قصة نصف تمرة.


أما لماذا اعتقدت أن الحارس كان متعاطفاً معي، فلسبب وحيد؛ أنه للمرة الأولى لم يفشّر ولم يشتمني. ناداني باسمي وأسرّني كأنه يودعني سراً:
ـ صلاح أنت رح تكنس السطح اليوم.


وقتها كنت منشغلاً بتنظيف المرحاض الجماعي. السطح.. يا إلهي.. من يعرف ماذا عنى لي السطح في تلك الدقائق وسط خنقة روائح المرحاض وأوساخه.. عنّى لي العالم، الحياة، الشمس، الهواء، كل شيء.. أي ترف هذا الذي سأكون فيه.. أنا محظوظ.

كان الوقت عصرية نهايات الصيف وبدايات حلول شمس الخريف بنسيمها المبلول بعذوبة ما كنا نسميه (العذيبي). أصعدني إلى هناك وأراني مكنسة من خوص النخيل كانت ملقاة على السطح. استنشقت الهواء وكان خالياً من روائح أجسادنا.

ملئت صدري به وأنا أحاول كتمان الزفير لئلا يتبدد ما أستنشقه. ثم مددت بصري إلى أبعد ما استطعت، علّني أحتوي بغداد كلها بتلك اللمحة. بهذا الارتفاع فوق الطابق الثالث من البناء، تجسدت أمامي خارطة بغداد. ذهبت عيوني لا إرادياً إلى حيث بيتي الكائن في أحد الأحياء الطرفية من المدينة.

أحاول تحديد منطقة سكني من علامات أعرفها، ابنية وجسور وشواخص أخرى كثيرة. ارتفع اصبعي أمام عيني ورددت لنفسي: “هناك”. لا أدري كم هي المسافة التي تفصلني عن الـ(هناك). بدت لي قصيرة. ويبدو أني دخلت في صفنة طويلة مستمتعاً بالهواء والشمس والنظر إلى (هناك)، قبل أن تصلني صيحة الحارس:
ـ اكنس ابن الكلب.


كنت قد نسيت الحارس. كأني وحيداً في ذلك المشهد الباذخ لبغداد المتمددة من حولي في الجهات الأربع. أخذت المكنسة وبدأت أكنس إنما أحاول إطالة العمل. لم أعد أشعر بوجود الحارس. لعله اختفى في ظل البيتونة. وفي زاوية من السطح عثرت على كنزي.

شاهدت شيئاً اسوداً. رفعته وإذا به نصف تمراية. لم تزل النواة عالقة بها بعد أن أتى النمل على نصفها الآخر. انتشلتها من بين براثن النمل المستريح من حولها.

تلفتُّ من حولي التفاتات متلصص عثر على كنز. كان الحارس في ظله. وضعت نصف التمراية في جيبي. لم أجرؤ على التلذذ بحلاوتها حالاً. قلت لنفسي؛ لا.. هذا شيء لا يؤكل قبل أن تتلذذ به حواسي الأخرى، النظر، اللمس، الشم، التخييل. صرت أكنس وأتحسس التمراية في جيبي وكأني استقطع لنفسي وقتاً للاسترخاء. ولما قرر الحارس إنهاء وقتي المستقطع من الجحيم وإعادتي إلى التابوت، كان الكنز في جيبي…

بقلم كريم قطافة.

0 تعليقات

    أترك تعليق