حكاية صلاح الدين البحار وفلم الفراشة..!



فلم الفراشة واحد من أيقونات السينما العالمية. من يشاهده لن ينساه. ظل ينوس في داخلي بحثاً عن حكاية عراقية مشابهة. حتى وجدتها في الكتاب (البانورامي) للصحفي العراقي المخضرم (جاسم المطير) والمعنون بـ(نقرة السلمان). عثرت في هذا الكتاب من بين حكايا كثيرة، كانت رغم واقعيتها الشديدة، تلتحف الفانتازيا بأشد غرائبيتها. عثرت على حكاية المصلاوي (صلاح الدين البحار).

هزتني الحكاية حتى تجرأت وكتبت سيناريو فلم يحاكي فلم الفراشة. لكن، لا أدري من يجرؤ على تنفيذه..؟


بين (هنري بابيلون) في فلم الفراشة الذي مثل دوره (ستيف ماكوين) و(صلاح الدين البحار) في الفلم العراقي الذي لم ينتج بعد ولم يمثل دوره أحد، ثمة آصرة عنوانها (صلابة روح الإنسان). في فلم الفراشة يُحكم (هنري بابيلون) بالسجن مدى الحياة.

ثم يُنقل على متن سفينة مع مئات من السجناء الخطرين إلى جزيرة غويانا الفرنسية بجنوب أمريكا. ليوضعوا هناك في مكان لا يمكن وصفه إلا كونه قطعة مستقطعة من الجحيم. هنا تنبض في أعماق (بابيلون) رغبة الإنعتاق بأي ثمن.

يهرب وتفشل محاولته سريعاً ليوضع في زنزانة إنفرادية في قاع الجحيم لمدة عامين. يخرج منها ليفكر في المحاولة الثانية والتي كادت أن تنجح لولا وشاية أخت مسيحية لجأ إليها ليبيت في الكنيسة. يعيدونه مكبلاً ليوضع في زنزانة إنفرادية في مكان أصعب من الأول ولمدة 5 سنوات. ظلت روح التمرد ورغبة الإنعتاق فاعلة.

لم يكف عن محاولات الهرب حتى وصل للسبعين من عمره. في هذا العمر وبجسد هو أقرب إلى الموت منه للحياة وفي جزيرة مرتفعة تحيط بها الأمواج العاتية وأسماك القرش التي تنوب عن الحراس، تنجح محاولته الأخيرة. ليجد نفسه في عرض البحر في طريقه للمجهول.. ومعها ينتهي شريط الفلم بعبارة خالدة للروائي (أرنست همنغواي).. (الإنسان يمكن أن يُحطم.. لكنه لن يُهزم)..


أما أسطورة (صلاح الدين أحمد) الملقب بـ(البحار)، لكونه كان ضابطاً في القوة البحرية العراقية خلال فترة إنقلاب شباط 1963، فهذه قد حدثت في بحر من نوع آخر، لا تنقصه أسماك القرش ولا الأمواج العاتية. أنه بحر أرض العراق. حدث أن قاوم صلاح الإنقلابيين من داخل وحدته العسكرية في الفاو. ولما تحقق له نجاح نسبي في المقاومة، خرج من معسكره في طريقه إلى البصرة ليحشد مقاومين آخرين.

لكنها المحاولة التي ستفشل ويلقى القبض عليه من قبل الإنقلابيين. سينقل إلى بغداد مع غيره ويساقوا إلى سجن رقم واحد في معسكر الرشيد. وبعد فترة قصيرة، جرى استدعاء أربعين ضابط معتقل إلى وزارة الدفاع. كان هو أحدهم وما زال يرتدي طقمه العسكري. في داخل وزارة الدفاع، استغل الفوضى والتدافع الذي حدث بين السجناء والجنود، ليقوم بحركة غير متوقعة استبقها بغمزة من عينه لرفاقه.

إذ عدّل هندامه العسكري وقام بصفع أحد رفاقه المعتقلين ممن يرتدون الملابس المدنية، صارخاً بصوت عال وطالباً من الجميع الإنتظام بطابور. أوحت هذه الحركة للجنود المرافقين أنه من عناصر الإنقلاب. أدى الجنود التحية العسكرية له.

لكنهم ظلوا مشدوهين وهم يراقبون حركته، إذ بدلاً من التوجه إلى داخل الوزارة، مشى إلى الباب الخارجي. وبين التصديق وعدم التصديق.. كان صلاح في الخارج قد استقل سيارة أجرة وأختفى تماماً في كواليس بغداد.


أثار هروبه من داخل وزارة الدفاع جنون الإنقلابيين وجنون كل الضباط الذين يعرفون جرأته. ظل أحدهم يردد بصوت عال وهو يريد معاقبة الجنود:
– هذا صلاح المجنون.. من يستطيع أن يعيده الان.. ألف لعنة على ابهاتكم.


بعد أسبوعين قام الإنقلابيون بالفعل الوحيد الذي بمقدوره استعادة صلاح. إذ اعتقلوا زوجته ووالدته وشقيقه الأصغر. وأشاعوا في الوسط الذي يعرف صلاح؛ أنهم سيقومون باغتصاب النساء إذا لم يسلم صلاح نفسه خلال 48 ساعة.

لقد أُسقط بيده وقرر عبر وسطاء أن يسلم نفسه مقابل إطلاق سراح رهائن عائلته. كانت نيتهم تصفيته. لكن، ليس قبل تعذيبه في مسلخ قصر النهاية. أخضعوه لتعذيب إنتقامي. لم ينفع. ثم جعلوه يرى بعينه كيف يعذبون أثنين من رفاقه من نفس مدينته (الموصل). عذبوهم حتى الموت. ثم طلبوا منه التعاون لإذلاله، أجابهم:
– أن أسفي الوحيد أنني خرجت من القاعدة البحرية قبل أن أتغلب نهائياً على كلابكم فيها.


جن جنونهم وأخذوا بتعذيبه حتى أغمي عليه. سحلوه ورموه بين أجساد مدماة ومهشمة ومنها من فارق الحياة. سمع جار له اسمه (علي إبراهيم) ما زال يتنفس، سمع هذا أحدهم غير بعيد عنه يقرأ قائمة بأسماء عدد من المعقتلين تقرر نقلهم إلى السجن العسكري رقم واحد، وكان من بين الاسماء رئيس عرفاء اسمه (صالح أحمد) كان قد فارق الحياة قبل يومين وظلت ملابسه بجانب (علي).

ومضت سريعاً في رأسه فكرة تشابه الأسماء ليسّر بإذن (صلاح) أن (صالح) الميت ما زال في قوائمهم حياً وأشار له إلى الملابس الخاصة به. أنشرح وجه (صلاح) وأقتنع سريعاً بفكرة تقمص شخصية الميت بارتداء ملابسه وفعلاً نجح في الإنتقال مع الوجبة إلى سجن رقم واحد.


مرة أخرى يجن جنون الإنقلابيين. لتحدث فوضى في قصر النهاية أكثر مما هي موجودة أصلاً لكثرة أعداد السجناء وغشامية المحققين والجلادين. ظلوا مشدوهين كيف استطاع صلاح الهرب هذه المرة من قصر النهاية..؟. ولم يخطر ببالهم أنهم أنفسهم هربوه إلى سجن آخر.


ضاع خبره أسابيعاً وهم يبحثون عنه في كل مكان قبل أن يعثر عليه أحدهم وبالصدفة أثناء تجواله في سجن رقم واحدة وكان هذا من مدينته ويعرفه جيداً. نقلوه هذه المرة إلى الموصل. وهناك سحلوه بسيارة جيب عسكرية على أرض مليئة بالعاقول. أصيبت كليته باضرار حادة. رفضوا معالجته.

ثم أعادوه إلى بغداد ثانية. وفي القطار كاد أن ينجح في الهروب. إذ تعرف عليه اثنان من مدينته وعرفا أنه محكوم بالإعدام. قرر أحدهما أن يفعل شيئاً. وفي غفلة من الحرس وقرب محطة سامراء، سلّمه مسدساً محشواً بالإطلاقات. لكنها محاولة لم تنجح لأن يداه مقيدتان.


وفي بغداد وضعوه مؤقتاً في معتقل الشرطة الخيالة في الأعظمية. ليجد قبله صديقه (يونس مجيد). أطلع صديقه على نيته في الهرب. أعلمه هذا أن ثمة ثغرة قد أكتشفها، عبارة عن كوة صغيرة (رازونة) أعلى الممر المؤدي إلى الحمامات. وفي إحدى الليالي وخلال نوم السجناء ولبعد نقطة الحرس عن الممر، تسللا معاً إلى الممر.

صعد صلاح على كتف (يونس) واقتلع الشباك الصغير ونفذ منه إلى الخارج. ليجد نفسه وجه لوجه مع نهر دجلة. خاض النهر سباحة إلى الضفة الأخرى وأختفى هناك في مكان كان يعرفه خلال عمله السري في بغداد.


للمرة الثالثة يجن جنون الحرس القومي لهروب هذا المتمرد الجسور ونجاحه بالتسلل من بين أيديهم. لكنه سيلقى القبض عليه قبل سقوط حكم الحرس القومي بشهرين. ولجعله يكف تماماً عن محاولات الهروب لحين موعد إعدامه، نقلوه هذه المرة إلى سجن (نقرة السلمان).

المكان الذي لا يمكن الهروب منه. قال لزوجته التي زارته هناك:
– .. لن أسلّم راسي لمقصلة الجلادين..
لم يستسلم.

أخذ يعد العدة لعملية هروب جديدة. ستكون من أكثر عمليات الهروب من السجون تعقيداً وجسارة. ساعده على إنجازها أكثر من عشرين سجين من رفاقه بعملية كانت أقرب إلى لعبة الشطرنج في حساب النقلات.

وفعلاً كان قد نجح فيها، لولا العطب الحاصل في كليته. لقد قتله المرض في الطريق إلى السماوة أكثر من العطش. وبعد أن عثر أحد الرعاة على جثته وهي تكاد تكون مغطاة بالرمال، أخبر الشرطة. ووصل الخبر إلى رفاقه.


ليجلجل صوت (مظفر النواب) السجين معه، بقصيدته التي هزت جدران السجون:
المنايا الما تزورك زورها…
صـﮕر والبيده تعز صـﮕورهه..
وبأثر جدمه تلوذ اطيورهه
عمت عين المنايا الما حمت ناطورهه..

بقلم الروائي كريم قطافة

0 تعليقات

    أترك تعليق