مراجعات وتحليلات روائية.(ج1) بقلم بلند الحيدري.


في هته المقالة سنقدم مراجعات لثلاثة روايات, رواية آخر الملائكة لفاضل العزاوي, مخلية الخندريس للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن, النهر الفاصل لـ نغوغي واثيونغو, نتمنى لكم قراءة ممتعة.

1/ آخر الملائكة لفاضل العزاوي (1990):

فاضل العزاوي

سريالية المشهد وواقعيته في ذات الوقت, يرسم فاضل العزاوي في هذه الرواية بكلماته لوحة سريالية بكل تفاصيلها الدقيقة وكل مكوناتها الجمالية لكن مفارقات الواقع العراقي العنيد تفرض نفسها أيضاً وتطل بقوة من بين نفس الكلمات ومن خلال نفس الأدوات اللغوية والمكونات السردية التي يمسك بدفتها ربان الرواية المقتدر أيما اقتدار، ربما على عكس المتعارف عليه بين الروائيين العراقيين المعاصرين.

تتمثل سريالية الرواية في تجاور الصور المعقولة وغير المعقولة (juxtaposition)، كما هو حال كتابات الواقعية السحرية التي تنتمي لها هذه الرواية على ما أظن.

تجاور سلس دونما غرابة ودونما تأثير على سير الأحداث والمشاهد المتتابعة والمشاعر السحرية التي تتملك عقل وقلب القارىء الذي سوف يجد نفسه رغماً عنه تحت تأثير “نوستالجيا” حادة بسبب الحقبة التي اختارها الكاتب لروايته الفذة.

تدور أحداث الرواية في كركوك، محلة “جقور” تحديداً وتساهم أسماء الشخصيات التي اختارها الكاتب بعناية في تضخيم الشعور بـمحلية (domesticity) الرواية.

أسماء مثل “حميد نايلون” و “دده هجري” و ” الملا زين العابدين القادري” و ” خضر موسى” و ” قره قول” عدا عن أنها تحمل رمزية هائلة وتحيل إلى هويات مختلفة، فإنها تعزز المذاق المحلي لدى القارىء وتضيف نكلهة خاصة تناسب القراء ذوي الذائفة التواقة إلى هذا النوع من الروايات.

تحتوي الرواية أيضاً على العديد من مكامن الجمال ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

– قوة اللغة في كتابات فاضل العزاوي:

الرواية تخلو تماماً – بحسب رأيي المتواضع – من الأخطاء اللغوية نحوية كانت أو ما تعلق منها بالاقترانات مثلاً مما يجعل قراءتها في غاية السلاسة ومصحوبة بمتعة قل الحصول عليها من الروايات العربية عامة والعراقية خاصة هذه الأيام.

طبعاً، حتى إن كان الفضل في ذلك للمصحح اللغوي، وأنا أشك في هذه الحالة تحديداً، فإن ضعف المستوى اللغوي للكاتب كان يمكن أن يتضح من خلال نواح لغوية أخرى مهما كانت قدرة المصحح على التصحيح واكتشاف الأخطاء، لذا فأني أعتقد جازماً أن الكاتب متمكن جداً لغوياً وأن سلامة الرواية من الناحية اللغوية يعود الفضل فيه للكاتب وليس لأي شخص آخر.

– الواقعية السحرية في رواية آخر الملائكة:

أجاد الكاتب في دس المشاهد الخيالية بخفة ورشاقة ودون سابق إنذارمما يجعل القارىء يسلم بعقلانية المشهد دونما أدنى معارضة بل إن القارىء بعد عدة مشاهد من هذا النوع يبدأ باستشراف المشهد القادم طمعاً في المزيد.

حفيقة، لا أعرف من الكتاب المعاصرين من يجيد مزاوجة الواقع بالخيال بمثل هذه الطريقة مع الفارق طبعاً عدا هاروكي موراكامي، ملك الواقعية السحرية وساحرها الأبدي.

– الأسئلة الوجودية / الفلسفية:

يفاجئنا الكاتب على فترات متباعدة باسئلة فلسفية تتعلق بالحياة، الله، الدين، وغيرها من الأسئلة الأبدية التي تشغل بالنا جميعاً دون أن يفرض علينا رأيه، مما يساهم في تفاعل القارىء مع النص ويجعله يفكر في الرواية حتى بعد الانتهاء منها (interactive reading).

– الرمزية في رواية آخر الملائكة:

تمتلىء الرواية بالإحالات الرمزية المباشرة وغير المباشرة كما تشتمل على العديد من الهويات الفرعية التي تجعل الرواية – كما مكانها: كركوك – واقعاً عراقياً مصغراً بكل تناقضاته، حسناته وسيئاته أيضاً.

– استشراف المستقبل لدى فاضل العزاوي:

ببساطة، عندما تقرأ الرواية وتحديداً حادث تحول قره قول الساقط أخلاقياً ودينياً إلى ولي من أولياء الله بعد مماته، سوف تستحضر واقع العراق حالياً وكيفية “استحمار” الملايين باسم الدين والمذهب، والنتائج الكارثية التي تتبع ذلك. رواية ممتعة، قوية، بليغة، جميلة، غنية، مشوقة تستحق كل الإشادات والثناء.

3/ مخيلة الخندريس للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن:

مخيلة الخندريس

بالأمس أكملت قراءة هذه الرواية الجميلة – 106 صفحات – في جلسة واحدة حيث أنني لم أستطع أن أفلتها من يدي دون أن أكملها.

