شيفرة الحلاقة


شيفرة الحلاقة.. أو.. دعاء الحلاقين
لا أحد من الباحثين الآثاريين اهتم بدور ووظيفة أهم اكتشاف توصل إليه الإنسان البدائي وهو يخرج من مملكة البهائم.. ألا وهو شيفرة الحلاقة.

شغلتهم اكتشافات أخرى من نوع اكتشاف النار، العجلة، تدجين بعض الحيوانات، زراعة بعض البذور..إلخ على الرغم من أن شيفرة الحلاقة كانت اكتشاف استثنائي في مسيرة الإنسان. لأن كل الاكتشافات الأخرى عملت على سد رمقه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. بمجملها حاجات بايلوجية..

بينما اكتشاف شيفرة الحلاقة جاء لتلبية حاجة مغايرة، لها بعد جمالي من نظرة الإنسان لنفسه. والمرة الأولى التي فكر الإنسان بتشذيب شعر وجهه ورأسه، كانت هي نقطة التحول الفاصلة في مسيرته، بين الإنسان البهيمة والإنسان الإنسان. جاءت تلبية لشعور باطني انتابه؛ أن عليه أن يتميز عن الحيوانات التي يصطادها ويعايشها.


في إحدى المرات التي سلمت رأسي فيها لحلاق عجوز، وجدته قد استغرق بعمله طويلاً وهو يتعامل مع وجهي ورأسي. استسلمت له ولصوت السيدة أم كلثوم وهي تحلٌّق بإحدى مطولاتها (القلب يعشق كل جميل)، بما يشبه الخدر. ولما أنهى عمله، شاهدت في المرآة وجهاً لم يكن لي قبل دخول دكانه.. سألته وأنا سعيد بما أشاهده:


– ماذا فعلب بي يا عم.. لقد حورتني..!!
أجاب الحلاق الشيخ بابتسامة صافية:
ـ أنا حين يأتيني المزاج.. أحلق بقلبي وليس بيدي..

وفي عرف الحلاقين (الحلاقات)؛ أنهم لا يمارسون عملهم إلا على أنغام الموسيقى. لا أتخيل حلاقاً يمارس عمله دون آلة تسجيل وأشرطة غناء على درج الطاولة. قد لا يرتقي وعي الحلاق بالضرورة لمعرفة الصلة بين الحلاقة والغناء، لكن سليقته الإنسانية هي التي تدله إلى تلك العلاقة بين الجمال والفرح.


مر حينٌ من الزمن ولعله ما زال؛ اضطر الحلاقون فيه أن يضعوا على أبواب دكاكينهم؛ إعلاناً يقول: أعذرونا.. لا نحلق اللحى..!! أما الحلاقات فاتخذن الامان فهجرنَّ المهنة وعلى حد قول إحداهن؛ أنهم يريدون للنساء أن تلتحي.. كان اعتذار الحلاق يحاول أن يبوح للزبون باحتجاجه أكثر من إعلامه.. يريد القول: لقد حوروا مهنتنا..

إله الأسلاف لا يحب الفرح والجمال.. أنه إله جاد لا يمزح مع اغترار الإنسان الحشرة البهيمة الأحمق بنفسه.. الضحك يغضبه، النساء تجعله يتطير ولا يرى دربه، الغناء والموسيقى تفقده التركيز في معضلة إدارة الكون..!!

فما على زبائني إلا أن يبحثوا عن إله آخر.. إله لا يسألكم يوم تحشرون كم حلاقاً قتلت.. بل كم شبيهاً لك أحييت.. إله لا يرتدي دشداشة قصيرة ولحية مبعثرة على وجه مجدور.. بل إله جميل أجمل من أي جمال رآه الإنسان.. ثم ينتهي الحلاق عبر ذلك الاعتذار المكسور إلى هذا الدعاء وكأنه ينزفه..

يا إله الإنسان ادحر إله الجرب.. يا رب الحلاقين ادحر إله السلفية شيعية كانت أم سنية.. يا إله السراط المستقيم من الجمال والبهاء والخير والفرح والحبور.. أننا لك وحدك محبون ولا نعبد ما يعبدون..!!
أنه دعاء طويل وجديد لم أجد له أصلاً في أدعية السلف الصالح.. لعله دعاء الخلف المتمرد على صلاح أسلافه..!!

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق