الصورة المحيرة؟



لا أخفي حيرتي مع هذه الصورة – اللوحة. ولم أجزم بعد إن كانت لوحة أم فوتوغراف. كبرتها عشرات المرات واصطدمت بكل ما يجعل منها صورة فوتوغراف لا لوحة.. كثرت بحلقتي بها منذ تعرفت عليها يوماً في إحدى الصفحات وحفظتها. أضعها أمامي على الشاشة وأظل أتتبع الرسائل المبثوثة في طياتها.. لكني أخرج كما في كل مرة بفشلي عن قراءة أكثرها..


الغرفة مستطيلة لا مربعة. هذا واضح. وهي لعلها المعلم الوحيد للعمران في البيت.. قد يجاورها بناء آخر صغير من الطابوق يؤدي وظيفتين؛ الحمام والمطبخ رغم التناشز الواضح بين الوظيفتين وقد لا يكون موجوداً.. لا وجود للموبايل والاثاري والبلاي ستيشن.. لا وجود للكهرباء أصلاً..

والأهم لا وجود للمصور.. ترك المصور كاميرته على مسند موجهاً عدستها بزاوية بين الحادة والمنفرجة.. وخرج من الغرفة ليعطي لساكنيها مساحة من الاطمئنان والتعايش مع العدسة وضوءها الخاطف الذي سيخطف كل دقيقة لحين نفاذ بطاريته. ثم عاد في اليوم التالي ليبحث في حصيلته وعثر على هذه اللقطة.

بدون هذا التفسير لا شيء آخر يفسر لي عدم اهتمام الأطفال بالكاميرا وكأنها غير موجودة في غرفتهم.. الأخت على اليمين غارقة في مسألة حسابية.. الأخ المنحني على دفاتره داخل في طلاسم الإنشاء.. الاخ الاوسط يساعد الاصغر في واجبه المدرسي..

الكتكوتتان على يمين ويسار الأم لعلهما ليستا في سن المدرسة، لكنهما غارقتان في سطور الكتاب.. الأم .. لا أدري.. لعلها نفسها لا تجيد القراءة والكتابة.. لكنها مشرفة الآن وموجهة لنصف دزينة من عباقرة صغار إلى الضوء الكائن في آخر نفق أيامهم.. خلصت للتو من آخر واجبات بيتها الصغير الملموم على هيئة غرفة وداخلة الآن في فسحة استراحتها اليومية..

واستراحات الأمهات كذلك عمل.. تواصل الآن ما تركته البارحة من حياكة شيء من الصوف لواحد من أطفالها.. أما الأب الغائب.. قد يكون في سهرة مع صحبٍ من الجيران.. قد يكون جندي أو شرطي في الشمال لا يأتي إلا أسبوع كل شهر..

وقد يكون متوفى وهو معلق في الصورة الظاهر منها حافتها فقط على الجدار.. أما هذا الجدار الملبوخ والمصبوغ بوشالة الصبغ فيؤدي وعلى أحسن وجه وظيفة خزانة ملابس الكبار ولا كبير الان غير الأم.. هي دشاديشها وعباءتها معلقة هناك..

أما ملابس الصغار فموجودة في صرر لكنها غير مرئية الآن تجدها مركونة بكل أناقة في زاوية الغرفة المقابلة.. وآخر المعالم وأهمها هي نضدة الأفرشة التي تشكل الجدار الرابع للغرفة.. ستنزل هذه الأفرشة بعد قليل إلى الأرض لتكون هي جرس نهاية اليوم للأطفال السعداء..

سيغلق كلٌّ دفتره وكتابه ويضعه في حقيبته ويتهيأون لنوم سعيد على وقع همس الأم وهي تسمّي على رؤوسهم باسم الرحمن وتردد ما تحفظه من آيات القرآن لجعل الظلام رحيماً بأطفالها.. أنها عائلة سعيدة..

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق