رواية النمر الأبيض والشعب المعروض للذبح؟



في رواية للكاتب الهندي آرافيند أديغا عنوانها (النمر الأبيض).. يشبه الكاتب شعبه بأقفاص دجاج الذبح..! يقول:
((أنظروا إلى قن دجاج معروض للذبح.. ماذا ترى؟


تسحب الدجاجة المطلوبة من ساقيها وتوضع تحت سكين الجزار.. توقوق قليلاً أو كثيراً برد فعل غريزي لن يمنع الجزار من فعلته.. وأنظروا إلى صويحباتها في القفص ماذا يفعلن.. منهن من تكتفي بوقوقة أوطأ نوتة من وقوقة الضحية، خوفاً أو احتجاجاً أو ربما فرحاً أنها لم تكن المطلوبة… ومنهن من تكتفي بالبحلقة والصمت..

لكن الجميع يعرفن أن مصير الضحية هو مصيرهن القادم.. كما يعرفن أن حدود القفص هو حدهن الأخير.. لم ولن يتمردن.. لن يأتين فعلاً ينجيهن من القفص.. ستستمر الحياة المستقطعة لكل واحدة منهن لحين حلول موعد الذبح.. يأكلن ما يرمى لهن ويشربن ما يقدم لهن..

لحين حلول الموعد.. أقفاص كبيرة وصغيرة يعلو ضجيجها بالوقوقة ولا شيء غير الوقوقة.. كل ينتظر مصيره المعلوم.. المصير الذي يراه كل يوم بأم عينه يحدث لأشباهه دون أن يجرأ على الفعل الذي ينجيه من القفص ومن المصير المتربص..))


لكن، ماذا يوجد خارج القفص؟


ما بعد القفص هو المكان العام، الشوارع، الساحات، المقاهي، المساجد، ملاعب الكورة وغيرها.. وهذه هي أماكن التمرد على الحياة القفصية.

في بلدنا كان المكان العام مصادراً إلى حد 1/ 10/ 2019. قبل الاحتلال صادره البعث وما بعد الاحتلال صادرته فلول البعث المتحالف مع المجاهدين (الأشاوس) أصحاب مشروع دولة الخلافة.

استخدموه بوصفه (ترس) أو رهينة. ولسان حالهم يصرخ؛ سنقتل بالعراقيين لحين إنسحاب المحتل. وبعد أن تكسرت هذه الحملة الإيمانية الجهادية المطالبة بدولة للخلافة، صودر المكان العام مرة أخرى وهذه المرة من قبل الفصائل المسلحة التي قاتلت دولة الخلافة المزعومة. أصبحت الساحات والشوارع والمساجد وملاعب الكورة ميداناً لاستعراضاتهم العسكرية. لا أحد يستخدمها دون موافقتهم.


المرة الأولى التي خرج فيها هذا المكان من سيطرة المسلحين ومن الطرفين، هو يوم 1/ 10/ 2019.. في هذا اليوم خرجت الجموع الناقمة الغاضبة ولأول مرة بلا قيادات، بلا توجيهات، بلا موافقات المراجع.. خرجت بأهداف مشوشة وكثيرة كان أبسطها (إسقاط النظام)..

خرج الشبان من الأقفاص الدينية ممزقين الهويات الفرعية التي جعلت منهم معسكرات متقابلة.. خرجوا بلا هويات فرعية غير هوية واحدة جامعة هي هوية البلد الذي لا يعرفون بلداً غيره.. لكن هذا لم يحدث دونما ثمن..

لقد غادرت أكثر من مئة روح أجسادها الغضة تاركة اللوعة والألم والحسرة في قلوب الأمهات والآباء.. ومرة أخرى لكن.. ألا يجعل هذا الفعل من موت أولئك الشبان أكثر حياة منا نحن الذين ما زلنا نوقوق وننتظر خروج المنقذ..؟

بقلم الروائي كريم قطافة

0 تعليقات

    أترك تعليق