ذاكرة الأسماء.



قيل أن الشخص الذي يظل اسمه يتردد في داخلك على مدى 24 ساعة من مفارقته.. أعلم أنه ترك شيئاً منه فيك. يصح هذا القياس على علاقات العشق كما يصح على الصداقات والمعارف العادية. وليس بالضرورة أن يكون الشيء المتروك مهم وعظيم وفريد ومخيف و و و…إلخ قد تكون ضحكة أو كلمة طافرة عن سياقها والاحتمالات كثيرة.

فكيف يكون الحال وثمة أسماء لم تمح من ذاكرتي حتى بعد مرور أكثر من أربعين سنة على المفارقة.
أربعة أسماء قادمة من أيام الدراسة المتوسطة في مدينة الثورة. الغريب في أمرها؛ أني ما أن اتذكر أحدهم حتى يقبل الأربعة مع بعض.. وأعتقد السبب عائد لارتباطهم بذات الزمان والمكان.. (متوسطة الإنتفاضة للبنين)..


عبد عيسى مشاي/ عبد الخالق الركابي/ استاذ سالم أبو النزبة/ استاذ محمد الحيدري (قلم أبو المساحة)..
سأبدأ بالأسماء من الأخير. الاثنان الأخيران القابهما من صنع الطلبة. استاذ سالم ونسيت اسمه الكامل لا يلفظ حرف السين على قطع رقبته، يلفظه (زاي). ومصيبته أنه يستهلك مفردة (نسبة) بشكل مبالغ به خلال درسه.

كان يدرسنا الكيمياء. والملفت والذي رسخ أسمه في ذاكرتي مع مفردة (النزبة)، أنه كان بعثياً عقائدياً يحرص على إدخال شعارات ومفردات حزبه في كل موضوع من مواضيع الكيمياء.. على سبيل المثال “أن عنصري الماء الـ(H2O) مترابطان كترابط الوحدة والحرية والإشتراكية”..!!!


أما الثاني استاذ محمد الحيدري (قلم أبو المساحة).. فكان رجل دين يرتدي زياً مفارقاً لأزياء المدرسين، زيّه الديني؛ جبة وجاكيت وعلى رأسه كشيدة بغدادية حمراء طولانية محاطة بقطعة قماش خضراء.. ولطوله الفارع ونحافته بدا مطابقاً لخيال التلميذ الذي أطلق عليه اللقب للمرة الأولى.

هذا الرجل درسّنا في الصف الأول (الفيزياء) ورغم اكسسواراته الدينية، إلا أنه لم يدخل الدين في الفيزياء. كان يحترم علمية درسه. وحدث أن أختفى فجأة وظل درسه شاغراً إلى فترة طويلة، حتى كدنا نرسب جميعاً حين أوجدوا لنا بديلاً قبل امتحانات رأس السنة. لم يقدم أحد تفسيراً لاختفاءه.

سوى إشاعة تداولها الطلبة لعل مصدرها المدرسين؛ أنه معتقل في الأمن العامة لأسباب تتعلق باتجاهه السياسي قد يكون (أخوان مسلمين) أو (حزب التحرير) على العموم لا شيء مؤكد. لكنه ظهر مرة أخرى في الصف الثالث، أي بعد عامين. وكان اللافت في ظهوره أن جلد وجهه وكفيّه ومؤكد ذراعيه كانا مسلوخين وبلونين.

لون أصلي ولون جديد. وفهمنا نحن التلاميذ وقتذاك أن المكان المسمى (الأمن العامة) أقل ما يقدمه لضيوفه أنه يسلخ جلودهم.


استاذ (عبد الخالق الركابي) الذي أصبح فيما بعد روائياً معروفاً في البلد (له طولة العمر). كان يدرسنا (الرسم). وكان أنيقاً وكل المدرسين كانوا أنيقين في ذلك الزمن، إلا أنه افترق عنهم بتخليه عن ربطة العنق. وكان يبدو لنا عصبي المزاج على طول.

يدخل الصف وكأنه خارج للتو من شجار. يطلب من شاغلي الرحلة الأولى أن يبحثوا لهم عن مكان آخر. يقلب الرحلة ويجلس عليها وجهه علينا وظهره إلى اللوح، ويقول:
– ارسموا.. أرسموا اي شيء.


يفتح جريدته (طريق الشعب) على خطيها الأحمرين ويقرأ. لكن والحق يقال أن البسبسة المفترضة بين الطلبة في هكذا مناسبات يصل منسوبها معه إلى الصفر. والسبب ببساطة، كان يضرب. في كل الأحوال كان درسه لنا بمثابة استراحة من معاناتنا اليومية مع الحصص الأخرى. ولا أدري ما الذي دعاه في ذلك اليوم، أن يترك جلسته المريحة والتي تستمر حتى نهاية الحصة في العادة، ويأتي ليقف فوق رأسي.

لكن ولحسن الحظ، لم أكن أنا المقصود، بل رفيق رحلتي (محمد ذياب) الجالس أقرب إلى الشباك. كان هذا واضعاً كفه الأيسر على الرحلة بوضع مفتوح وأمام الكف وضع مثلث الهندسة الشفاف بين كتابين لجعله واقفاً وأخذ يرسم المشهد على ورقة بيضاء صقيلة (A4).

كان يحاول رسم موشور الضوء والظل الداخل من خلال شفافية المثلث إلى الكف. لم يعنني كثيراً ما أنشغل به محمد، أعرف أنه رسام، بدليل أنه رسم أغلب وجوه الطلبة وبكامل ملامحها. رغم خباثته معي أنا رفيق رحلته، لم يرسم وجهي للأخير، يقول “وجهك صعب.. فيه كومة شغل”.

كنت أمتعض منه لكن دون أن أفهم ماذا يقصد بـ(بكومة شغل) ووجهي في الأخير وجهٌ كباقي الوجوه التي يرسمها بدقائق. وبينما أنا مخلوس من وقفة استاذ عبد الخالق فوق رأسي، سمعت صوته يطلق ما يشبه الصافرة أووووو.. ثم ضربني على كتفي طالباً مني التنحي. تنحيت وجلس هو بمكاني بجوار محمد.

دخل الاثنان في لغة أخرى غير مفهومة لا لي ولا لبقية الزملاء. ظللت واقفاً لا أريد الإنحشار بين اثنين على رحلة أخرى.. سمعت مفردات منظور ومشطور وجملة لونية وكلها تنتمي للرطينة غير المفهومة لي. ظلا يبسبسان مع بعض لوقت طويل حتى سماعنا لجرس نهاية الحصة. عندها قام وقال وهو يشير إلى محمد:
– هذا فنان.


ظلت المفردة توش في إذني طيلة السنين (يعني شنو فنان؟) حتى اهتديت في وقت متأخر إلى معناها.. أو هكذا أزعم. أن خطوط الرسم ليست مجرد خرابيش عبثية.. بل هي حروف يشكلها الفنان ويصيغ منها جملاً ونصوصاً كما يفعل كاتب النصوص..

الفرق بين الاثنين أن رسالة حروف الكاتب تكون في الغالب مفهومة في ثيمتها ومراميها.. لكن حروف الرسام تظل عصية على الفهم ما لم تتوفر للرائي ثقافة بصرية.. لأن أداة التقاطها ليست الإذن بل العين.


أما استاذ (عبد عيسى مشاي).. فالذي تركه فيَّ لا يعدو عن كونه فايروس الكتابة. وهذا الفايروس حين يتمكن من أحدهم يحيله إلى كائن بوظيفة وحيدة قد لا تحتاجها حياته. كان يدرسنا (اللغة العربية) بقواعدها ومطباتها، المرفوع والمكسور والمجرور والمنصوب عليه والفاعل والمعفول به والمفول لأجله والمفعول لخاطر عشيرته…

رطينة كرهتها. لذا كنت في درسه على حافة الفشل على طول الخط. تنجدني من السقوط درجة الإنشاء التي أحصل عليها كاملة مع فتات درجات من النحو والصرف. انتحى بي يوماً وعاتبني بمفردة (أخي) وهي المفردة التي يتعامل بها مع طلابه ومع غيرهم..

“أخي أنت محيرني.. إنشاءك قوي بس مليان أخطاء قواعدية.. ورغم هذا اعطيك الدرجة الكاملة.. تعرف ليش.. لأنك تكتب باحساس.. أتمنى تستمر تكتب” ثم دلني على شيء أسمه (اتحاد الأدباء) وأمسيات الأربعاء.

وكان حالي حال الكلب الذي يدلونه على دكان القصابة. ظلت تلك المحادثة تحوس في داخلي حتى تفعلت بعد عشرين سنة في رواية (ليالي ابن زوال). وكأنها كانت فايروساً نائماً.

لأعرف لاحقاً وبعد فوات الأوان أن الأدب والكتابة ما هي إلا حرفة من لا حرفة له، حرفة مكلفة لا تنسجم مع أي إنشغال له بغيرها.. أنانية وغيورة.. تشبه أنانية وغيرة زهرة النرجس أنها لشد ما هي جميلة ومذهلة وفواحة عطرياً إلا أنها ببساطة تقتل كل ما حولها من نبات وأعشاب..!

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق