فلم لوسي وأسئلة الوجود الدينية والفلسفية.



لأحد أولادي (الأصغر)، اهتمام بأسئلة من نوعيات ثقيلة. يواجهني بها أحياناً من باب الدهرة، اللعين يبدو غير مقتنع بي تماماً. هو لا ينساق للتسليم بأي شيء دون أن يقتنع منطقياً. وهذا الأمر تشربه منذ الصغر عبر مناهج التعليم الهولندية. من اسئلته، سؤال اسميه أنا (السؤال الجوكر)، لأن من يجيب عليه ويكون مرتاحاً ومطمئناً لإجابته.

مؤكد سيجيب على كافة الأسئلة الأخرى. السؤال حسب صياغته هو:
ـ ماذا يوجد وراء كل شيء..؟

أنا ليس عندي غير جواب واحد، قلته له أكثر من مرة:
ـ سؤالك يحمل جوابه.. طالما انت تقول وراء كل شي.. إذن هذا الوراء هو اللا شيء.
لم يقتنع بهذا الجواب. أحياناً أحاول أخذه في رحلة قصيرة إلى دلالة سورة (الاخلاص) القرآنية. السورة التي يكررها المسلم كل يوم أكثر من عشرين مرة في صلاته، دون أن ينتبه لقوتها وفرادتها. ربما باستثناء المتصوفة من العيارات الثقيلة مثل (الحلاج وابن عربي والجنيد البغدادي والبسطامي وغيرهم…)

الذين استخلصوا من هذه السورة ومن غيرها فكرة في غاية الروعة رغم بساطتها (لا موجود غير الموجود). صاروا يبحثون عن الله (العلة الأولى) في دواخلهم، في وجودهم المادي بهدف الذوبان فيه.


لكن هذه الرحلة الصوفية تواجه مع الولد مطبات غير سهلة، أهمها اللغة، فلغته العربية ليست كاملة، ولغتي الهولندية (نص ردن) أما الإنكليزية فبعد أن اتت عليها الهولندية تحولت إلى (ربع ردن). بينما هو يجيد اللغتين الهولندية والإنكليزية إجادة كاملة مع عربيته غير الكاملة.


آخر مرة واجهني بسؤال مفاجئ وأنا أحاول توصيل فكرتي له، سؤال لم أكن مستعداً له، قال:
ـ هل شاهدت فلم لوسي..؟


أعرف أن لديه هوس في السينما، لم يفوت فلم جديد لم يشاهده. الصراحة، السؤال أربكني. من جهة أنا لم أشاهد فلم لوسي. لكني أعرف من هي لوسي؛ حاولت التذاكي لسبر غور سؤاله:
ـ قل لي أنت.. ماذا تعرف عن لوسي؟


ضحك، وقال قبل أن يتركني:
ـ الفلم حلو.. لكنه لم يقنعني بعد.. حاول أن تشاهده.. هو موجود في اليوتوب.


فرغت نفسي وقررت مشاهدة الفلم. وكانت الصدمة، أن الفلم يحمل كل الأجوبة التي لطالما تشدقت أنا بقولها له، وإذا هو لم يقتنع بالفلم رغم تقنيته الصورية والسردية العالية، إذن الآن عرفت لماذا أجد تلك المطبات في التواصل معه، الأمر لا علاقة له باللغة، بل بشيء آخر.. الولد يبحث عن إجابات غير مطروقة.


اما عن فلم (لوسي)، فلو أغضضت النظر عن الطريقة الهوليودية في الإخراج التي لا ترغب بغير (الأكشن) وعن الرسالة السياسية الضمنية فيه والتي تريد تصوير الصين والصينيين بوصفهم مصدر الشرور في هذا العالم، أقول لو تغاضيت عن هذا، فالفلم تحفة علمية جميلة ونادرة.


الفلم انتاج 2014 فرنسي ناطق بالإنكليزية ومترجم للعربية ترجمة ليست بجودة عالية. بطلته الشابة الجميلة (سكارليت جوهانسين) مع الممثل الفذ (مورغان فريمان). سأقصر الحديث عن الجانب العلمي فيه.


