قصة حلم امرأة لاجئة.



منذ وهلة دخولي وزوجته البيت، وعيونه ما انفكت تساءل عيوني. وأنا لا أريد الانفكاك من لحظات تتطاول بفحيح ملتبس تطلقه عيون الرجل وأتحايده. ليس الرجل فقط من أتحايده، رخاوة اللحظات وتمددها، شياطيني التي عادت تنخر في صدري وتجوف رأسي. لِمَ لا يكون الرجل مشتهى.. لكن.. كيف لي أن أعرف..؟

دهر مضى منذ نظفت رأسي وصدري من وساوس هذه الشياطين. كنت أقطع دابرها ببقايا زوجي القتيل، قميصه المخرم بثقوب شظايا الإنفجار لم أغسله.. في نسيجه رائحة عرقه أو دمه.. ثم هذا المَعلَم الشائك.. أولادي.. كل يوم تُنحت أجسادهم ووجوههم بملامح أخرى من أبيهم. أتخذ من تلك البقايا درعاً أتحصن به. وها هو الرجل يحاول النخر بعيداً.


كانت زوجته تعد لنا القهوة، هكذا أخبرتنا حين غادرت الصالون. وأنا لم أزل مخدرة بعطر مدوخ تبثه الجدران، الأثاث، الهواء، حتى الهواء بدا لي لا يشبه هواء الخارج. دعاني لرؤية بقية غرف البيت.
– سأريك غرفة الأطفال.
تبعته وكأني منومة.

أذهلتني ألوان الغرفة المتناسقة مع أثاثها. غرفة لطفلين. سريران كبيران، عليهما ملاءات وأغطية حريرية، تتناغم ألوانها مع ألوان الجدران والأرضية والستائر. وعلى الجانبين المقابلين للسريرين مكتبي أطفال، فيهما وعليهما كتب واوراق ودفاتر، منسقة بشكل جميل. كل شيء مُعد لطفلين سعيدين، تحتل صورتيهما ركني المكتبين.. يا إلهي أين أنا؟

هاتان الصورتان لولديٌ أنا.. هذه صورة الكبير وهذا الصغير. أدرت رأسي مصعوقة إلى الرجل وعيوني تساءله، لم يجب، بل اكتفى بحركة رأسية من الأعلى إلى الأسفل. وكأنه يوافقني على شيء لم أقله. المؤكد أن كل ما في هذه الغرفة له شكل معروف في حلمي أنا، حلمي الذي اجتره مع علب الدخان وفناجين القهوة… حتى سمعتني أردد مع نفسي:
– اشكد حلوة هاي الغرفة.


أجابني الرجل وكأنه كان يتوقع ما قلته:
– هي لك!
– قلت حلوة ولم أطلبها منك.
– أنا من زمان فكرت أن اهديها لك.
– من زمان..!! هل تعرفني؟
– أعرفك.. من اليوم الذي أهديت زوجتي عربة الطفل.
بماذا يهذي هذا الرجل؟


– لكن، هذا حصل منذ أقل من ساعة.
– مرت سنين على تلك الحادثة الصغيرة، لكن المؤثرة.
– سنين؟!
– كان نبلاً منك ؟
– أنا لا أدري عن ماذا أنت تتحدث. إن كان عن العربة التي لقيتها في الطريق قبل ساعة..
– هل رأيت مقدار نبلك، هكذا تدعين أنها لم تكن تخصك، لكي لا تشعرينا إننا مدينون لك.


يا إلهي كيف لي أن افهم مثل هذا الهذيان..؟ أعرف أني في حلم لطالما كان يدور في رأسي.. فقط حلمي لم يكن بهذه الطلاسم. ما الذي دعاني لتلبية دعوة زوجته التي لا أعرفها.. هل يكفي اختلافنا حول عربة طفل وجدتها أنا في الشارع وأرادتها هي..؟ قلت لها:

خذيها، أن أبني قد كبر عليها. بغتة تحولت سحنة المرأة من العداوة إلى الصداقة، بدت سعيدة بلقيتها، لقيتي. ثم دعتني لشرب القهوة عندها. صحيح أني لم أرفض صراحة تلك الدعوة. لكن كيف لي أن أرفض، وهي في سحبها لي من يدي قد نقلتني من عالم إلى عالم..

أنا أعرف منطقتي وحدودها، هنا الجيران ليسوا جيراني، ليس هذا فقط ما أدهشني وعقد لساني عن التعبير صراحة عن رفض دعوتها، إنما وجدت الناس هنا يتكلمون لغة أخرى، ليست لغتي، كذلك ليست لغة البلد الذي لجأت إليه أنا وأولادي بعد مقتل زوجي.

والأغرب من كل هذا وذاك، كنت أفهم حديث الناس!! سمعت أثناء مرورنا أنا وزوجته، من تلك الجادة الرفيعة المحفوفة بالحدائق المنزلية والقنوات، حديث اثنتين من جاراتها، سمعت إحداهن تقول لصاحبتها من على شرفة البيت الكائن فوق رؤوسنا..


– انظري إلى فستانها، انه يسع 12 شهر حمل.
كانت المرأة تقصدني. لقد كنت ارتدي فستان حمل، مع أنى لست بحامل. أجده الأقرب إلى مزاجي من بين فساتيني.
عاد بي الرجل إلى غرفة الجلوس. وجدتها قد اختفت، حلت مكانها غرفة نوم. سرير كبير وجميل يتسع لشخصين. كأن فيه ذلك النبع الذي تتضوع منه رائحة العطر في أرجاء البيت، رائحة أخاذة، تُدخل الخدر وتزيل البرد الذي يجوس ظلوعي.


– الآن تستطيعين أن تغيري ملابسك. سأنسحب أنا.
– نعم؟!
– فستانك أعرض مما يجب.. وهو مليء بالثقوب.
– ثقوب؟!
صرت أفتش كالملدوغة بين ثنايا الفستان عن تلك الثقوب. وجدت ثقوباً كثيرة، صغيرة وكبيرة.. ثقوب تكاد تفضح عرييٌ اكثر مما تستره..
– لا ترتعبي هكذا.. كان في طريقك الكثير من أسلاك العالم الشائكة.


تركني الرجل وخرج.. لم يخرج من الغرفة فقط.. بل خرج من الحلم أو من الكابوس.. اختفى البيت كذلك. وجدتني على جسر صاعد. أجوس ألواحه النابضية بخوف واحتراس. كل الجسور تنحني في نقطة ما، ما بال هذا الجسر؟

صار يصعد بخطواتي المحترسة الوجلة، يصعد فقط، لا ينتهي صعوده. وجدت إلى جانبي الآن إبني الكبير، يحثني على الصعود.. كنت خائفة عليه وهو يأخذ بيدي.. أريد العودة، حاولت العودة، لكني عدلت حين رأيت أبني يتقدمني راكضا إلى الأمام.. وهو يصيح:

ماما.. تعالي.. لا تخافي، كل الجسور مثل هذا، حين تصلين إلى النهاية اقفزي، انظري كيف.. سوف أقفز أنا.. انظري.. هكذا.. !!

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق