الانتفاضات وفيلم الجوكر..؟



منذ بدء انتفاضة تشرين الشبابية العراقية وقبلها الانتفاضة اللبنانية ضد النظامين السياسيين الطائفيين في البلدين، لتلحقها بعد حين انتفاضة الشعوب الإيرانية على نظام المرشد الديني، والإعلام الدائر في فلك النظام الإيراني بفروعه الثلاث؛ الإيرانية والعراقية واللبنانية، ما أنفك وهو يصف المنتفضين بـ(الجوكر).


لكن، من هو الجوكر؟


الجوكر هو فلم أمريكي من إنتاج 2019. مبهر في إخراجه وفي قدرات الممثل (خواكين فينيكس) على تجسيد شخصية (آرثر الجوكر). حصل في أول عرض له على الجائزة الأولى في مهرجان فينسيا السينمائي وبموجة تصفيق قيل أنها دامت لثمان دقائق وهو مرشح لنيل أكثر من جائزة من جوائز الأوسكار.

وحقق نسبة مشاهدة وصلت إلى 21 مليون مشاهدة خلال ثلاثة أيام فقط من طرحه على موقع يوتوب خاص. وانشغلت به مواقع التواصل تأويلاً وعرضاً وشرحاً ونقداً، كلٌّ والزاوية التي شاهد الفلم من خلالها.

رفضته كل وسائل الإعلام الحكومية في جمهوريات وملكيات الاستبداد والتخلف واحتفلت به الحركات الاجتماعية- السياسية الداعية للحريات والمساواة ومحاربة الفقر واللاعدالة في توزيع ثروات الأرض. لعله من الأفلام النادرة جداً التي يحدث حولها كل هذا اللغط والجدل.


لقد شاهدت هذا الفلم لثلاث مرات. لدي اشتراك بحزمة قنوات لا يملون من تكرار أفلامهم كل أسبوع أو أسبوعين. في المرة الأولى شاهدته من المنتصف، ورغم هذا أخذني معه وجعلني أتابعه باندهاش وفي الثانية شاهدته كاملاً وفي الثالثة تقصدت انتظاره لأشاهده بعد أن سمعت اللغط الدائر حوله.

أحداث قيلم الجوكر:


تدور أحداث الفيلم خلال عام 1981 في مدينة (غوثام). وهذه مدينة خيالية، لكنها ممكن أن تكون أية مدينة على سطح هذا الكوكب المبتلى باللاعدالة. منذ بداية الفيلم نلحظ ترديا عاما يضرب في كل مؤسسات الدولة، ينعكس على الشوارع والأبنية والمنشآت.

كل شيء غارق في الفوضى والقمامة، الجدران متصدعة والإضاءة مهتزة معظم الوقت. الشرطة تظهر ضعيفة، الجموع الغاضبة قادرة على افتراس أفرادها، والأمان الاجتماعي للسكان غير موجود، الفقراء يعيشون في أبنية وضيعة ويعملون في مهن وضيعة وعندما يمرضون لا يجدون رعاية صحية لائقة.

ترزح المدينة تحت عبء ثقيل من الفساد والانحلال وانتشار العصابات وتجارة المخدرات.


يقود المدينة حفنة من الأغنياء الفاسدين على رأسهم (توماس واين) الذي يسعى للحصول على منصب عمدة المدينة. أما (آرثر) بطل الفلم، فلم يكن أكثر من إنسان وحيد ومريض بمرض غريب يتسبب باضطراب عصبي، يجعله مرة يبكي ومرات يضحك.

وفي الحالتين بلا سبب خارجي. شاب مهمش، فقير، مبتلى بأم طريحة الفراش وبشكل دائم وهو حتى لا يعرف الرجل الذي أنجبه. حتى كنيته مأخوذة عن كنية الأم (بيني فليك). رغم كل هذه المصائب يحلم هذا الشاب أن يصبح نجماً كوميدياً. رغم أنه لا يجيد هذه المهنة،

نكاته بايخة، حركاته غبية تثير الشفقة، بل ويتعرض بسببها للضرب والأذى وهو الضعيف غير القادر على الدفاع عن نفسه. يعيش آرثر هذا الواقع ويعرف ألّا خلاص حقيقي منه، على العكس من رأي والدته التي تقابل شاشة التلفاز معظم ساعات اليوم، وتتهلل أساريرها عندما يظهر الملياردير ورجل الأعمال توماس واين.

تقول لابنها “أن توماس لو عرف الحالة المزرية التي نعيش فيها فسينقذنا”. تكتب له رسائلاً مطولة، وكما هو متوقع بلا رد. فتوماس هنا هو مثال لرأسمالية العصر الحديث وسياساتها النيوليبرالية، حيث تجتمع السلطة المطلقة ورؤوس الأموال غير المحدودة في يدي حفنة قليلة من الأشخاص، ما يجعلهم بصلاحيات غير محدودة للتحكم بحيوات الشعب.

هم من يضعون القوانين وهم من يبطلها بقوانين أخرى غير مكتوبة لكيفية إدارة الأمور على أرض الواقع، قوانين تهدف لخدمة مصالحهم الشخصية وليذهب الشعب إلى الجحيم.


تطلب العجوز من ابنها في إحدى المرات؛ أن يضع رسالتها في صندوق البريد. ويشعر هذا بفضول شديد حيال الرسالة. يفض المظروف ليقرأ، وهنا تكمن المفاجأة؛ أن توماس الملياردير هو أبوه البايولوجي. من هنا تبدأ مأساة مضافة لآرثر، أم مغتصبة وأب مغتصب يتنكر لفعلته ولنتائجها.


وحدث في حفل كبير أن سمحوا لآرثر أن يلقي نكتة. وجاءت النكتة بايخة فطيرة ضحك عليها آرثر نفسه ضحكاً متواصلاً، جعلت الجمهور يضحك عليه لا عليها، كانت هيئته وضحكته هي التي أثارت ضحك الجمهور. ما جعل مقدم برامج اجتماعية شهير (موراي فرانكلين) يفكر باستضافته وهو مذيعه الفكاهي المفضل.

كيف نتج العنف في فيلم الجوكر؟


في هكذا أحوال، يصبح لجوء آرثر لعنف مضاد للعنف الذي يتعرض له طوال حياته أمراً مفهوماً. كل تجليات حياته ما هي سوى انعكاس وصنيعة لمجتمعه.

هكذا مجتمع يعيش حالة انفصام طبقي فج لا يحتاج لشرير من خارجه، بل هو يدخر الشر في داخله، حيث كل عناصر الانفجار مختمرة ولا تنتظر سوى القدحة الأولى. وتأتي القدحة هذه المرة من أضعف الكائنات (آرثر)، والذي صار يحمل مسدساً في جعبته الآن، جعبة المهرج.


يكون في إحدى عربات المترو والعربة خالية إلا منه وثلاثة شبان أغنياء يتحارشون بفتاة جميلة جالسة قبالتهم. تحاول الفتاة تجنبهم بالمغادرة، يمسكونها ويضربونها.

يحاول آرثر حمايتها، يضربونه ضرباً مبرحاً، لا يجد يده وربما باللاوعي تمتد لمسدسه ليقتل أحدهم، ثم يقتل الثاني والثالث. يهرب. تلاحقه الشرطة دون أن تنال منه. يُبث خبر في وسائل الإعلام أن شخصاً يضع قناع الجوكر على وجهه قتل ثلاثة أغنياء. يتسبب الخبر بفوضى في وسائل الإعلام، لكنه على الجانب الآخر؛ يبدأ فقراء ومهمشي المدينة كلهم يضعون أقنعة على وجوههم.

ولسان حالهم يقول (الجوكر يمثلني). ولما يحاول عناصر الشرطة السرية تتبع آثار الجوكر وهو في طريقه إلى البرنامج الذي سيستضيفه، يهرب مرة أخرى ويضيع في جموع المقنعين (الجواكر)، وهؤلاء لم يكتفوا بإنقاذه بل وقتلوا الشرطة التي تطارده. تتصاعد الفوضى في المدينة.

ويواصل آرثر طريقه إلى ستوديو القناة التلفزيونية. يحذره المقدم أن برنامجه محترم ويحرّم التلفظ بالبذاءة والسب، يضحك ضحكته الشهيرة. يسأله المقدم: لماذا تضحك؟ يجيبه بإشارة من يده: لا أعلم.


وفي داخل ستديو القناة تأت الضربة الأخيرة للفلم. يسأله المقدم: ماذا عندك؟ يجبه: عندي نكتة..! يظل يبحث عن النكتة لدقائق في دفتر قديم مطوي. يخرجها ولن تكون النكتة سوى أصوات: دق.. دق.. دق.. ويدخل آرثر في فاصل ضحك طويل.. يبهت المقدم وجمهوره.. يسأله مرة أخرى:
ـ لماذا تضحك.


ـ لأني قتلت قبل قليل ثلاثة رجال
ـ وحتى لو صدقناك.. أهذا مضحك؟
ـ نعم.. وسأقتلك أنت أيضاً.
ـ تقتلني؟ لماذا؟


ـ لأنك استضفتني لتضحك الجمهور مني.. أنت واحد منهم.. أنتم حين تموتون تنشغل بموتكم الصحف والحكومة والبلد كله.. بينما كل ساعة يقتل فقراء في الشوارع ويموت فقراء من الجوع دون أن تحدث اية ضجة.. بل أنت وهم حين تمرون بالقرب من جثة جائع لفظ أنفاسه في الشارع حتى لن تلتفتوا إليه.. تمرون وتواصلون طريقكم..


ثم يخرج مسدسه ويقتل مقدم البرنامج. قتل على الهواء. البرنامج كان على الهواء. شاهد الجميع ما حدث وما قاله (الجوكر).. تنقلب المدينة هذه المرة أكثر مما هي مقلوبة ويلبس الجميع قناع الجوكر.. تحول إلى بطلهم..

نهاية فيلم الجوكر:

بينما هو ما زال يضحك ضحكه المتواصل أمام الجمهور وظل يضحك وهو معتقل وموضوع في سيارة شرطة تسير بصعوبة بين موجات المتظاهرين الخارجين تضامناً معه.. وما أن عرف الجمهور بأمر السيارة التي تنقله حتى دمروها وقتلوا الشرطة. أنقذه أنصاره ووضعوه على سطح سيارة الشرطة المدمرة.

ولما فاق من الصدمة، شاهدهم يقلدون حركاته التي دخل فيها إلى الاستوديو وهي تشبه الرقص غير المنضبط. انفرجت أساريره ولما شعر أن ابتسامته غير كافية وسّع من فمه بأصبعيه المدماة ليرسم فم ضاحك على فمه.

صار يرقص الرقصة إياها التي لا تشبه الرقص.. والجمهور يرقص والهياج يتصاعد ويعم المدينة كلها. وفي ظل هذا الوضع، نجح أحد الجواكر بقتل العمدة المستقبلي للمدينة (توماس واين مع أبنه الصغير وزوجته).


الآن أيها الإعلام الميليشياوي الغبي؛ من هو الجوكر.. وما الحصيلة التي خرجتم بها من الفلم.. هذا إن كنتم قد شاهدتموه ولم يحرموه عليكم..؟ وحين تصفون ثوار ساحات التحرير في المدن والبلدات العراقية واللبنانية والايرانية بـ(الجوكر).. أنعتبر هذا مدحاً من حضراتكم..؟


ملاحظة:
انسحب الممثل (خواكين فينيكس) الذي مثّل دور (آرثر) من مقابلة صحفية لجريدة تلغراف بعد أن طرح عليه الصحفي سؤال ما إذا كان الجوكر يشجع على العنف والقتل في العالم الحقيقي.. ليعود بعد ساعة من أجل استكمال المقابلة ويقول:
ـ لقد شعرت بالذعر من السؤال.. لأني لم أفكر ابداً به.

بقلم الروائي كريم قطافة

0 تعليقات

    أترك تعليق