ملخص الحكاية يعتمد على فرضية قالها الممثل (مورغان فريمان) وظهر بدور بروفيسور يقدم نظرية لطلابه؛ تتعلق بتأثير القدرات العقلية الهائلة التي تكمن في مخ الإنسان وغير المستخدمة بعد. يقول: الإنسان لم يستخدم من قدراته الدماغية الكامنة فيه للآن أكثر من 10%، بينما الدلافين تستخدم 20% من قدرات أدمغتها.

ثم يقول؛ دعونا نتخيل كيف ستكون حياتنا إن تمكنا من الولوج إلى 20% من قدراتنا الدماغية. لأننا مع هذا المعدل سنكون قادرين على التحكم بكل خلية في أجسامنا.
يسأل أحد الطلاب: هل تم إثبات ذلك علمياً؟


يجيبه البروفيسور: لا، فإلى الآن تلك مجرّد فرضيّة، ولكن إن فكّرت في الأمر جيّدًا فستجد أن المصريين والهنود القدامى كانوا على علمٍ بالخلايا قبل اختراع الميكروسكوب.

هناك ما يقرب من المئة بليون خليّة عصبيّة لكلِّ إنسان، ونسبة المستخدم منها فقط 15%. داخل أجسامنا اتصالات أعقد وأكثر من الاتصالات الموجودة بين النجوم في مجرتنا. الحقيقة لدينا شبكة ضخمة من المعلومات لم نتمكن من الولوج إليها لحد الآن.


بهذه المحاضرة العلميّة المصحوبة بلقطات من الحياة الواقعيّة يبدأ الفلم، مازجاً بين نظريتين علميتين الداروينية والانفجار الكوني (بك بانك). تظهر لنا فتاة تبدو متهتكة ترتاد الملاهي، تسقط في براثن مافيا صينية تتاجر بالمخدرات. يستخدموها كناقل لمنتج جديد عملوا عليه في هون كونغ ويريدون إيصاله إلى فرنسا.

يخضعون الضحايا لعملية فتح بطن يدسون المنتج داخل جسم الإنسان. وكانت لوسي هي إحدى الضحايا. لكن يحدث أن جسدها لم يتحمل الجسم الغريب فينفجر هذا الجسم الغريب داخلها ويتسبب بفوضى في شبكة الاتصالات في جهازها العصبي. يجعلها تمر بكثير من الاحداث والمغامرات وفي الوقت نفسه تزداد قدراتها العقلية بالتطور.

يحدث عندها صعود في باروميتر الذكاء والاستخدام للقدرات الكامنة في الدماغ. تستطيع التنقل في حقول المعارف دون وسائط خارجية، معتمدة فقط على شبكة اتصالاتها العصبية- الدماغية.

ومع اقترابها من بلوغ المراحل النهائية من هذا التطور فإنها تمتلك قدرة على الانتقال بكلّ سهولة من الحاضر إلى الماضي، فتشهد خلال مسيرتها على تكوّن الحياة على الأرض، والتي يظهرها المخرج على أنها كانت مطابقة لنظرية داروين للتطور والنشوء، بحيث أنها في حقبة معيّنة تلتقي بالقِرْدة “لوسي” التي تَعدّها النظريةُ الداروينيةُ حلقةَ الوصل التطوريّة بين القِرَدة والبشر، ومن هنا جاء عنوان الفلم (لوسي).

لم يكن العنوان اعتباطياً، لأن (لوسي) تمثل النقلة الثانية من تطور البشر، كما كانت سلالة القردة تمثل النقلة الأولى في سلسلة التطور. ثم تتعرف لوسي على بدايات نشوء الكون، يظهرها الفلم أنها حدثت وفق نظرية الانفجار العظيم التي تؤكدها نظرية الفيزيائي الشهير ستيفن هاوكنغ، وأن اصول الحياة التي حدثت على الأرض إنما هي خلايا أولية حية كانت محمولة على متن نيزك سقط من الفضاء.


وفي لحظة التكامل العقلي، الأمر لا يتعلق الآن بـ20% بل بـ100%، يختفي جسد لوسي لتتحول إلى وجود عقلي مهيمن على عالم المادة، وحين يدخل رجل شرطة إلى الغرفة في اللحظة التي تختفي فيها “لوسي” ويسأل عنها، ترده رسالة فورية على هاتفه الجوّال؛ يقرأ فيها جواب “لوسي”: انا في كل مكان..!

كريم قطافة.

0 تعليقات

    أترك تعليق