مراجعات وتحليلات روائية.(ج2) بقلم بلند الحيدري.


في هته المقالة سنقدم 4 مراجعات و تحليلات لروايات هي: رواية احدى عشرة دقيقة لباولو كويللو ورواية نايومي – ناعومي – Naomi لجونيتشيرو تانيزاكيبين, حجر الصبر للكاتب عتيق رحيمي والمرجومة للكاتب الاراني فريدون صاحب جم, نتمنى لكم قراءة ممتعة تحياتنا.

  • 1/ حجر الصبر – عتيق رحيمي.
  • 2/ نايومي – ناعومي – Naomi لـ جونيتشيرو تانيزاكيبين.
  • 3/ إحدى عشرة دقيقة لـ بالو كويللو.
  • 4/”المرجومة” للإيراني فريدون صاحب جم.

1/ حجر الصبر – عتيق رحيمي:

تأفل الشمس تستيقظ الأسلحة (صفحة 54), يقدم لنا عتيق رحيمي في رائعته هذه طبقاً من الـ “صبر” الأفغاني على طريقته المتميزة التي صيرته واحداً من أهم كتاب أفغانستان وأجملهم، ربما، فبينما تعج روايات الكتاب الأفغان الآخرين أمثال خالد حسيني بالأحداث.

تاتي روايات رحيمي – أرض ورماد مثلاً- مختزلة الأحداث، مكثفتها، قليلة الشخصيات لكن مع رمزية عالية ومكثفة نجدها في الاختيارات الذكية للكاتب في كل شيء بما فيها مؤثرات الصورة الحسية والحركية للرواية، وليس عنوان الرواية الذكي الذي سيكتشف القارىء معناه قبيل انتهاء الرواية استثناءً من ذلك.

  • ذكاء الكاتب عتيق رحيمي:

يتمثل ذكاء الكاتب وقدرته الخلاقة أيضاً في أكثر من موضع في الرواية وعلى أكثر من صعيد. مثلاً، إختار الكاتب تأنيث الوطن والصبر وتقديمهما في صورة إمرأة أفغانية صبور بدلاً من تقديمهما – الوطن والصبر – بصورة ذكورية مطابقة لأقسام الكلام التي تنتمي لها هاتين الكلمتين لغوي.

في رأيي المتواضع كقارىء أن هذا متعمد لإضفاء صفة التعظيم على هذين الشيئين، بالإضافة إلى محاولة ضمان تقبل القارىء للفكرة كون المرأة معروفة عموماً بقدرتها على الصبر أكثر من الرجل، ناهيك عن مقدار التعاطف الذي تستجلبه المرأة مقارنة بالرجل.

ورغم أن الوطن لايرد بصفة مباشرة في الرواية إلا من خلال الخلفية الزمكانية المصاحبة للرواية، إلا أنه يتمثل في كل ما تقوله وتعانيه بطلة الرواية حتى لكأن الكاتب أراد للمرأة أن تتمثل الوطن والصبر في آن واحد.

  • الأحداث في رواية حجر الصبر:

أما على صعيد الأحداث، فقد حرص الكاتب على تكثيفها كلها رغم قلتها خلال الزمن القصير للرواية والذي هو بدوره قصير جداً لا يتعدى ليال قليلة لكنها مفعمة بكل ما يعمق المغزى الحقيقي للرواية في ذهن القارىء.

ساهم في ذلك توقيت كشف الأحداث بطريقة تدريجية عند الحاجة من خلال ذكريات بطلة الرواية ومصارحتها بالأسرار التي قضت عمرها تكتمها عن زوجها.

هذه الذكريات تصاحبها أحداث جانبية وظفت لاستثارة مكامن الضعف لدى الزوجة بشكل يجبرها على “إراقة” كل ما كانت تحتفظ به لنفسها حتى يوم مماتها.

تقدم الرواية صورة قاتمة عن أفغانستان أيام حرب الـ “اخوة” دون تزويق ودون فذلكات من خلال بطلة الرواية التي هي الشخصية الوحيدة في الرواية.

يقودها الكاتب بعبقرية فريدة دون الاعتماد على شخصيات أخرى لسد أي فراغ محتمل وهذا نوعاً ما يشكل مجازفة لا يقوى عليها إلا كتاب عظماء من فئة عتيق رحيمي. هذه المجازفة الروائية لا يشابهها سينمائياً إلا أداء Tom Hanks في فلم Castaway، ربما!

2/ نايومي – ناعومي – Naomi لـ جونيتشيرو تانيزاكيبين:

النون والياء يقع محورا الرواية:

الأول هو الظاهري الذي يصور حياة امرأةٍ مجبولةٍ على الخيانة، والثاني العميق يصور ظاهرة انبهار اليابان وشعورها بالنقص تجاه كل ما هو غربي من خلال قصة حياة بطلة الرواية والأحداث التي تعيشها وتتسبب بها.

هذه الدونية والرغبة في التغريب التي لطالما شكلت معضلة اليابان المعاصرة خاصة نهايات عصير الميجي (عصر التنوير) بين رافضٍ ومشجّعٍ لم تنتهِ حتى بعد انتصار اليابان على روسيا أوائل القرن العشرين والذي كان أول انتصارٍ رسمي ضد قوة غربية عظمى.

تمثل هذه الثيمة أساس الرواية التي يعتبرها النقاد من أوائل الأعمال التي تعرضّت لموضوع الـ مو-جار Moga وال موبوي Moboi (الفتاة العصرية والفتى العصري بالتسمية اليابانية المحرفة عن الإنجليزية Modern Girl & modern boy لأسباب تتعلق بسهولة اللفظ).

وموقف المجتمع الياباني من تلك الظاهرة التي بدأت بالظهور أوائل القرن العشرين وتمثلت بتقليعات الشعر الغربية وكذا الملابس. بالإضافة إلى تصرفات الفتيات تحديداً اللواتي بتن أكثر استقلالية وتحرراً مما كان متعارفاً عليه في اليابان (نشرت في عام 1924).

أما عن الرواية نفسها، فتخيّل معي أنك تحبُ امرأة رغم خياناتِها المتعددة لك لكنك لا تستطيع منها فكاكاً حتى أنك تتوسل أحد عشاقها – نعم أحدهم فهم كثير – كي يقنعها أن تعود لك!

تخيل أنك تعلم أنك بسبب هذه الفتاة يابانيّة الأصل، غربيّة التفاصيل، قد أصبحت أضحوكةً للجميع لكنك رغم هذا لا تستطيع أن تتخلّص من إدمانك عليها.

تزخرُ الروايةُ بالعديد من المقارنات مع الغرب في معظم النواحي خصوصاً ما يتعلق بالعادات والتقاليد، لكننا لا نستطيع أن نخمّن موقف الكاتب منها برغم إيراده لكل ذلك في نطاق المدح (وصفه لمعلمة الرقص الروسية مثلاً أو كلامه عن الطبيعة الجسمانية للفتيات اليابانيّات أو تفضيل “نايومي” لكل ما هو غربي سواءً في السكن أو الملبس أو غيره).

تستمر الرواية في عقد المقارنات مع الغرب والحياة الغربيّة وتحفَلُ بالعديد من المفاجآت من خلال سردٍ ممتع ومكثفٍ، ولا ينتهي القارئ من أحداثها حتى بعد الانتهاء من قراءتها وقد تتسبّبُ بالحزن والغضب الشديدين من بطلة الرواية الخائنة مقابل البطل المستكين الذي يضحّي بكل شيء من أجلها.

رواية جميلة جداً بل رائعة على أكثر من مستوى أنصح الجميع بقراءتها (لا أعلم إن كانت تتوفر لها ترجمة بالعربية لأني قرأتها بالإنجليزية).

3/ إحدى عشرة دقيقة لـ باولو كويليو:

باولو كويليو.

كعادته، يتحفنا كويللو بطبق خفيف وشهي على طريقة السهل الممتنع وبإسلوبه الشيق ذي اللمسة الروحانية – الخيالية الذي يجعل القاريء غير قادر على مفارقة الرواية رغم بساطتها.

  • أحداث رواية إحدى عشرة دقيقة:

تأخذنا الرواية مع “ماريا” بطلة الرواية اليافعة ذات الثلاثة و العشرين عاماً في رحلتها من البرازيل إلى سويسرا وكيف انتهى بها الحال للعمل في الدعارة والمواقف التي صادفتها منذ يوم وصولها إلى آخر المشوار.

يفعل كويللو كل ذلك دون أن يسقط في فخ النمطية والتقليدية حيث إنه لا يسرد التفاصيل أو المواقف بطريقة عادية ولا يتناولها من زاوية النظر المعتادة التي دائماً ما تدور في دائرة الظروف والأسباب ومحاولات التبرير ولوم المجتمع.

على العكس، هو يتناول ويقص قصة الفتاة من منظور آخر ويتكلم عن الجنس بطريقة مغايرة تماماً.

