النرجسية والاسطورة.


الأصالة هي الكيفية والمصداقية التي يعبر بها النص عن عالمه. تلك الأصالة التي حصل عليها من النسيج البيئي الفذ الذي نسجته الكاتبة وتشكلت وتكونت فيها البطلة. لكن نص النجار يتجاوز نص عبد الحكيم قاسم من حيث كونه يخوض مخاطرة التخيل عن عالم وتجربة (حول الاستنساخ البشري).

لم تتري في مجتمعنا بعد ، وإذا كان نص قاسم يتحدث عن عالم قديم موشك على التلاشي فأن النجار تأخذنا الى تجربة إنسانية تدور في عالم مستقبل المجهول، وإذا كان نص قاسم يتبني فكريا قيم محافظة فان نص النجار ينتهج قيم مادية علمانية علمية، واجهت فيه الكاتبة الأفكار الرجعية بصرامة، ولهذا فكما إننا أمام النص يتسم بالأصالة، فهو أيضا يستحق لقب الفرادة.

ثمة سمات عامة للكاتبة تنعكس على النص: فهناك بجوار الجرأة في التناول، عقل مفتوح على مصراعيه على الذات والعالم/ ثقافة موسوعية وسعة معلوماتية / ميثولوجيا ذات دلالة / رؤية مادية للعالم لنص يصهب أن يصدر عن عقل ديني متزمت.


اللغة، الأسلوب، الشخصيات:


تصور الكاتبة مشاعر الأم الأنثى وطفلتها الأنثى بصورة عميقة فريدة عبر تلك التفاصيل الدقيقة والمنمنمات المثيرة للشجن، وهي تنتقل بين صور اللغة المختلفة؛ الفصحي والعامية والعلمية بحساسية تبرز لغة تعبيرية تحتفظ بجماليات اللغة في خضم حالة إنسانية.


وهي في أطار ولوجها لبناء الشخصيات، ثمة ملمح خاص بهذا النص، فقد سيجت الكاتبة الشخصية الرئيسية ببراعة من خلال بناء بيئة من الشخصيات الثانوية، جميعها تعمل مثل الشغيلة في مملكة النحل في خدمة الشخصية الرئيسية، وهي الملكة، أي (البطلة).
تجربة الاستنساخ
تنسج البطلة روايتها عن تجربة الاستنساخ عير ثلاث منظومات

المنظومة الأولي: أدلجة النص.


فقوة النص تسند على أيدولوجية واضحة المعالم تبني الكاتبة قلعتها حجرا وراء حجر، هذه القلعة هي الأنثى في مواجهة ليس الذكر وإنما الأنثي التي تمثل الكون، وهي في هذا ليست في حاجة إطلاقا لوجود ذلك المخلوق المدعو بالذكر. فهي لا تكتفي بأن تجعل منه كائن بلا مشاعر، بل تنزع عنه وظيفته الإنجابية.


قوة الطبيعة الأنثي المكتفية: وهي تتحدث عن الكائن البدائي في أعماقنا، فتقول: في داخلي صراع بين قوتين واحدة في وضح النهار والأخرى في الظلام قي جوف الأرض حيث الوحدة والأسرار… هذا الجزء الخفي فينا يكون أكثر ما فينا حيوية الجزء الذي يكسبنا فرادتنا الذي يميز هويتنا عن غيرنا من البشر.


الكائن البدائي في أعماقنا.. هو وحيد لا يعرف العائلة أو القيود هو يسعي فقط لإرضاء ذاته يتجول في البراري داخل أفكارنا في الخيال، فاذا خرج للعالم يصطدم بالقوانين والحدود والأعراف.

المنظومة الثانية: Up stair down stair


تسرد الكاتبة موضوعات الحياة اليومية من خلال تناول العالم عبر رؤيتها ووعيها للجماعة الحاضر، عبر منظومة Up stair down stair (هو تعبير عن عالم سكان القصور من الطبقات الأرستقراطية، وسكان الطابق السفلي في تلك القصور من الخدم) وهذه المنظومة تؤكد بصورة غير مباشرة ما ترمي إليه في منظومتها التالية وهي النرجسية والتمييز

المنظومة الثالثة: النرجسية والتمييز:


نشأة البنية النرجسية لدي البطلة:
هذه المنظومة التي تتري على امتداد النص تمثل القوة الدافعة التي تمكن البطلة من اتخاذ قرارها الخاص بدخول تجربة استنساخ ذاتها.


