سيرك ايطالي وحياة كاتب


عملت يوماً في سيرك إيطالي..!
من حسنات أو كفخات المنفى، أنه يوصلك إلى درجة من الروح الرياضية، تكون فيها مستعداً للعمل في أي عمل مهما كانت (دونيته) أو بتعبير أرحم (لا مقبوليته بالنسبة لك).

شاهدت عراقيين في المزارع الهولندية من أولئك الذين كانوا يأنفون في بلدهم من عمل الزبال وغاسل الصحون وصاحب البسطية الصغيرة، شاهدتهم لا يكتفون بكنس زبالة مكان العمل، بل يدخلون رؤوسهم وأجسامهم تحت المكائن وفي أماكن خطرة، لمجرد التقاط زبالة عالقة هناك.

رغم أن هذا غير مطلوب منهم، لكنه ضروري باعتقادهم لكسب ود وإعجاب السيد المسؤول (لقلقة مهنية). ويبدو لي السبب أنهم في المنفى البعيد يكونوا متخففين من خرافة (شتـﮕـول الناس).


في واحدة من هذه التفاصيل (اللامعقولة) بالنسبة لي على الأقل؛ في صيف 1982 وفي مدينة (تسالونيك) اليونانية؛ وجدتني وجهاً لوجه مع خيار العمل في سيرك إيطالي. وأنا لا لاعب جمناستك ولا مهرج ولا مروض أسود أو أي من حيوانات السيرك.

إنما في نزوة طيش في إحدى الليالي نفذت كل نقودي في جلسة قمار ووجدتني في الشارع بلا مأوى. التقطني بعد حين صديق معرفة من بغداد وأوصلني إلى صديق له، مصري يعمل سمساراً في توفير العمل لمن يدفع. وبعد أيام من التسكع والبحث عن عمل، أخذني المصري إلى (سيرك إيطالي) افتتح داخل المدينة منذ أيام:


– كريم باشا أنت مولود بليلة القدر. حتعمل في السيرك..
لا أدري لِمَ المصري كان يلح على مفردة (باشا) حين يحدثني ويكثر من استدعاء ليلة القدر إذا أراد وصف عمل لأحدهم.

قبلت وتمت الصفقة مع مدير السيرك الذي أعلمني أنهم بعد أيام سيرحلون عن هذه المدينة وطيلة فترة عقدهم (ستة أشهر) سيدورن على كل بلدات وقرى وجزر اليونان.. قبل عودتهم إلى إيطاليا.. “هل أنت مستعد..؟”
– هو ده سؤال؟


دخلت السيرك تلك الليلة كمتفرج. وشاهدت الذي كان يحدثنا قبل قليل هو في نفس الوقت (مروض الأسود) السيد كيتانو. عملاق بشوارب غليظة معقوفة للأعلى وأثر جرح غائر أسفل حنكه. هيئة مخيفة.

شاهدت العرض كله وخيالي متشابك مع بعضه؛ يا ترى أين سيكون عملي من هذه العروض المخيفة. سؤال آخر أكثر إلحاحاً؛ هل ساكون على مقربة من فتاة السكاكين..؟ قشطة إيطالية يسيل لها لعاب أمثالي القادمين من بلدان تُقمع بها تطلعات المراهقين. عارية إلا من لباس (ابو الخيط) وسوتيان صغير. تقدم فقرة من أكثر الفقرات رعباً.

تقف على لوحة فاردة ذراعيها على هيئة صليب السيد المسيح. وأمامها شاب جميل بأكسسوارات رعاة البقر. تظلم المنصة ويسلط الضوء عليهما. ومن على مسافة تقدر بخمسة أمتار على راعي البقر هذا أن يرسم جسد الفتاة بأحد عشر سكيناً. يرميها من مكانه على اللوحة. يرسم الساقين وما بينهما ثم يصعد إلى الخصر والصدر والذراعين والوجه لتأت السكين الأخيرة فوق هامتها مباشرة.

مشهد يحبس أنفاس الجمهور. مرعب. الحقيقة شعرت بالخوف عليها لأني عشقتها منذ الوهلة الأولى. ولكي تكتمل (ليلة القدر) المصرية. اختار لي السيد (كيتانو) أن أكون مساعداً لهذا الثنائي (أبو السكاكين). أجهز لهم طاولة السكاكين، ثم أنقلها وأعيدها خلال الظلام. مرتدياً بدلة عمل برتقالية. لاحقاً ستكون هذه البدلة هي ماركة سجناء غوانتناموا وكذلك ضحايا (داعش).


لكن، حين تأتي الأحلام بالمقلوب لا تملك غير أن تلعن حلمك. في الليلة الثالثة والأخيرة على أية حال لوجود السيرك ولوجودي به، وجدتني ألعن الساعة التي دخلت فيها السيرك. لأني علمت أن هذا الثنائي الجميل لهما قصة عشق طويلة عريضة هي مدار حديث سكان السيرك.

وكل ليلة قبل عرض فقرتهم نكون نحن الثلاثة في الكواليس. هما نازلان في بعض مص ولحس وقبل وهرس ودعس وكأنهم يمارسون أحماء لفقرة عرضهم. وأنا عليِّ الاكتفاء بسماع الآهات والتأوهات وكل هذا المشهد المهلك. الحقيقة حقدت على الشاب كما لو كان غريمي كما حقدت على السيرك كله.

في الليلة الأخيرة وكانت هي ليلة الرحيل. وبعد إنتهاء العرض المسائي، تحول الجميع إلى عمال، اللاعبون واللاعبات والاداريون مع العمال القليلين وهم جزائري واثنين من الفيليبين وأنا العراقي التائه. وما هي إلا ساعة زمان حتى تحولت خيمة العرض المهولة في حجمها وبكل ما فيها إلى أجزاء محمولة داخل شاحنات.

واصطفت الشاحنات الطويلة التي تحمل الأسود والفيلة والدببة والقردة والكلاب في مؤخرة الرتل. وكان عليَّ الركوب إلى شاحنة (الأسود). وكان كل توقعي أن الذي سيقود شاحنة الأسود، ما هو إلا (كيتانو) المخيف نفسه.
تجاوزت الساعة منتصف الليل والظلام مدلهم وبدأ الرحيل. وإذا بسائق شاحنة الأسود هي القشطة نفسها.

ولزيادة الطين شوية سيان بالنسبة لي، مررنا بمنطقة جبلية وعرة جداً جعلتني أنخلس تماماً وأتيه حتى المفردات الإنكليزية القليلة التي أمشي بها حالي داخل السيرك.. داخلني رعب وإحساس قاس من قرب النهاية في واد من هذه الأودية العميقة مع الأسود.

أما القشطة فكانت مستمتعة حد الصراخ وكأنها في حلبة رقص داخل السيرك.. تقود الشاحنة وهي تصرخ وتضحك على من يقود الشاحنات الأخرى التي قبلنا وبعدنا.

حالة أوصلتني إلى حد الغوص بشعور سلبي وحقير من احتقار الذات. أنا عينة لثقافة يجد فيها الشاب من أمثالي مجرد جلوس المرأة خلف المقود إثارة ما بعدها إثارة.. كيف وهو برفقة لبوة تقود شاحنة أسود على طرق جبلية..؟ تحول أسمها الآن من قشطة إلى لبوة..
– يا كريم باشا.. اشرف لك تفلت..
وفلتُّ في أول محطة قادمة…… فلتُّ من الخوف هذه المرة.

بقلم الروائي كريم قطافة

0 تعليقات

    أترك تعليق