إستمتعت بالرواية جداً و كنت أهرع إلى البيت نهاية كل يوم عمل كي أعرف ماذا حصل لماريا وكيف ستنتهي مغامرتها.

ملاحظة: لا انصح بقراءة الرواية لمن لا يستسيغ المقاطع الجنسية، لأنها تحتوي على بعض المشاهد التي قد لا تعجب البعض رغم أنها في رأيي لم تكن بفجاجة بعض الروايات العربية التي تناولت موضوع الجنس، ربما السبب في ذلك أني قرأتها بالإنجليزية وليس العربية.

4/”المرجومة” للإيراني فريدون صاحب جم:

رواية المرجومة.

لا غرابة في أن هذه الرواية تحولت إلى فلم سينمائي لأن لديها كل عوامل النجاح ولا غرابة أن كاتبها اضطر لمغادرة إيران “الخمينية” إلى منفاه في فرنسا كي يموت قبل أن يرى نجاحها.

كما هو الحال مع الكثير من الكتاب الإيرانيين المعارضين لنظام الملالي القمعي الديني المزيف، يستعرض فريدون في روايته الرائعة والمؤلمة في ذات الوقت حياة فتاة إيرانية جميلة في إحدى قرى إيران الجبلية بدايات الثورة “الإسلامية” التي قلبت إيران رأساً على عقب وحولتها من دولة مفعمة بالحياة إلى جحيم يحرق كل من يعارض النظام.

تمر ثريا بذات المراحل تقريباً، من شابة جميلة يطمح إليها كل رجال القرية إلى صاحبة النهاية المأساوية التي يذكرها العنوان! أدناه بعض الـ “لوحات” من الرواية:

  • ثنائية الموت / الحياة:

لقطة رائعة يصورها الكاتب عندما تصل جوقة من المهرجين لأداء بعض الألعاب الترفيهية في القرية في نفس اللحظة التي توشك فيها عملية الرجم على البدء.

التصوير السهل الممتنع للحظة التي ينثر فيها المهرجون الحلوى ليجتذبوا الأطفال إليهم من جهةفي مقابل نفس اللحظة لكن من زاوية أخرى:

مجموعة من الأيادي الهمجية الغاضبة التي تتسابق لإنهاء حياة “ثريا”.

  • إختيار إسم أحد شخوص الرواية:

زوج “ثريا” والمتسبب في رجمها، ذلك الكائن النفعي الإنتهازي الحقود اللعين – قل ما شئت عنه – إختار له الكاتب إسم “غربان علي” ، وهو إسم حتى لو لم يكن مقصوداً من الكاتب، إجده مناسباً جداً للزوج لأنه بالعربية جمع غراب، وهو مرادف لكل ماهو سيء ومشؤوم، تماماً مثل الزوج.

  • رمزية رمي الحجر الأول:

إختار الكاتب أن يكون أول حجر يصيب رأس المسكينة ثريا من يد أبيها كي يضيف إلى المأساة مأساة وإلى الحزن حزناً، ثم يعمق هذا الشعور لدى القاريء من خلال تصرفات ولديها – الأكبر والذي يليه – طوال الأحداث المؤدية إلى الرجم وأثناءه.

  • رجل الدين المزيف:

سبب المأساة والمنتشي بلذتها. مرة أخرى يصور الكاتب بمنتهى الدقة رحلة رجل الدين المزيف الذي يقلب الحياة في هذه القرية الوادعة رأساً على عقب حال مجيئه، وكيف تظاهر بالدعة والمسكنة حتى اشتد عوده بسبب غباء الناس وتصديقهم الأعمى.

  • إمتطاء الأغلبية الجاهلة وتوظيفها:

لم يكن في القرية كلها إلا صوت معارض واحد وهو صوت العجوز “زهرة” خانم، عمة ثريا التي انتبهت إلى مقاصد رجل الدين ومآربه منذ لحظة وصوله لكن كالعادة، الغلبة للـ “أجهل”.

  • النهاية، بداية أخرى:

فقط عندما يعتقد القاريء أن الرواية انتهت بمشهد الرجم، تبدأ حكاية أخرى أكثر بؤساً (لن أذكر التفاصيل كي لا أحرمكم المتعة). يا إلهي.

  • الكابوس:

الرواية مبينة على قصة حقيقية شاهدها الكاتب بعينه – مع اختلاف التفاصيل طبعاً مما يجعل من الرواية كابوساً حقيقياً.

0 تعليقات

    أترك تعليق