رواية سلسة، خفيفة على النفس، فيها ما بين السطور الكثير، وهي بعيداً عن معانيها الإنسانية الكبيرة، تمتاز بأسلوب شيق حيث أن الكاتب يتبادل دفة قيادة السرد مع شخوص الرواية بطريقة جميلة وغريبة في نفس الوقت.

الرواية أيضاً توجه انتقادات مبطنة للحكومة وتزخر بالكثير من المعاني الإنسانية الجميلة.

ما يستحق الإشادة ايضاً هو تمكن الكاتب من اللغة العربية دون تكلف ودون مبالغة ودون “تفلسف” وهذا يحسب للكتاب السودانيين بشكل عام، وهو عامل مهم بالنسبة لشخص “متعصب لغوياً” مثلي.

حيث أن خطأً نحوياً واحداً يسقط الكاتب من حساباتي حتى لو كانت فكرة الرواية جميلة جداً، وللأسف عدم الإهتمام باللغة العربية وعدم أخذ الوقت الكافي وبذل الجهد للتحقق من السلامة اللغوية للروايات من قبل الكتاب هذه الأيام أصبح سمة متداولة!أنصح الجميع بقراءتها .. التالي في ال “لستة”: وحدها شجرة الرمان .

4/ النهر الفاصل لـ نغوغي واثيونغو:

نغوغي واثيونغو

(عنوان الرواية باللغة الإنجليزية The River Between)واثيونغو. صوت كينيا ونافذة العالم عليها.هذه هي الرواية الثانية التي أقرؤها لهذا الكاتب الكيني العظيم بعد رواية تويجات الدم أو Petals of Blood والذي يعد من أعظم – إن لم يكن أعظم – الكتاب الكينيين الذين لولاهم لما تعرف العالم على كثير مما يخص هذا البلد الأفريقي ذي الثقافة الخصبة المتنوعة.

يكتب واثيونغو ببراعة شديدة تجعل القارىء يشعر بأنه في الزمان والمكان الذين يتحدث عنهما في الرواية بكل تفاصيلهما حتى لكأنك فرد في القبيلة التي يتكلم عنها أباً لذلك الطفل الهزيل، أو زوجاً لفانتة القبيلة، أو حتى مع جموع الواقفين الغاضبين الذين يرومون الاقتصاص من “واياكي” ثأراً للقبلية كما في هذه الرواية الرائعة.

مع هذا، يلزم التنويه بأن واثيونغو ليس للقراء قصيري النفس أو الباحثين عن المتعة السهلة السريعة فمثلاً تأتي رواية تويجات الدم في 400 صفحة تقريباً لكن القارىء لا يبدأ بالاستمتاع قبل الصفحة الـ 200!.

قد يكون السبب أني قرأتها بالعربية بترجمة سعدي يوسف ولم ترق لي إطلاقاً على عكس رواية النهر الفاصل التي قرأتها بالإنجليزية حيث كانت الترجمة ممتعة جداً، لكن الأمر تكرر في الرواية الثانية حيث أن الصفحات الأولى من الرواية القصيرة نسبياً تسبب نفس الحيرة والضياع لدى القارىء.

النهر الفاصل The River Between:

لكن الأمور تنجلي سريعاً ويدخل القارىء عالم الرواية المذهل بسرعة. عن الرواية إجمالاً:- ثنائية القبيلة (الوطن) – الرجل الأبيض (المستعمر):

كعادته، يكرر واثيونغو تقديم هذه الثيمة في هذه الرواية أيضاً كونها تشكل محور رواياته وأساس كل ما يكتبه عن كينيا.

الصراع هذه المرة يبدأ في التبلور عن طريق تقديمه بشكل رمزي من خلال قضية ختان المرأة كأساس للخلاف بين القبيلة التي تعتبره أصلاً لا نقاش فيه، وبين الكنيسة رمزاً للرجل الأبيض المستعمر الذي يعارض هذه العادة القبلية.

حادثة الختان الرئيسية بطلتها “ميودوني” ابنة “جوشوا” راعي الكنيسة الكيني الذي اعتنق المسيحية وبذا أصبح تابعاً للمستعمر كما يصوره الطرف الآخر القبلي بقيادة “كابونيي”.

  • رمزية العنوان:

ربما أراد واثيونغو باختياره لعنوان مثل هذا أن يرمز للصراع أو الشرخ الحاصل بين طرفي القبيلة

  • سيكولوجية المكان:

القرية مستغلاً بذلك جغرافية ورمزية الأرض التي تحضر بقوة في هذه الرواية ويوظفها الكاتب توظيفاً جيداً لإثارة ارتباط القارىء بأرض كينيا والتأكيد على أهميتها كرمز للانتماء.

  • السارد العليم:

معظم السرد في الرواية هو بتقنية السارد العليم وليس بالحوارات المباشرة على لسان الشخصيات الأمر الذي قد لا يروق للبعض.

  • نهاية الرواية:

ذكرتني نهاية الرواية بنهاية رواية “قصة مدينيتن” لتشارلز دكنز من حيث القوة والمشاعر الجياشة التي سوف تختلج في صدر القارىء حال الانتهاء من آخر حرف في الرواية.

لولا خشيتي من كشف التفاصيل وحرمان القراء من المتعة التي عشتها مع أحداث هذه الرواية لاسهبت في وصف الأحداث والشخصيات ولكن لأدع القراء يستمتعون كما استمتعت، فقط تذكروا هذه الشخصيات جيداً: واياكي – نيامبورا – ميودوني.

0 تعليقات

    أترك تعليق