الرجل الضاحك ومدمناته الصغيرات.



لقرب بيت الرجل من المحطة المركزية للقطارات حيث تنتشر حواليها بضعة مراقص (ديسكوات).. يجعله يلتقط بين الفينة والأخرى واحدة من الفتيات الصغيرات. يحدث هذا في الغالب في بدايات ليالي السبت، حين تضج صالات الرقص باجساد الراقصين بسراويلهم الممزقة والمرقعة من كل مكان وبتنورات الفتيات المتقشفة..

صخب وكحول وحشيشة لثلاث ساعات تبدو كأنها العمر كله لا شيء قبله ولا شيء بعده، قطعة مستقطعة من عالمٍ غير أرضي.. يحلقون في سماوات النشوة بعيداً عن كل أنواع الجاذبيات ومنها الجاذبية الأرضية.. وقريب من الساعة الرابعة فجراً تبدأ الطيور الجميلة بالخروج من دوامات الدخان والصخب إلى هواء الشوارع النقي..

يخرجون على غير ما دخلوا.. إن كان دخولهم على هيئة أسراباً، فالخروج لا يكون إلا ثنائياً.. ويحدث في ذلك الفجر أن تكون بضعة فتيات لم يواتيهن الحظ بإلحصول على شريك.. تخرج الواحدة مصدومة بسوء الطالع وبعدم القدرة على العودة للبيت من جديد بعد أن أفرغت ما أدخرته خلال الأسبوع لهذه الليلة..

وعدم الحصول على شريك مشتهى لتلك الليلة يوشك ان يحدث قطعاً في نشوتها.. تكون معه في منطقة حيرى بين النشوة والصحو.. ولا أجد هنا غير توصيف الكحوليين العراقيين (معوزة).. هذا التوصيف لطالما سمعته من بعض أصدقائي الكحوليين (معوز).. تصطدم تلك الفتاة الـ(معوزة) برجلٍ قصير القامة بكرش بارز ووجه باسم..

يسألها بلغة تشبه لغتها لكنها ليست لغتها.. تفهم أنه يعرض عليها شيئاً ويطلب موافقتها.. وذلك الشيء لا يعدو عن تلك اللفافة السحرية التي تكون قد بحثت عنها في حقيبتها الصغيرة دون أن تعثر عليها.. تجيبه من عالم نشوتها المنقوصة أن (نعم.. أنا موافقة)..

تضحك بذلك الصوت الذي يشبه الصراخ.. تظل تضحك وهو يدور بها من شارع إلى آخر حتى يصل إلى شقته غير البعيدة.. هي تعيش قطعاً مع عالم الواقع وهو يعيشه بكل واقعيته.. وما أن يدخلها إلى شقته، حتى يبدأ بممارسة طقوسه المكرورة.. يدفعها للحمام لتستحم.. ولمعرفته أن الحمام قد يستعيدها من غيابها.. يكون قد هيأ لها لفافة جديدة..

يقضي ليلته العسلية لاحساً عسلها لآخر قطرة.. وحين تنهض من نومها في الصباح الذي غدا ظهراً.. يبدأ نهوضها بردود أفعال مرتعبة.. هي على سرير ليس سريرها ولا حتى سرير أحد اصدقائها أو صديقاتها.. في غرفة نصف مظلمة رغم إرتفاع منسوب الشمس إلى عنان السماء.. تنزوي في ركن السرير مذعورة مثل قطة هاربة من مخالب حيوان مفترس..

تستر عريها بما تحت يدها من أغطية وتبدأ باكتشاف عالمها الجديد.. لا شيء في هذا العالم مختزن في ذاكرتها.. تصطدم عيونها بالباب المفتوح على صالة صغيرة ترى هناك رجلاً غريباً يتفرج على تلفزيون بلغة غريبة.. يخرج صوت صراخها بلا إرادتها.. (من أنت..؟) يجيبها بضحكة.. تواصل صراخها (كيف وصلت إلى هنا؟؟)..

يضحك.. (هل فعلتها معي؟) يضحك.. في الحقيقة هو لا يجيد من لغة البلد غير بضعة مفردات قالها لها في الليلة الفائتة وهي قد وافقت عليها.. يخفت صوت الصراخ منسحباً إلى الداخل بسيل من شتائم وفشار لا تدري هي نفسها أن كانت تشتم نفسها أم هذا الرجل الضاحك..

وما أن ينفذ صبرها حتى تثب من زاويتها بحثاً عن ما كان عليها من ملابس.. ترتدي ملابسها وهي تريد الخروج من الشقة.. كثيرات يكتفين بهذا الفعل.. أو رد الفعل.. يكتفين بالشتائم والفشار.. باستثناءات قليلة.. كأن تقوم إحداهن بتوديعه بصفعة أو بصقة يستقبلها وهو ما زال يضحك..

أو تودعه بتهديد من نوع ما في كل الأحوال هو لا يفهم لغطها باستثناء مفردة البوليس.. والقليل القليل منهن يستمرأن ما هنَّ فيه، لتسأله؛ هل يوجد عندك ما يؤكل.. تبقى عنده لحين نفاذ ما يختزنه في مجر الطاولة من لفائف الماريوانا أو الحشيش.. الرجل الضاحك هو نفسه لا يدخن حتى الدخان العادي ولا يشرب الكحول..

لكنه يحرص على التزود بعدد كاف من لفائف الماريوانا أو الحشيشة.. وكأنها من مستلزمات عقد الصيغة الذي يتلوه على الفتاة في المحطة قبل الإتيان بها وقد استبدله بـ(….. على مهر مقداره ثلاث لفائف)..

بدل الصيغة (الشرعية) المعتادة أن يكون الرقم هنا للنقد الذي عليه أن يدفعه مع تحديد عدد الليالي والايام.. يبقى الملفت في أمر هذا الرجل أنه مع نفسه لم يفعل شيئاً مخلاً لا بشرعه ولا بشرفه.. كل ما فعله مغطى من الله ورسوله وبكفالة علماء من أوزان ثقيلة…!!!

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق