ذاكرة صورة الرجل الذي عشق المرأة حد الموت..!!



أزعم أن لا أحد غيري يمكن له أن يتصور مقدار القسوة التي تحملها هذه الصورة. رغم أن عناصرها تبدو طبيعية للرائي. شخصان أحدهما (عبد الحسين أبو الجيج) يبدو بملامح فيها تركيز عال ليس على شيء أمامه بل على أشياء في داخله.. حتى ليبدو خارج المكان والزمان.. والآخر الذي هو أنا مشغول بسيكارته وربما بأشياء هي الأخرى خارج المكان والزمان على خلفية جبلية واضحة. لكن ما لا يراه الرائي هو ما يكمن خلف الصورة.


المكان سجن أنصاري أيام الكفاح المسلح ثمانينات القرن الماضي يظهر جزء من بابه الخشبي في الصورة. وهذا السجن مفارق لسجون الأنصار.

كونه بسجّان واحد وسجينة واحدة. السجّان هو عبد الحسين والسجينة امرأة كوردية من السليمانية بعنفوان الشباب والجمال حد يجعل لعاب كل من يراها من كائنات الجبل (الأنصار) يسيل، لمجرد رؤية مشيتها وهي تسير أمام سجانها إلى المطبخ لتحصل على وجبتها..

جسد جيلاتيني متمرد يريد الخروج من أسر ملابسه إلى العراء لينعم بحرية ملامسه الهواء. لا تعنيني الآن طبيعة التهمة الموجهة لهذه السيدة الكوردية كونها مرسلة من قبل المخابرات العراقية لاختراق الأنصار.. ما يهمني هنا مأساة صديقي عبد الحسين.


لكن، من هو عبد الحسين لازم إبن (ربيّة وذّاح)…؟ سألت صديق طفولته ويفاعته (غازي صابر).. وكتب لي من بين ما كتب ((سأكتب لك مشهداً لا يغيب عن بالي.. كنت بين ثلاثة من الأقوياء يحيطون بي كالأسوارة؛ أحدهم يحمل بيده عصا غليظة أما الآخران فيحمل كلٌّ منهما كيبل من المطاط.

أنهالوا عليَّ بالضرب وكنت بينهم كالكرة يتقاذفوني من واحد للآخر.. وكان رابعهم يجلس خلف منضدة وقد انطرحت عليها بندقية كلاشينكوف ومخزن إطلاقات محشو خارج البندقية.. كان نظري يسقط على الإطلاقات المحشوة في المخزن كلما صرخ بوجهي رابعهم: اعترف يا إبن الكلب من الذي علمك تتهجم على الحزب والثورة؟

وكان الذي علمني هو (عبد الحسين).. أما عقلي فقد أنفصل عن جسدي لقوة وشراسة الضرب لكنه ظل متعلقاً بالإطلاقات المحشوة.. ومعه استعيد العجوز (ربيّة وذّاح) بابتسامة فمها الأدرد الخالي تماماً من الأسنان وهي تناشدني: هل تقبل أخوك عبد الحسين يستهزأ بما أطبخه..؟

وكان عبد الحسين يدعوني كلما طبخت أمه بامية مع الرز قائلاً: “اليوم رح أوكلك طلقات ربيّة وذّاح” لأن ربيّة الفقيرة لا تشتري من السوق إلاّ البامية الرخيصة الكبيرة والطويلة والتي تشبه الإطلاقات..))


تعرفت عليه متأخراً لأنه يكبرني عمراً.. وكان لقب (أبو الجيج) الذي أطلقه الشباب عليه، ربما عائداً إلى حرصه على التحدث باللغة الفصحى. وكانت له مفرداته الخاصة كلها عن الأحلام والجمال والأمل ويبالغ كثيراً في الفاصل الأخير من اللقاء وهو يتمنى لمن يودعه؛ أحلاماً سعيدة وصباح مشرق وغد وضاء وورود فواحة على رأسها الياسمين والنرجس والرازقي.. وسماع فيروز الصباحي..!!.

هو لاعب ساحة وميدان في فريق آليات الشرطة في حصة الـ(100 متر). يُشاهد يومياً وهو يركض على مدار ساحة كرة القدم الترابية (ساحة فريق ابو الوليد).. أما عمله الحقيقي في الشرطة فكان في خدمة الخيول (سائس). كثيراً ما يتحدث عن الخيول وجمالها وقوة أجسادها وكأنه يتحدث عن بشر

ويسلط جام غضبه ولعناته وشتائمه على البشر الذين يسجنوها في أسوار بينما هي مخلوقة للجموح والإنطلاق ومسابقة الريح.. وكان يقارنها بنا نحن الفقراء.. نحن كذلك جموحين ونتمتع بقوة قادرة على تحطيم كل الأسوار التي تسجننا، لكنهم نجحوا بتلقيننا معارفاً وقيماً بالية جعلتنا بلداء وكسالى ومطيعين.


كان حلم (ربيّة وذّاح) أن يتزوج عبد الحسين لترى أولاده قبل أن تموت. لكنها ماتت ولم تر لا عبد الحسين ولا أولاده. كما هي لم تكن تعرف شيئاً عن حكاية عشقه الجامح جموح خيوله.. وكنت شاهداً على حكاية عشقه لأني أعرف المعشوقة، فتاة جميلة لا تقل عنه جموحاً في أحلامها فقط أنها خارج مدار عالم عبد الحسين. ذاع صيت هذا العشق وتسبب للمعشوقة بالكثير من الإحراج؛ لأنه ببساطة كان يقسم بأسمها وحياتها كلما أراد تأكيد شيء لمن يسمعه.

وهي لم تكن ترى فيه أكثر من مرآة تطالع فيها جمالها وتوله أحدهم بهذا الجمال. وحين ناشدتها أن ترحمه.. قالت “هو لا يريد أن يرحم نفسه”.


ومع تكاثف الغيوم السوداء في سماء البلد وتصاعد هجوم عسس البعث وكلاب صيده على كل من هو خارج إطار السلطة، بخطف الشباب من الشوارع وتضييعهم واعتقال العوائل المتسترة على المطلوبين، اختفى عبد الحسين.

ولا أحد يعلم إلى أين ذهب. لأختفي أنا بعده بسنوات. ومن ثم نلتقي في هذه الصورة بعد سبع سنوات من الفراق. لكننا التقينا بحالتين متعاكستين. كنت أنا مقاتلاً لم أزل بكامل شحوم حماستي وإندفاعي مشغولاً بهموم ليس من بينها النساء بل وليس من بينها حتى عائلتي أمي وأبي.. بينما هو كان مفرغاً من كل هذه الشحوم..

كان حاله أشبه بحال مقاتل متقاعد، طلّق السلاح والمعارك والعمليات والكمائن وارتكن في المقرات الخلفية. تقاذفته مقرات القواطع حتى رسى في مقر قاطع (زيوه). مقاتلاً يكاد يكون غير مسلح سوى بمسدس أعطوه إياه ووجدوه كافياً ليحرس به سجن عذابه. كان متعباً نفسياً أكثر من تعب الجسد.

رأسه مسكون بكائن وحيد هو (المرأة). يريد الزواج في مكان لا فرصة فيه للزواج.. أخيلته شغالة على مدى الساعات بهمس المرأة، حنانها، حضنها الدافئ، ترافتها، وسعادة اللحظات في وصالها الجنسي.. لا شيء في رأسه غير هذا الهووس الذكوري بالإنثى.. ولما سألني عن أخبار معشوقته. لم أكن قاسياً معه بقول الحقيقة؛ أنها نسته منذ الأيام الأولى. قلت: لا أعرف.


لكني تنبهت إلى حالته الراهنة سجاناً للمرأة التي يحلم بها. ووجدتهم قد عاقبوه دون أن يقصدوا ربما. جعلوه سجاناً لهذا الجسد الفائر الكائن خلف الباب. لا شيء بينه وبين تحقيق حلمه بجسد المرأة غير هذا الباب وهو حارسه.. بضعة أمتار لا غير..

ليحصل على هذا الجسد الذي يقطع خلفه كل يوم ولثلاث مرات خمسين متر من العذاب وهو يرنو إلى جيلاتين أعضاءه وهي تكاد تتفجر أمام عينيه.. ويرافقها حين تريد قضاء الحاجة في الخلاء.. كما يجعلها أمام عينيه لساعة أو ساعتين في اليوم للتنفس. قلت له:
– شكد لئيم هذا آمر فصيلك؟


وأنا حقاً وجدت الأمر أشبه بعقوبة مقصودة. لكنه كان مستمتعاً بعذابه. وعلى أية حال كثيرة هي المفارقات في حياة هذا الكائن الذي لم ير من حياته سوى البؤس والعذاب.. وحتى استشهاده كان من نوع المفارقة. أنه كان الشهيد الأخير في الحرب.

وعلى الدوام كانت قصص آخر الشهداء قصص مروعة.. يحدث أن يستشهد أحدهم بعد وقف إطلاق النار بدقيقة واحدة مثلاً.. لو مرت الدقيقة لكان حياً. هكذا كان استشهاد عبد الحسين لازم.. إذ لم تكن المسافة بين حياته ومماته سوى لحظات..

تمكن كل أفراد فصيله من النفاذ من شرنقة الحصار المضروب حولهم وتمكنوا من النجاة إلا هو واثنين من الأنصار تلكؤا في الإنسحاب وكأنهم كانوا ينتظرون القذيفة التي سقطت في وسطهم وجعلتهم اشتاتاً. وأين؟…. في موضع السجن…!!!!!!
مات عبد الحسين في الأربعينات من عمره ولم يتذوق طعم المرأة.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق