فخ الرواية الأولى.



الروايات الأدبية التي تتحول إلى سرد بصري، غالباً ما تفقد الكثير من جودتها الأدبية لصالح الجودة البصرية.. لكن حين يكون المخرج هو نفسه كاتب الرواية، عندها قد يتحقق هذا التوافق شبه المستحيل بين الأدبي والبصري. هكذا وجدت الفلم الأمريكي (The Words) – الكلمات- الذي كتبه وأخرجه الثنائي (براين كلوخمان ولي ستيرنثال).

أنتج سنة 2012. لن أدخل في الجانب التقني للفلم والذي كان مذهلاً في درجة إقناعه.. سأقصر الحديث حول الموضوع الذي عنونته بـ(فخ الرواية الأولى).
…………..


شاب يحلم أن يكتب رواية دون أن ينجح في مسعاه.. يجلس أمام الطابعة اليدوية ولا يشعر سوى بالفراغ.. لا شيء عنده.. وفي لحظة غضب تتسبب بها عوامل متعددة على رأسها عجزه ويأسه من الكتابة، يقوم بتحطيم كل ما تحت يده من أغراض شقته، بما فيها الطابعة. الموضوع يدور في زمن لم يكن الكمبيوتر قد ولد بعد. وبعد أن فرّغ هذا الكم من الغضب والعنف، زاره الوحي.. (وحي الكتابة). ما جعله يسرع لتفحص الطابعة وهل ما زالت على قيد الحياة.

ولحسن حظه كانت الطابعة لم تزل تعمل. ظل يعمل على الطابعة لسبعة أيام متواصلة هو ووحيه يأكلان ويشربان وينامان على طاولة الكتابة.. يدخل ورقة بيضاء ويخرجها مسودة بالكلمات، حتى وصل إلى كلمة– أنتهت– كتب كلمة النهاية وتفرغ رأسه من كل الكلمات. قرأ ما تكدس من أوراق ووجدها رواية، بل رواية جيدة.

ذهب ليبشّر صديقته وترك ملزمة الرواية عندها. لكن الذي حصل أن صديقته وهي تعود له مع حقائبها نست ملزمة الرواية في القطار. لتبدأ من هنا مأساة هذا الشاب. كانت صدمة مرعبة له. هي النسخة الوحيدة. ولما حاولت هي التهوين عليه: بما أنك كتبتها تستطيع استعادتها كذلك.. صرخ بوجهها..

هذا مستحيل.. الكلمات نفذت.. هي كل ما كان يدور في رأسي ووضعتها على الورق. ترك الحبيبة وحلم الكتابة معها وتفرغ للعمل في مجال بعيد كل البعد عن الكتابة..وإلى هنا انتهى دوره..


لكن المشكلة العويصة والتي هي الفلم، كانت مشكلة الذي عثر على الملزمة. إذ بعد أن قرأها وأعجبته عرضها على ناشر وهذا تلقفها مثل كنز مفقود ونشرها. نشرها باسم من وجدها. انتشرت الرواية وتراكمت طبعاتها وانفتحت الآفاق كلها بوجه الكاتب المزعوم وصارت الأموال تهطل على حسابه البنكي من كل حدب وصوب..

وتداولته المنتديات الأدبية وقنوات التلفزيون.. حتى أقتنع أنه كاتب. بل وكتب عدة روايات كذلك وجدت طريقها للبيع السريع والنفاذ. لكن ثمة شيء مزعج ظل ينهش في دواخله اسمه (تأنيب الضمير).. أنهكه هذا الوحش القاسي حين يتفعل داخل الإنسان على مدار الدقائق والساعات والأيام.. حتى وجد نفسه يذهب إلى الناشر ويفاجئه بطلب تعجيزي:


– هل نستطيع إلغاء الرواية الأولى من الوجود تماماً.
أندهش هذا.. إذ نجاح الرواية الأولى لم يزل يدور بين الأوساط الأدبية..
– لماذا؟
– لأنها ليست لي..


هذا الطلب والاعتراف يعني بالنسبة للناشر إعلان إفلاسه ودمار مشروعه.. ناهيك عن تبعات قضائية فيما لو طالب صاحب الكتاب الأصلي بحقه. أجابه بعد أن أخذ وقتاً ليخرج من الصدمة:
– أنس أمر الرواية الأولى، لأنك كتبت بعدها روايات وهي كذلك ناجحة.
أجابه هذا:

– الكتاب الأول كان هو سبب البيع السريع لكل ما كتبته من هذيان وتفاهات.. أعرف نفسي أنا لست بكاتب.. ولا يمكن أن أكون كاتباً.. أما الجمهور والبيع السريع لهذياني فهذا يعني أنهم غير معنيين بما يقرأون أكثر من عنايتهم باسم وشهرة الكاتب.. وحتى النقاد يجهدون أنفسهم للبحث عن تأويلات ومخارج لهذيان الكاتب المشهور.. ما يهمني الآن أيها السيد.. أن الذي جعلني مشهوراً ليس ما كتبته.. بل ما سرقته.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق