معاناة المبدع المغترب



أثار الاستاذ محمد خضير على صفحته في الفيسبوك هذه المعاناة في بوست صغير من كلمات قليلة كانت كافية للتأشير عليها.. وهي معاناة حقيقية أن تعيش في مجتمع لا يقرأ ما تكتبه.. وتكتب لمجتمع لن تصله كتابتك قبل مرورها بسلسلة من المعوقات بدءاً من دور النشر وانتهاءاً بالقارئ. أحب التعليق على ما كتبه استاذي محمد خضير لأنه أنهى مساهمته بسؤال.


أمام المبدع الذي يكتب باللغة العربية في بلد أجنبي (أوربي) طريقان، ثالثهما إبليس، الأول مفروش بالورد والشهرة والدعوات الكريمة والفلوس… والثاني مفروش بالتعاسة والكآبة والقنوط وبدون فلوس..


الأول يصله من يجمع إلى جانب إبداعه ما يسمى هنا بـ(مهارة تسويق الذات)، معرفة من أين وكيف تؤكل الكتف.. بالمناسبة هم يعبرون عنها هنا حرفياً بـ(بيع نفسك). العبارة واخزة نوعاً ما للحساسية الإبداعية للمبدع لكنها هنا طبيعية لا تثير ذات الحساسية..

كل شيء يخرج ويدخل من وإلى السوق (ثقافة سوق).. من أدوات هذه المهارة إضافة إلى الخبرة الذاتية بالطبع، اللغة، ليس بالضرورة اللغة الكاملة، لكن ما يكفي منها للتسويق. وإلى جانب اللغة يأتي عامل آخر لا يقل أهمية شخصياً أطلق عليه اسم (المسرّع) وهو أن تكون للمبدع أو المبدعة علاقة إنسانية جادة مع مواطنة أو مواطن من البلد المضيف.. لكن ليس أي مواطن أو أي مواطنة.. بل من له علاقة بسوق العمل وفي ذات المجال (الأدب) مثلاً..

كل هذا لكي يصل إلى مرحلة الوكيل.. الشخص الذي سيقيم عملك الإبداعي ويقرر هل يجازف به أم يهمله..
الأمر هنا يخص نظام العمل القائم على ما يسمى بالوكالات الأدبية وهي الوسيط بين المبدع وسوق النشر..

من تلتزمه وكالة ما ستنفتح أمامه كل الطرق المغلقة سواء بلغة البلد المضيف أو بلغات أخرى. لكن هذه الوكالات ورغم أن سوق عملها هو الأدب والثقافة عموماً تبقى منشدة إلى منطق السوق.. إن لم تجد في المنتج ربحاً محتملاً لن تجازف.. ولكي تجعل الوكالة تقتنع بالجدوى الاقتصادية من عملك عليك أن تترجم بعضاً منه أو ملخصاً له يكون مقنعاً.. وهنا بيت القصيد ومربط الأباعر (الترجمة).

إذ لا تكفي معرفتك للغة مهما كانت درجة اتقانك لها، لكي تقدم ملخصاً لعملك.. الأمر يخص عمل إبداعي (رواية مثلاً) فيها عوالم وأحاسيس وإحالات قد تكون كلها غريبة على هذا المجتمع.. إذن الحديث يخص مترجمين محترفين. لكن هؤلاء البشر هنا كأي موظفين واقعين كذلك تحت ذات الشعار (The time is mony)..

من هذا الذي سيتفرغ لك مجاناً لأيام وليالي ليترجم فصلاً من روايتك ويعطيه ذات النكهة والجمال المبثوث بين سطورك.. لكي يقتنع الوكيل بجدوى مغامرته..؟؟؟


شخصياً اكتشفت في ثنايا كتب دان براون وأليف شافاك إعلانات مدفوعة، ماركة ساعات مثلاً أو قميص من ماركة معروفة أو ماركة عطر معين أو كازينو معروفة…إلخ وهذا أمر يفرضه الوكيل على الكاتب، أن يجد مكاناً لهذا الإعلان أو ذاك في ثنايا النص بالطبع دون التأثير على بنية النص.. هذه كلها فلوس.. سوق.. بيع.. شراء.. تسويق..


أما المبدع المحروم من هذه المهارات والعوامل المسرّعة الذي يصر على ثيمة التواضع والانزواء وهم غالبية المبدعين سيظل يلوك إنتاجه بنفسه ولنفسه إذا لم يجد من يسوقه في لغته الأصلية.. علماً أني شخصياً أظن ولعلني على خطأ أن المبدع الحقيقي هو الشخص الفاشل في مجال التجارة.. لا أدري ما الربط بين الاثنين بالضبط.. لكنه قائم وملموس..!!!

بقلم الروائي كريم قطافة.

0 تعليقات

    أترك تعليق