزهر يعمله رئيس الكرملين” ………

“حياة البري كان لها رأي في مسألة إعادة اكتشاف العرب كقوة جبارة تملك الطاقة والمياه والأرض الخصيبة والمعالم السياحية النادرة والمعادن المخبأة في جوفها إلى يوم معلوم لا يعلمه سوى العدو الأزلي الذي يقبض دائما على مصائرنا.

من رأيها أن هذا الاكتشاف المزعوم لن يتم مطلقا طالما بقي العرب مصابين بداء السلطة وعشق المريسة والإمارة. سيظلوا (هكذا في الأصل والأصح سيظلون) أبد الدهر يعيشون في ركاب القوى الخارجية التي تمكن كل قرصان فينا من الإمارة وما أكثر القراصنة المتسعدين للتسلطن حتى وإن وعوا بأنهم مجرد خفراء وأدوات قمع.

“الروايةُ أيضاً تضَعُنا أمامَ تساؤلينِ أو فكرتينِ، الأولى عن اليهودِ وإسرائيل “أجعل البطل اليهودي فلسطينياً وأجعله يتعرض لنفس المحنة وأحداث التعذيب والتشريد ولكن من القوى النازية الجديدة:

اليهود الصهاينة الذين هم الأصل والجذر في الأفكار النازية فالواقع أن أسطورة الجنس الجرماني الأرقى لم تنشأ في حقيقة أمرها إلا لمواجهة أسطورة شعب الله المختار التي استعلى بها اليهود على جميع الشعوب.

“والثانيةُ فلسفيّةٌ ترى إمكانيّةَ أنْ يكونَ صالح هيصة تياراً طليعيّاً حداثيّاً (في وقته)، فنجدُ الكاتبَ يقولُ عن مسرحيّةِ مدرسة المشاغبين التي كانتْ تُعرَضُ وقتها “أنها اكتشفت شيئاً غريباً جداً لم تكن تلحظه من قبل هو أن سعيد صالح وعادل إمام بالذات فيهما لطشة شريعة لكنها واضحة من شخصية صالح هيصة التي سرها أن تعرفت عليها جيدا.

قمر المحروقي إذن ليس هو الوحيد المتأثر بصالح هيصة. هي في الواقع لا تدري إن كان صالح هيصة قد أصبح تياراً جديداً كاسحاً يؤثر في جيل بأكمله أم أن المتأثرين به هم الذين شكوا (كذا في الأصل وأعتقد الأصح شكلوا)

ما يمكن أن يكون تياراً سيما وأن جميع ممثلي الكوميديا على إطلاقهم في بلادنا يشتغلون على شخصية العبيط أو المستعبط أو الذي بيسوق العبط على الهبالة لكيلا يلتزم بأي قانون. إنهم يتكلمون مثل صالح هيصة، يرددون بعض طرائفه، يفكرون بطريقته على المسرح”.

وفي الأخيرِ، يُلخّصُ خيري شلبي كلَّ شيءٍ يُريدُ قولَه في التالي “كل واحد من دول في هيصة، عامل الهيصة عشان يلحق الهيصة اللي حيشتروها بدم عيالنا. يلا يا كحيانين ياولاد الوسخة. بتنصبوا علينا بقالكم خمسة وعشرين سنة باسم الثورة وتحرير الأرض وقضية فلسطين (أتساءلُ عمّا كانَ سيقولُهُ الكاتبُ لو أنهُ معنا الآن!) .. إلْحَقْ .. فاكرينا مصدقين؟

طب نصدق الحرب اللي حصلت دي كلها ازاي؟ إلْحقْ! ولاد الناس ماتوا أونطه في أونطه عشان شوية مجانين كراسي يفضلوا على الكراسي! هأوها .. إلحق!روايةٌ عظيمةٌ وروائيٌ من طينةِ الكبار، ألف هاء إنتهى.

2/ حرمة – علي المقري:

رغم محاولتها معالجة قضايا مهمة مثل معاملة المرأة في المجمتعات العربية – المجتمع اليمني خصوصاً – وقضية الجنس كتابو في المجتمعات الشرقية، إلا أن كل شيء في هذه الرواية فج ومبتذل ابتداءً من العنوان الذي رغم رمزيته المحدودة إلا أنه يكاد يقول كل شيء عن الرواية.

مروراً بكمية الكلمات السوقية المبتذلة المتعلقة بالجنس والتي ساق الكاتب العديد منها باللهجة اليمنية مما زاد من سوئها خصوصاً لمن يعرف اللهجات اليمنية أو عاش في اليمن مثلي، ثم انتهاءً بركاكة اللغة وكمية الأخطاء اللغوية الموجودة في الرواية.

الفكرة نفسها مطروقة مئات المرات والكاتب هنا لم يأت بجديد ولم يحاول حتى تقديم الفكرة بطريقة مغايرة تشفع له اختياره لها، بل أن كل مافي الرواية كليشيه cliché.

مثلاً، طريقة تصويره لازدواجية المتشددين دينياً ومشائخ الدين المزعومين، أو محاولات النساء والرجال التوفيق بين دينهم ودنياهم وغلبة الشهوة الدنيوية في نهاية الأمر، أو إعادة انتاجه – الكاتب – للمشهد الذي بتنا نحفظه جميعاً وهو مشهد صدام البنت مع والدها في لحظة معينة واكتشافه للحقيقة (لن أقول المزيد حتى لا أتسبب بكشف الأحداث لمن يود قراءة الرواية)

وغير ذلك الكثير. تحفل الرواية أيضاً بالكثير من المتناقضات على مستوى سير الأحداث وفيها الكثير من الاستسهال وعدم مراعاة ذكاء القارىء حتى أنني أستغرب كيف لكاتب كتب رائعة “اليهودي الحالي” بكل جمالها ولغتها وأحداثها وفكرتها أن يكتب عملاً مهلهلاً مثل “حرمة”.

باختصار هي رواية أخرى للنسيان رغم أن الكاتب قدير وموهوب دون شك.

3/ فتيان الزنك لـ سفيتلانا أليكسيفيتش:

سفيتلانا أليكسيفيتش

السؤال الوحيد الذي يتبادر إلى ذهن القارىء بعد الانتهاء من هذه الملحمة هو “كيف؟” كيف يستطيع إنسان ما أن يستمع لكل هذه القصص المأساوية دون أن يفقد عقله؟

كيف يستطيع كاتب أن يحتفظ باتزانه كتابياً بعدما يستمع لأهالي الجنود المكلومين الذين تقتلهم الذكرى في كل حين مذ فقدوا أعز ما يملكون؟

كيف يستيطع كاتب أن يستمع إلى كل ذلك دون أن يجن، بل إنه عوضاً عن ذلك يعيد صياغة كل شيء في شكل كتاب يتسع لوجهات النظر المتضاربة عن حرب روسيا في أفغانستان دون أن يظهر منحازاً إلى طرف ما، هو – الكاتب – الذي ينحدر من روسيا البيضاء أي أنه في الأساس جزء من منظومة الاتحاد السوفييتي الشيوعية؟

رغم أن الكتاب يندرج تحت نوع الكتب التوثيقية أو المذكرات غير المباشرة، إلا أن سفيتلانا من خلال امتلاكها لميزة عدم الانحياز وقدرتها على إيصال مشاعر المشاركين في الحرب أو أقربائهم، استطاعت أن تخرج بنوع جديد من الكتابة أو Genre جديدة بالإمكان تسميتها بـ Voices genre بمعنى أنها صوت من لا صوت له وهي الناقل والمعبر عن مشاعر ومآسي الاشخاص الذين يمثلون محور الكتاب (هذا الكلام ليس كلامي أو اكتشافي إنما نقلته بتصرف عن رأي ورد في مقدمة الكتاب أظنه للناشر، لا أذكر).

جماليات الكتابة لدى سفيتلانا أليكسيفيتش:

عظمة سفيتلانا تتمثل في قدرتها على إلتزام الحيادية التامة, بل وفي بعض الأحيان الانتصاف للقضية الأفغانية من خلال تكرار مايفيد بعدم جدوى تلك الحرب وسفاهة التفسير الذي كانت الحكومة السوفييتية تتبناه للدفع بشبابها في أتون محرقة حرب لا ناقة لهم فيها ولاجمل.

أيضاً ربما – وهذا رأي شخصي – تتجلى وجهة نظر سفيتلانا المعادية للحرب على أفغانستان من خلال وصفها الدقيق للحياة التي كان هؤلاء الشباب يتمنون أو يستعدون للاستمتاع بها ومقارنتها مع الحالة التي كانوا يعيشونها في الخنادق، مثلاً وصف الربيع في روسيا مقارنة بالأجواء الصحراوية التي كانوا يعيشونها في أفغانستان.

ثقة الكاتبة في نفسها تتجلى أيضاً في أنها خصصت فصلاً كاملاً في نهاية الكتاب لاستعراض ردود الأفعال التي توالت على الكتاب بعد نشره بما فيها أهالي الجنود أنفسهم الذين وجدوا أنفسهم في حيرة من أمرهم، هل أن أبناءهم كانوا أبطالاً وماتوا في سبيل الدفاع عن أرضهم الأم أم أنهم كانوا مجرد وقود لحرب طاحنة وجدوا أنفسهم فيها هكذا دون سابق إنذار؟

هذه الأشكالية مثلت محور الكتاب وبعده الفلسفي: كيف لأب أو أم إستلمت رفات ولدها في تابوت من الزنك ولم يسمح لها حتى بنظرة أخيرة على ما تبقى من جسد ولدها أن تتقبل فكرة أن ابنها لم يكن بطلاً وأنه مات هكذا في سبيل لا شيء؟

بالتوازي مع الوصف الدقيق لحالة الضحايا وأهاليهم والذي يشكل المحور الأساسي للكتاب، تورد سفيتلانا في أكثر من موضع قصصاً تعضد الرأي القائل بلا جدوى الحرب من خلال وصفها لحالة أهالي الجنود الروس الذين فقدوا معيليهم الوحيدين والطريقة التي كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تعاملهم بها وتنكر الجميع – بما فيهم المجمتع – لما قدموه من أجل الوطن الأم.

هذه القصص تضيف المزيد من الحزن والمأساوية على الكتاب الذي بالاساس لا يحتمل أي كمية حزن إضافية.شخصيا، ورغم الفارق في الجنس الأدبي إلا إنني لم أجد عملاً عن الحرب بمثل هذه العظمة إلا في روايتين:

كل شيء هادىء في الجبهة الغربية لأريك ماريا ريمارش و رواية الأحياء والأموات لقسنطين سيمونوف مع ملاحظة فارق أساسي، أن سفيتلانا نقلت روايات حقيقية جمعتها بعدة طرق بينما الكاتبان الآخران إستخدما خبرتهما الروائية لإنتاج نصوص سردية تستند إلى الواقع المعاش لكنها في النهاية من بنات أفكارهم.

4/ مدرسة الحرية – شيشي بونروكو:

رواية مدرسة الحرية.

قد يبدو العنوان مبتذلاً أو مباشراً نوعاً ما لكن القارئ على موعد مع رحلة مذهلة مليئة بالمفاجئات, تجمع بين المتعة والرسائل الضمنية المنتقاة بحرفية عالية والتي ترفع مكانة هذا العمل بين الأعمال اليابانية الأخرى وتمنحه العلامة الكاملة على ذات المقياس الخاص بعظام الروائيين اليابانيين من أمثال العبقري كاواباتا والمختلف ميشيما والساحر موراكامي.

كل في زمنه وإطاره الخاصين. ورغم أنه لا غرو أن كلمتي اليابان والإبداع يقترنان في معظم الأحيان وفي جميع النواحي – رغم الاعتراضات العديدة على كثير من العادات الاجتماعية والعملية – إلا أن مثار الدهشة هنا لا يتعلق بطريقة السرد أو بلاغته أو حتى بالأحداث بل إنه يتعدى كل ذلك إلى عبقرية من نوع آخر تتجلى في طريقة تقديم هذا الكاتب الرائع لأفكاره عن الحرية على شكل “طبق من الفواكه المنوعة”.

وعلى مستويات مختلفة تتراوح وتتبادل وظيفياً بين الـ Macro و الـ Micro كي تخلق لوحة شديدة السريالية رغم واقعيتها المستمدة من محلية طوكيو واليابان كإطار للسرد الزماني والمكاني.

لكنها تجتاز كل ذلك كي تكون رسالة للإنسانية جمعاء من خلال ربطها بيابان ما بعد الحرب العالمية الثانية ومقارنتها مع تقاليد عصر الـ Meiji والـ ٍTokugawa Shogunate وترميز الفوارق في تمظهرات حياتية – روائية بسيطة ظاهرياً، شديدة العمق في الحقيقة. تتخذ “الحرية” أشكالاً عديدة خلال سياق الرواية التي تبدو للوهلة الأولى رواية عادية عن شخص سئم الحياة الزوجية فأدار ظهره لها ببرود وانطلق نحو المجهول.

حيث يمثل طلب “كوماكو” زوجة “إيوسوكي” المفاجئ منه بالرحيل – مثال على الـ Macro والتمظهر الأول لفكرة الحرية سردياً – بداية الرحلة كي تتوالى بعد ذلك اقترانات “الحرية” بمظاهر حياتية مثل التقاط أعقاب السجائر – مثال على الـ Micro – أو الاستحمام عارياً أو مجموعة التغيرات (الـ ladyboys والشذوذ الجنسي والمخدرات وغيرها)

التي طالت المجتمع الياباني بعد الحرب، والتي دأب صديق “إيوسوكي” على تقديمها بصورة سلبية جداً ومن خلال دفع البطل للتجربة بدلاً عن الحديث حتى يكون الوقع أكبر تأثيراً.

تثير الرواية أيضاً العديد من الأسئلة لدى القارئ بصورة غير مباشرة حيث تجبرنا التساؤلات التي تعبر عن نفسها من خلال تصرفات البطل على التوقف عند كل حدث مهما صغر كي نتخذ موقفاً شخصياً إما بالقبول أول الرفض، وحتى نكتشف في نهاية الرواية أننا إما “أحرار” أو “في طريقنا إلى الحرية” أو “عبيد للواقع”، وهذا بعدٌ آخر تجبرنا الرواية على سبر أغواره شئنا أم أبينا.

رواية جميلة جداً تجمع بين الجمال الأدبي والرسالة الإنسانية وبطلها على غرابته سوف تجده يجلس معك في الغرفة كأخ أصغر حميم ثم تراه في الشارع كجامع للقمامة ثم ربما تراه هو نفسه في مكان عملك دون أن تشعر بغرابة ذلك إطلاقاً. تحيتي صديقي الجديد “إيوسوكي”!

0 تعليقات

    أترك تعليق