– أنت الأجمل والأحسن لديك ما لا يملكون، انهم مساكين حفاة يلعبون في التراب
– (تقول البطلة عن لقائها بفنان شاب هو مشروع لعلاقة عاطفية مستنكرد لديها: “والده نقاش وهي ابنة الزمالك”
-العائلة تميزني عن الأخرين.

– نرسيس ذات مستفحلة في صفحة 197 “كنت أعرف أن لي جسدا جميلا عرفت من اللفتات العضوية … تنبهت إلى فتاة انعكست صورتها على زجاج الفاترينة أول ما وقع بصري عليها قلت “الله دي جميلة قوي” وتمنيت أن أكون جميلة مثلها.

التفت كي أنظر إليها فلم أجد أحد ورائي وتطابقت عودة رقبتي للتطلع مع عودة الجميلة التي تمنيت أن أكونها. كان جمالي وحدي استطعمه على مهل من مقاس المايوه الذي حافظت عليه.. تمنيت أن أكون أميرة من أميرات ألف ليلة وليلة… الجميع يري جمالها، لكن ليس له الحق في لمسه”.

والكاتبة من خلال هذه المنظومات الثلاثة تعطي الأسباب الموضوعية المنطقية من الوجهة الفنية الأدبية لعالم متخيل لتجربة الاستنساخ، أو تكوين النوع عبر الأنثى دونما الحاجة للرجل (الذكر).


– في حالتها لا يوجد إخصاب (تصفه البطلة باستعلاء فلا حيوان يهاجم ويناور بويضة مستكينة
– وهو ما لا تقبله حبيبة النحال إذ أن مكانها محدد معلوم في المنافسة بين الطلاب وفرق المدارس حيث يضمن فريقها اجتياز في مسابقة الرسم والفضل يرجع لها والذي وصف بأنه ينطوي على مستوي فني رفيع
الآن ودون منافسة ينمو محتوي خلية واحدة من كبدي داخل بويضة ناضجة.

الارتفاع إلى ذروة الأسطورة

أجمل ما قرأت، عندما يتحول هذا الجهد الشاق من البحث والتدقيق والعمل الفني والأدبي الرائع مع امتلاك ناصية اللغة والبناء الدرامي الذي يستند على ثلاثية (الوعي بالعالم الذاتي والموضوعي- القدرة والتميز في بناء الشخصيات – تطور الأحداث والقبض عليها)، إلى الذروة التي يتجادل فيها جرأة التناول العلمي بجمال اللغة.


هذا البناء المتراكم من المعرفة العليمة والوعي بالعالم الموضوعي والذاتي. هذا الجهد الشاق سوف يصل قطعا بصاحبة إلى تخوم والارتفاع إلى ذري الأسطورة


في النص التالي تنشد النجار نشيد للآلهة في لحظة خلق، تمام كما خلق الإله آتوم (التام الكامل) العالم والإنسان من نفسه. من ذاته في أسطورة الخلق المصرية القديمة، وكأننا أمام أحدي ألهات الأساطير في المثيولوجيا القديمة، أنها ترتفع بعملية الاستنساخ إلى حالة آلهة تلد من ذاتها…


“يملاني أحساس بأن الكون ينمو داخلي، يجتمع مركز حركته اسفل سرتي… تدور الأفلاك حول قطب واحد ينمو داخلي… حجري الأسود تتجمع جزيئاته من باطن الأرض، من قلب الجحيم الذي يبرد، تنفجر الحياة كنبع رائق من عمق الأرض.

يتحول رحمي إلى فضاء كون، دم، قلبي، رئتي، كلي يدور في فلك الكائن الجديد الذي ينمو داخلي، أصبحت الأرض في أمومتها، احتضن الكون وتزداد قدرتي على العطاء، المنح، الخلق، تتملكني الرغبة في أن أوزع ابتساماتي لكل من حولي أمنحهم دفئا، حبا، حنانا، شعورا رقراقا، صافيا… يزداد هذا الإحساس كلما شعرت بمريم،… كلي أقدره… كائنا يخصني وحدي”

التجربة التجربة حتي النهاية: تقول الكاتبة ونحن معها في ذلك
يقولون إن النور في أخر الطريق، لكن يبدو أن الطريق ليس له أخر… لم نري النتيجة النهائية… كأني أنا فقط كل ما لدي، ربما لكل هذه الأسباب لم استنكر فكرة الاستنساخ… ستكون معي أنا أخري دون مفاجآت…
لا يواجه الإنسان نفسه؟ مالذي يخافه؟ ضعفه؟ عجزه؟ أم قدراته اللامتناهية؟


فتحي امبابي

0 تعليقات

    أترك تعليق