الفنان فؤاد يلدا.



مع الاضطراب تعم العشوائية في الحواس. كنت عائداً من العيادة قبل المساء وتوقفت أمام إحدى إشارات المرور. كانت السيارات شبه متوقفة بسبب الزحام، رغم أن الإشارة خضراء.

وفي لحظة خاطفة لمحت من خلف شجرة بلوط أغصانها متباعدة وجهاً أعرفه. كان قرب الإشارة موقف فيه ناس ينتظرون الباص. خلفه حديقة بأشجار كثيفة ومقابله بناية المصرف الكبيرة. لحسن الحظ أحمرت إشارة المرور ومنحتني وقتاً إضافياً لمتابعة الوجه الذي وصل الآن ووقف مع المنتظرين في الموقف.

وأكاد أقول لا أرادياً وجدتني بدل مواصلة الطريق بعد اخضرار الإشارة، أركن سيارتي في البارك المحاذي للمصرف وأواصل التمعن في هيئة صاحب الوجه الذي استوقفني. ثم نزلت وقصدت موقف الباص المكتظ بجمع عائد من العمل، عمال وموظفين، ذكوراً وإناثاً وخادمات بيوت جلهم من الملونين.

جاء الباص وتفرغ الموقف ولم يظل فيه سواي والشاب. شاب في منتصف العمر دو لحية صفراء مسها خيط من الشمس التي تريد الغروب فشطرها إلى نصفين أحدهما بدا أكثر إصفراراً. الوجه فيه لمسات براءة وتساؤل وفيه بعض الندم. الملابس رثة، الحذاء مثقوب. واضح أن الشاب هائم لا سكن لديه يبحث عن حديقة يخلد إليها وأنا الهائم في دنيا الحواس واختلاطها.


حييته فنظر لي باستغراب كمن لم يسلّم عليه أحد في حياته. لكنه تعود أن يأتي من يدس بيده دولار أو دولارين وبحذر لكثرة الدجالين. تثاقلت كلماته وما زال ينظر لي باستغراب. مددت له يدي وقلت:
ـ كيف حالك..
مد يده بتردد وقال:
ـ بخير وأنت؟


كانت يده دافئة ذكرتني مع تورد وجنتيه وخشونة جلده بالكحوليين، حيث تتسارع دقات قلوبهم وتتوسع الشرايين حتى تتلون وجوههم بالحمرة القانية. قلت له:
ـ أنت تشبه إلى حد كبير صديق خسرته منذ سنين طويلة. قال:
ـ آسف لخسارتك. ماذا كان يعمل.

قلت:
ـ كان فناناً. دافع عن الجمال بيده وبقلبه. كان رؤوفاً، كريماً، خجولاً، محباً وكان لديه الكثير مما يقوله ويفعله. قال:
ـ مع الاسف أمثال صديقك لا يعيشون طويلاً وكأن الحاجة لهم في العالم الآخر أكثر.

الطلب عليهم في العالمين. نحاول التمسك بهم لكنهم ينسابون من بين أصابعنا. يرحلون ولكنهم يتركون لنا أرواحهم بصور ومشاهد خالدة لن تُنسى. ما يتركونه لنا يجعلنا نحيا ونتعذب. لكن كيف رحل صديقك إلى العالم الآخر؟ قلت:
ـ كان في لحظة خيار واختار موته بنفسه. فوت الفرصة على أعداء عالمه الجميل وأجبر خواطرنا بمأثرته، جعلنا نحيا ونتعذب. أرى طيفه الآن يتجسد بك.


مع هذه الجرعة العالية من الحلم شعرت أني أختنق وتستعيد ذاكرتي وجه (فؤاد يلدا) مع كلماته وأنا أحدثه عن مشهد خيالي رسمه خيال فلاح في حكاية عجيبة. لوحة أعطيتها عنواناً أسميتها (آثار النساء)، سألته:
ـ أبو آيار.. هل تستطيع رسمها؟
ضحك بصوت عال وسعل كثيراً ثم صفن قليلاً وقال:


ـ مع الاسف، شروط تحقيق هكذا لوحة يصعب توفرها هنا. الأرض غير محروثة ما عدا مزرعة أبو خضر وحتى لو حصل ودخلتها نساء كالنساء في لوحتك وقمن بذات الحركات وبلا ألبسة داخلية، فمن المؤكد أن ابو خضر سيحتفظ بالأثر لنفسه.


قلت له:
ـ لكنك تنوي رسمها..؟
واصل ضحكه وسعاله وانصرف ومن بعيد أجابني:
ـ من يعرف.. ربما.

اختنقت بهذا التداخل الذي يحصل لي بين عالمين تفصل بينهما آلاف الأميال وزمنين بينهما أكثر من ثلاثة عقود.. لم أحتمل أكثر. رن هاتفي. تأخرت على العشاء عزيزي. وجدتها فرصة للاستئذان من الشاب. شكرته ودسست بيده ورقة (100) دولار. قلت:
هذه من صديقي (فؤاد يلدا). أرجو أن لا تنسى هذا الاسم..
………………….
(*) فؤاد يلدا: فنان تشكيلي موهوب، من البصرة. درس الفن على أصوله في أكاديمة الفنون في فلورنسا بإيطاليا. حوصر مع مفرزته الأنصارية داخل مضيق جبلي ذي فتحة واحدة أحتلها الجنود ومن الجهة الأخرى مقطوع بشلال وقطوع لا تسمح بالانسحاب. طلب الجنود منه الاستسلام. كان بيده مسدس. لم يفكر بقتل أحد. صوب فوهة المسدس على رأسه وأنهى حياته.

بقلم كريم قطافة.

0 تعليقات

    أترك تعليق