خفافيش كفري وزير.. وخفافيش كورونا.



في يوم بعيد تعرفت على مغارة عجيبة. والعجب هنا يخص تشكيلها كما يخص كائناتها. أما تشكيلها فهي في الحقيقة عدة مغارات متصلة ببعض ومتراكبة على بعض عبر أنفاق سرية لم نتعرف عليها كلها. جربنا التوغل في عمقها وجدنا ظلمتها قد امتصت ضوء المصباح حتى جعلته بلا نفع. كأنها الثقب الأسود.

يطلق عليها الفلاحون اسم (كفري وزير). لست معنياً بالاسم الآن من أين جاء وهل سكنها وزير في يوم ما، تطلق الأسماء هنا على الجبال والكهوف والسهول بتقنية منسجمة مع عفوية الفلاح الكوردي في وعي بيئته. الذي يعنيني هنا أن هذه المغارة كانت موطن الخفافيش.


في ذاكرتي وربما في ذاكرة كثيرين من أمثالي، أن الخفاش محسوب على فصيلة المرعبات الخرافية. هو ابن عم الطنطل وخال السعلوة وجيران الجن على ألوانه.. كائن مطلسم بالغموض كنا نرتعب من مجرد ذكر اسمه. نشاهد اسرابها في الليل تجوب سماءنا على عكس بقية الطيور التي تغادر السماء مع حلول الظلام.

والمعلومة المنتشرة حول الخفاش؛ أن غذائه دماء البشر. ينقض على ضحيته في موضع الرقبة تماماً ويظل يمص دمه حتى يتركه جلداً ناشفاً. ولعل هذه المخيلة ليست بعيدة عن مخيلة الأوربيين التي أنتجت أفلاماً كثيرة حول مصاصي الدماء وربطتهم بالخفافيش.


ما علينا. في ليلة ظلماء تطفلنا على هذه المغارة الواقعة في سلسلة جبلية صخرية بازلتية تكاد تكون جرداء من الأشجار. والحقيقة كنا نتطفل في تلك السنين بحكم عملنا العسكري، على أوكار ومغارات كثير من الحيوانات وننافسها على سكنها، الدببة، الذئاب، الضباع.. وغيرها من حيوانات الجبل. ندخل بكل عنجهية إلى بيوتها في الليل حيث تكون هي خارجة للعمل. وما أن تعود عند الفجر حتى تجد بيوتها قد صودرت وأشعلت النيران في مداخلها.

تظل تلك الوحوش تفاوضنا بالمراقبة البعيدة تارة وبالصراخ تارات، لأيام وليال بلا وساطات من جماعات حماية البيئة، حتى تيأس وتنسحب. تسحب حالها وصغارها وتذهب للبحث عن بيت جديد في مكان لا يصله هذا الكائن المخيف (البشر). أخطر كائنات الطبيعة هم البشر.


كان الوقت شتاءاً وكنا عائدين من مسيرة طويلة ومهلكة قطعنا بها تضاريس وعرة طيلة الليل. دخلنا المغارة قريب الفجر وكانت خالية منهم. الخفافيش تخرج من أوكارها في بدايات الغروب ولا تعود إلا عند الفجر. وصلنا مخدرين تماماً من التعب. لم نر شيئاً. مساحة الكهف من الداخل كانت مثالية لتوفير الراحة والدفء.

والمغارات تشبه عيون الماء الجبلية، هي دافئة شتاءً وباردة صيفاً. وما هي إلا بضعة ساعات من النوم المريح على الصخور، حتى فتحنا عيوننا على كتائب من الخفافيش.

اسراب دخلت خلال نومنا وتوزعت سقوف المغارة المتعددة حتى غطتها تماماً. كائنات صغيرة معلقة من سيقانها ورؤوسها للأسفل. تخرج أصواتاً تشبه الضوضاء الغاضبة. وبين الفينة والأخرى ينزل سرب منها في طيران عشوائي فوق رؤوسنا حتى يكاد يمسها وبذات الأصوات الحادة، ثم يعود إلى سقفه.


جربنا معهم وسائلنا المجربة مع بقية الحيوانات، لإجبارهم على الانسحاب والبحث عن مسكن آخر لهم. أشعلنا النيران وملأنا الكهف بالدخان. لكن أين ينسحبون خلال النهار؟ ظلوا يوصوصون ولا ندري إن كانت وصوصتهم هي شتائماً توجه إلى هذه الكائنات المتطفلة (حضرة جنابنا)، أو هم ببساطة يستهزئون من سذاجتنا… لأن الخفاش ليس له عيون يخاف عليها من الدخان كما ليس له ذات الجهاز التنفسي الذي لنا.

هو يستدل على دروبه بحاسة السمع. يطلق أصواتاً وينتظر عودة صداها ليقدر المسافة بينه وبين الجسم المقابل له.. وهو إلى هذا قادر على السبات في أكثر الأماكن ظلاماً وبعداً عن الهواء النقي.


داوموا طيلة النهار على هجماتهم الخاطفة قرب رؤوسنا. صارت مخاوفنا جدية. صرنا نستعيد مخاوف الطفولة البعيدة من أن يكون الخفاش حقيقة هو مصاص دماء. ما اضطرنا إلى الانسحاب وخسارة دواخل المغارة نهاراً. صرنا نلوذ بالصخور المحيطة ونبدل ملاذاتنا مع دوران الشمس.

أقتنعنا في النهاية أن هذا الكائن الصغير الهش كما يبدو لنا شكله، هو أكثر عناداً وتمسكاً بمسكنه من الوحوش المفترسة. ما دفعنا لقبول قسمة الخفافيش؛ النهار لهم والليل لنا. لكن المشكلة العويصة أن جدول عملنا احياناً هو نفسه جدول عملهم.

نحن كذلك نغادر المكان قبيل الغروب ولا نعود له إلا مع الفجر. وحاجتنا للنوم داخل الكهف نهاراً ملحة، لما يوفره جو الكهف من تكييف طبيعي. عليه قررنا المناورة. كففنا عن اشعال النيران داخل الكهف. نقلناها إلى الخارج لعمل الشاي أو تسخين أطعمة المعلبات واتخذنا الكهف للنوم فقط.

وكانت ردة فعل الخفافيش مشجعة. كفوا من جانبهم عن الوصوصة وعن شن الهجمات الخاطفة. وبمرور الأيام تعودنا على النوم وعيوننا تطالع هذه الكائنات الصغيرة السوداء معلقة من سيقانها ورؤوسها للأسفل. نحترم نومهم ليحترموا نومنا. حتى توطدت بيننا علاقة من نوع غريب. بتنا وإياهم نتقاسم الكهف مسالمة؛ السقوف لهم والأرض لنا وكفى الطرفين شر القتال.


أما أن يتحول هذا الكائن المسالم الهش الضعيف إلى حاضن لأخطر وحش يجول الآن في الكرة الأرضية بلا رادع.. فهذا ما لم يخطر على بال أحدنا في تلك السنين.. ربما لو كان معنا الرفيق (ابو علي الشيباني) لتنبأ بالأمر، نقلاً عن معلمه الذي يأكل ويشرب معه.
ولله في خفافيشه مآرب..!

بقلم الروائي كريم قطافة

0 تعليقات

    أترك تعليق