هروب حمار..!!”قصة”



سمعت (أبو عبدو) يجيب أبنته بمزاج عصبي:
– أريد هذا الزنديق أن يفهم منزلته الحقيقية..!!
استشكل الفهم علي تماماً. لم أعد أفهم “أبو عبدو”. الرجل منفعل وليس كل كلامه مفهوماً. لكن، من هو هذا الزنديق.. أهو أسم جديد اختاره لي..؟! لم أسمع يوماً أن أحدهم قد ناداني بالزنديق.

ثم ما هي هذه الزندقة التي يريدون إلصاقها بي..؟ واضح أنها شتيمة. غير أن امتعاضي وصدمتي بالحبس داخل الزريبة، قد أنساني قضية التحري لمعرفة من هو المقصود بالزندقة.

دخلت في صفنة، خرجت منها بعد حين على بكاء ابنته. لم يزل “أبو عبدو” على عصبيته التي بدأ بها هذا النهار. والبنت تتوسل وتبكي. وصلني من كلامها:
– يابه الله يخليك.. إنه حمار مسكين..!!؟


البنت كانت متعاطفة معي. كم أحببتها. لكن الواضح أن توسلاتها لم تنفع مع أبيها الذي بدا واثقاً مما يقول. يقول:
– البارحة بعد صلاة التراويح، أشار علي الشيخ بمشورة تمام، قال: إذا أردت أن يهتدي زنديقك ويصوم هذا الشهر الفضيل.. اجعل حمارك يصوم..!! بعد مدة سيجد نفسه أدنى منزلة حتى من الحمار.. سيخجل من نفسه.. أضمن لك سيعود إلى عقله ويصوم ويصلي ويهتدي بأذنه تعالى..


أبو عبدو يتكلم مزهواً بحصوله أخيراً على حل كان يحلم بالوصول إليه. الآن فهمت من هو الزنديق. كان يقصد أبنه الكبير “عبدو”. لكن هذا الفهم أدخلني بصفنة جديدة. أردت أن افهم إن كان ذلك الشيخ يمزح أم هو جاد بنصيحته. حتى وجدتني أسأل الشيخ:

ما دخلي أنا بصيامكم وقيامكم.. وما علاقتي بـ(عبدو) إن كان زنديقاً أو غير زنديق..؟ لكنها كالعادة ظلت أسئلة بلا أجوبة. ربطوني بعد أن كنت حراً وتركوني حتى غروب الشمس دون أكل ولا ماء. أمضغ عيدان الخشب المتناثرة في الزريبة.

والزنديق “عبدو” كان يقضي نهاره قبالتي شامتاً، وكل ما يراني أمضغ شيئاً من نشارة الخشب يشي بي لأبيه:
– يابه.. يابه.. الحمار فطر..!!


ثم يتبع وشايته بضحك طويل، مستفزاً أباه، جاعلاً إياه يفرغ غضبه على ظهري وظهره. هو كان يفلت من حزام أبيه، أما أنا فكنت آكل المقسوم بالتمام. أين أهرب والحبل يشدني كلما حاولت الإفلات. مضى وقت طويل وأنا على هذا الحال. كل يوم وجبتين شعير مع ماء وعند الظهر مع اشتداد العطش أأكل المقسوم من حزام “أبي عبدو”.

وما أن يهبط الظلام ويأكل الأب ويشبع ويرتوي مما حرم منه طيلة النهار، يتمدد على سرير في الفسحة أمام باب زريبتهم، رافعاً ساقاً على ساق، ليعيد على ابنه ذات الكليشة التي غدت مملة مع مرور الأيام:


-يا حمار شفت الحمار شلون صام! الله أعطى الإنسان العقل وجعله زينة، لكنك حمار من أين لك العقل.
الزنديق كان طيلة الوقت غير مكترث، يدندن مع نفسه في ركن من زريبتهم أو يخرج وقت الفطور ليتجنب ذلك الحديث المعاد من قبل أبيه. كان الولد متمرداً ليس على أبيه فقط، بل على كل شيء من حوله، لا يريد الاقتناع بشيء.


تمكن مني الغضب والحنق ودارت برأسي القرارات والنوايا على فعل شيء، لا يتوقعه مني لا “أبو عبدو” ولا شيخه. لم أفكر حينها بالحمرنة، لأني أصلاً مربوط ولم يطلب مني أحد شيئاً أفعله، كذلك كنت لا أريد أن أتسبب بأي أذى للبنت الطيبة التي كانت تحنو علي، كأن أعضها مثلاً حين تقديمها الأكل لي، لأثبت لهم حمرنتي. حتى جاء “أبو عبدو” ذات صباح مستبشراً ضاحكاً، وهو يصيح حال دخوله باحة البيت على بنته:


– يا بنت! فكي الحمار وأعطه من برسيم هذه السنة.. الدنيا عيد.. خليّه يعيّد معنا.. وهو يستأهل..!!
ثم التفت إلى الركن حيث كان الزنديق جالساً يقرأ كتاباً، لاهياً عن أبيه وبيت أبيه والعيد وشؤون العيد، لكنه رغم ذلك، وما أن سمع صوت أبيه، رمى لأبيه جملة يتيمة:


– عيدك مبارك يابه..!!
أجابه الأب على الفور:
– لا مبارك عليك.. الله يلعنك دنيا وآخره.. الحمار صام شهر وأنت غير قادر على صيام يوم واحد!!
رد الزنديق ولم تزل عيونه على الكتاب:


– يابه.. أنا قلت لك؛ ليس لي رغبة بالجنة. والله حرام عليك.. ما ذنب الحمار المسكين..؟
الآن صار الزنديق الخبيث يتعاطف معي. لكني أعرف أنه أراد استفزاز أبيه. تصاعد غضب وانفعال الأب وبدا لا يدري كيف يجيب ذلك الولد العاق المتمرد. واصل “عبدو” استفزازه:


– أرجوك يابه! أسأل الشيخ؛ ماذا يفعل هذا المسكين بثواب صيامه.. معلوماتي تقول أن الجنة ليست للحمير..؟!
بلغ انزعاج الأب من استهتار ابنه بالجنة والنار أوجّه ولم تعد تنفع معه كل وسائل الإقناع اللينة، لذا، لجأ إلى وسيلة إقناع صلبة ومجربة.

بحركة مباغتة، نزع حذاء العيد الجديد من قدمه ورماه بقوة على ابنه..!! كان مسرى الحذاء بكعبه ونعله الصلبين ينبئ أنه سيحطم واجهة الولد الزنديق، لكن هذا وقد اعتاد على كل وسائل أبيه اللينة والصلبة، وكما لو كان يتوقع قذيفة العيد، مال عن مسرى الحذاء ولم يصبه. ما يهمني من كل هذا اللغو، أنهم أطلقوا سراحي أخيراً.

خرجت من الزريبة بقرار لا رجعة فيه، أن لا أعود لها مرة أخرى.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق