عيد ميلاد


لم أحتفل يوماً بيوم ميلادي.. لسبب بسيط.. كوني لا أنا ولا حتى أمي نعرفه.. لكني أحتفل بيوم ميلاد فيروز..أعيد نشر هذا النص تحية لشمعتها الـ 83
أعطني الناي وغن.. (*)
حين كانت فيروز تتسلق معنا الصخور..
………………….


هذه التحفة الصوتية تشعرني بما يشبه الغياب.. أشعر أني غير موجود وكل من حولي مجرد وهم بما فيه حياتي نفسها التي تتجسد أمامي على شكل غلطة كبيرة.. لون كلماتها مزيج عصي على الوصف.. كأنها حنين لزمن غير معروف.. تشبه نشيد عرفاني نافس فيه شاعرها (جبران خليل جبران)

عشق مولانا (جلال الدين الرومي) لمعشوقه الذي فيه.. فقط أن معشوق الشاعر هنا هو للأبدية.. ليتلقفها الملحن (نجيب حنكش) من يد الرحابنة والرحابنة لا يفرطون بفيروز لأيَ كان. وهكذا اجتمعت فيها ثلاث أيقونات، الشعر، اللحن، الصوت..

كنت فرداً من شلة مجانين اقتطعنا من أعمارنا كثير من السنين نتسلق القمم المعلقة فوق الغيوم. وجدنا في هذه التحفة تجسيداً مستحيلاً لما نحن فيه.. اللحن يشبه صعودنا وهبوطنا على تلك القمم.. صعود ونزول بلا نهاية.. والكلمات هي مسيرتنا ذاتها.. أما الصوت فكان صوت الملاك الهابط من الأعالي.. “أعطني الناي وغن فالغنا سر الوجود”

ومن ذات المساحة السماوية يصل صوت الرب معترضاً غاضباً ” ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض” يرد الملاك مهدءاً غضب الرب “وأنين الناي يبقى بعدما يفنى الوجود” يسائلنا صوت الملاك “هل اتخذت الغاب مثلي.. منزلاً دون القصور.. وتتبعت السواقي.. وتسلقت الصخور” تتناقلنا القمم وحندس الليل البهيم..

تتعرش اصابعنا بأغصان وحواف صخور لا نراها.. لشدة الصعود والنزول من على قمم متناسلة من رحم بعضها، سينزل العقل والتركيز وبالتدريج إلى القدمين، وتظل العيون مصوبة إلى القمة متوسلة أياها أن تدنو قليلاً.. العيون لا ترى غير القمة البعيدة.. أنها تبعات اجترار التعب المتواصل الذي يجعل طابور أولئك الطالبين للعلو كالمسرنمين الذين يتبعون جنازة، غارقين في أفكارهم ومآل المتوفى..

عملية اجترار ذكريات، لا يصغون لصوت غير صوت الملاك ولا يرون غير أفخاذهم وأقدامهم وأحذيتهم وهي تتعثر بوعورة الصخور.. خدر شامل في العروق وعلى الأخص عروق الرقبة، حيث التشنجات هي الأكثر إيلاماً بسبب حقيبة الظهر وحين ترتخي عضلات الرقبة ويسحب الواحد منهم منديله لتنشيف العرق الناضح من عينيه ووجهه..

يسمع صوت الملاك “هل تحممت بعطرٍ.. وتنشفت بنور” يعرف الملاك كيف يمتزج عطر الجبل بعرق الأجساد المنهكة وهي تتوسل القمة بالدنو.. هناك فقط على تلك القمة البعيدة نستطيع أن نتننشف بالنور..

وهناك سنتساقط سكارى بلا خمر على سطوح الصخور “وشربت الفجرَ خمراً في كؤوس من أثير” يسيل اللحن على سطح غيمة كأنها تريد الهبوط وصدى الكورس يردد أنين الناي الباحث عن سر الوجود.. يعود اللحن من علياء الغيوم إلى الأرض ليواصل أسئلته الوجودية لهذه الشلة الخارجة من رحم الأرض ورحم المدينة إلى هذه الأقاصي المنقطعة “هل جلست العصر مثلي..

بين جفنات العنب.. والعناقيد تتدلت كثريات الذهب” آه أيها الملاك الرائي كنت ترصدنا ونحن ندخل غابة عذراء كأن لم تطأها قدم إنسان، تتشابك أعصان أشجارها وتتداخل.. نحن والجبل والغابة والبساتين تشكلنا الطبيعة وفق مزاجها هي لا أمزجتنا.. ننتقل من عراء الجبل وحندس الغابة إلى البساتين الفيحاء.. لقد فعلناها أيها الملاك..

كثيراً ما فعلناها تحت جفنات عنب العرائش وأشجار الخوخ والتين.. نتناثر هناك كالفائزين بجنة الرب تحت الظلال الوارفة.. تنساب من تحتنا جداول ماء نمير بخرير مخدر.. أقطف الخوخة الريانة التي اشتهتها العين..

أنزل إلى الجدول النمير، أغسلها في ماءه البارد.. أتأملها مقلباً خدودها الملونة.. أرى من تحت غشاءها الشفاف إلى أوردتها الدقيقة التي غبشتها برودة الماء.. ثم أاكلها على مهل.. على مهل.. وكأني أريد المنادمة لا الأكل..

“هل فرشت العشب ليلاً وتلحفت الفضاء” نعم أيها الملاك الراصد من عليائك فعلناها كثيراً “زاهداً فيما سيأتي.. ناسياً ما قد مضى” أصلاً حياتنا بجوار الطبيعة وتحت رحمتها كانت زهداً ونسياناً متواصلين.

يصعد اللحن السماوي من جديد مصاحباً لصدى الناي الأول الباحث عن الأبدية وسر الوجود.. ينحرف الكورس معه قليلاً ليضيف تنويعاً جديداً لسر الغناء “أعطني الناي وغن.. فالغنا عدل القلوب.. وأنين الناي يبقى بعد أن تفنى الذنوب” أي رحمة أي عفو هذا الذي تقوله أيها الملاك لهذه الكائنات المبتلاة بالذنوب..

يواصل الكورس تنويعات جديدة على رحلة الناي هذه المرة “أعطني الناي وغن.. فأنت داء ودواء.. إنما الناس سطوراً كتبت لكن بماء” يستلم الملاك في الأعالي صدى الكورس ويردد ذات الداء والدواء إنما بلحن سيّال يسيل على غيمة يختارها هابطة إلى الأرض حبلى بالماء.. يمد كلمة (ماء) طويلاً وكأنه يأخذ الغيمة نفسها لتمطر على الأرض غناءاً وماءاً..


(*) كلمات الأغنية مأخوذة بتصرف من قصيدة ملحمية للشاعر (جبران خليل جبران) بعنوان (المواكب).

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق