عثمانية جديدة (الغزو التركي)



كنا مجتمعين في مكتب الرفيق درمان، نناقش كيفية الوصول إلى مكان محدد في وادي الخيول……
قال جكرخوين بثقة:
– أنا أعرف المكان والطريق إليه.. لكن بالأول علينا التأكد من عدم وجود مسلحي الـ (بي ك ك). سمعت أنهم يترددون على ذلك المكان والجندرمة الأتراك غير بعيدين.


تدخل درمان للمرة الأولى في الحوار. قال:
ـ راح أتأكد من شغلة الـ (بي ك ك)..
اخذ سماعة الهاتف القريبة منه وأتصل بأحدهم.

عرفنا أنه أتصل بمسؤول تنظيمات البيشمركة (حدك) في دهوك. تكلم بالكوردية وفهمت أن الطرف الآخر أخبره أن الطريق سالك إلى (وادي الخيول). لكن هناك معسكر للجيش التركي في مطار بامرني، علينا أن نتجنبه. لم أصدق ما سمعته. تساءلت وكأني أحدث نفسي:
ـ ماذا يفعل الجيش التركي في مطار بامرني..؟


رد درمان بعد أن أنهى المكالمة وهو يحرك يديه في الهواء:
– هذا ما حصل. هناك أكثر من 15 قاعدة بين عسكرية واستخباراتية موزعة بين سوران وبادينان.. وبموافقة (حدك) والـ(يكتي).


اعتدنا على الاختصارات التي قد لا يفهمها من هو خارج محيطنا. نختصر أسماء الأحزاب بالحروف الأولى، نقول (حدك) للحزب الديمقراطي الكوردستاني و (يكتي) للاتحاد الوطني و (بي ك ك) لحزب العمال الكوردستاني، التركي وليس العراقي. لقد نشأ هذا الحزب وترعرع في قواعدنا في بداية الثمانينات.

ساعدناهم في تلك السنين بالتموين والإيواء، كما ساعدنا أحزاب كوردية تركية أخرى، كلها كانت ذات مرجعيات فكرية ماركسية. أحزاب صغيرة تتخذ من الجبال قواعد إنطلاق لعمل في الغالب سياسي مديني لا عسكري. باستثناء هذا الحزب (ب ك ك) ومنذ بداياته كان ذو توجهات عسكرية طموحة.

يبشر بمشروع كبير عنوانه تحرير (كوردستان الكبرى) والتي تمتد وفق خرائطه من وسط إيران إلى البحر الأبيض المتوسط مروراً بالعراق وسوريا. عمد على تصفية نشاط كل تلك الأحزاب الصغيرة المجاورة له في الفكر والأهداف، لينفرد بالساحة الكوردية التركية لوحده. لم يكتف بهذا، مد نشاطه إلى ساحاتنا وأخذ يهدد ركائزنا العسكرية في القرى.

حتى غدروا باثنين من أنصارنا؛ أحدهما من التنظيم المحلي. نصبوا لهما كميناً وقتلوهما قرب إحدى القرى. ردت عليهم مفارزنا وطردتهم من المقر الذي كان لنا وتنازلنا لهم عنه وأسرت مجموعة من عناصرهم.

ثم حصلت هدنة بتدخل من (حدك). لاحقاً استفاد الـ(ب ك ك) استفادة كبرى من إنسحابنا نحن و(حدك) على أثر عمليات الأنفال 1988. بنى له قواعد ثابتة حصينة في المواقع التي كانت لنا. قلت وأنا أسترجع هذه المعلومات مع نفسي:
– لكن مطار بامرني عمق عراقي. وهو حتى لم يدخل في أتفاقات صدام حسين مع الأتراك. كيف وافقتم أنتم؟


أجاب درمان:
– نحن كشيوعيين لم نوافق. لكن الغريب ليس هذا، الغريب هو عنوان تواجدهم.. تصور أنهم موجودون بعنوان (قوات حفظ السلام).
– حفظ السلام؟

– بلي حفظ السلام. جاءوا للفصل بين قوات اليكتي وحدك أثر قتالهم سنة 1994 – ضحك درمان وهز رأسه يميناً وشمالاً علامة على السخرية- الآن يسمونه (قتال الأخوة) والناس يسمونه (حرب الكمرك).. اختلف الحزبان على عوائد الكمرك على الحدود الدولية مع إيران وتركيا والتي قد تنازل عنها صدام بعد إنسحابه خلف خط العرض 36.
– إذن الأتراك موجودين حواجيز.. حتى بعد انتهاء قتال الأخوة.


– بلي حواجيز.. يقولون انتم الكورد ما تصير لكم ﭼاره رح تتقاتلون من جديد.
ضحكنا جميعاً..
………
مقتبس من (عودة إلى وادي الخيول)

بقلم الروائي كريم قطافة.

0 تعليقات

    أترك تعليق