حنا مينة, هل نجحت في الهروب من؟



كنت أكتب رواية ميدانها البحر. وهي تجربتي الأولى. وكنت فيها مرعوباً من أحتمال الوقوع في شراك المؤلفين الذين أحببتهم. من أن أجد نفسي اكرر واستنسخ هذا أو ذاك منهم دون إرادتي وهذا أمر قد وقع فيه كثيرون. ولأن الرواية كان ميدانها البحر، فكان (حنا مينة) الأكثر رعباً لي.

راوغته على مدار النص، وما أن أنجح بالزوغان وأسحب لي نفساً في الكتابة حتى أجده أمامي من جديد. كيف لي الخلاص وأنا أخوض في بحره.. لقد تطفلت على مملكته.

حتى أني في ثنايا السطور كنت أسمع همسه مشفقاً “أيها البحار الصغير.. أنت في مياهي.. لن تنجو مني.. ستجدني بين سطورك..” كان عنيداً كما هو بحره. لم يترك لي هامشاً للمقاومة سوى الهروب. لم أهرب من الرواية، بل هربت من بحره. اقنعت نفسي أني أكره البحر الذي أحبه هو حد الجنون.. وقلت لنفسي أني بهذه التعويذة سأشفى منه.. لأن حنا مينة الذي عرفته كان هو والبحر صنوان يتبادلان المواقع. إن نحيت بحره سيتنحى هو ويعتقني.


لكن، هل نجحت..؟
لا أدري. أترك هذا المقطع من رواية (ليالي إبن زوال) شاهداً على ذلك الصراع.


((… كان يظن قبلاً أن لا شيء أوجع للإنسان وأكثر تبشيعاً لإنسانيته من عزلة ربايا الجيش. وهو يرى الآن؛ أن البحر والربيئة صنوان يتبادلان تهديم أرواح الجنود والبحّارة، عناصر التهديم هي ذاتها، العزلة، الإحساس الكامن بالخطر، العلاقات المفروضة.. والانتظار. هنا وهناك ثمة عدو مجهول يتربص بك، ورغم كونه مجهولاً غامض الملامح، إلا أنك تعايشه، تتشربه كل تفاصيل حياتك اليومية.

ما عليك في النهاية سوى المواجهة، مواجهة مصيرك الذي لا تدري كيف سيتشكل من تلك العجينة المخلوطة بالخوف، القلق، الشك، الانتظار. الانتظار هو سيد اللحظات الناضح بها زمنك الممجوج. وبما أن هشاشة طبع الإنسان لا تجعله ينتظر الفواجع والكوارث، لذا تراه يرسم لانتظاره شكل الفرح..

الفرح في الإجازة لدى الجنود، والوصول إلى الميناء المنتظر لدى البحٌار.. لكل جندي مشروعه المفضّل في الإجازة، المشروع الذي يجعله طيلة وجوده في الربيئة ينسج خيوطه، كذلك للبحار ميناؤه المفضل، الميناء الذي يحول كل موانئ البحر إلى محطات انتظار متشابهة للوصول إليه.


ما زال لم ينسج له علاقة مع البحر. لذا هو لا يحلم بمينائه المنتظر، كل الموانئ في رأسه وأمام نفسه المنقبضة متشابهة. كانت علاقته بالبحر علاقة المشاهدة، لا الخوض. لم ير بحراً في حياته، رآه للمرة الأولى في تينك المدينتين (أثينا) و(تسالونيك). قبلهما، لم ير بحراً إلا في الأفلام.

ورغم كل الأفلام التي شاهدها عنه، وكل الروايات التي قرأها، لم يحببه. أحب أشياءً كثيرة أثارتها في نفسه الروايات والأفلام.. أحب (باريس) وهو لم يرها. ظل زمناً يتجول ويرتاد مقاهي الحي اللاتيني والشوارع اللاصفة بالضوء والجمال وشهوة النساء المتحررات. ارتاد المقهى الذي اعتاد ارتياده الفنانون والأدباء والهيبيون كما صوره (سهيل أدريس).

مثلما عشق (سانت بطرسبورج) رغم كل البؤس الذي صوره (دستويفسكي) لتلك المدينة الجاثمة على أرواح الناس كما تروس آلة جبارة.. وساح في سهوب روسيا وغاباتها، وتعرف على فلاحيها وأسرها المميزة كما أراد (تولستوي)..

وهو يعجب الآن من ذلك العناد، ذلك الإقصاء الذي فعله لبحر (حنا مينة)، و(همنغواي). كان يتشوق لرؤية (اللاذقية) و(طرطوس) و(بانياس) وكل مدن وقرى الساحل السوري، حتى أنه على قناعة أن باستطاعته الوصول إلى تلك الحانة الكائنة في زاوية منسية من المدينة البحرية (حانة ماريا) دون دليل، والوصول إلى تلك الصخرة التي انبثقت من ظلها (حكاية بحار)..

لكن رغم ذلك لم يعشق بحرها، ظل البحر كتلة زائدة في كل روايات (حنا مينة) هذا المهووس باللاذقية وبحرها.. ولا يذكر من (همنغواي) وبحره سوى تلك العبارة اليتيمة (ممكن للإنسان أن يُدَمر، لكنه لا ينهزم) يداولها مع نفسه مثل حكمة، نبوءة، أو وصف سحري للإنسان.

في قرارة نفسه كان يحاول لصقها بسلوكه، لتمييز سلوكه عن سلوك الآخرين الذين وجدهم ويا للمصيبة أن أول ما يفكرون به في أول مواجهة هو الهزيمة! قل هم مهزومون قبل أي مواجهة. كان يردد تلك الحكمة، التميمة، مع نفسه ويحاول أن يكونها، رغم أنه نسي الرحم الذي خرجت منه تلك التميمة، نسى البحر.

وها هو كما يرى نفسه الآن أبعد من أن يكونها، مهزوماً أمام البحر من أول مواجهة، لا يختلف عن أشباهه.. عارياً أمام نفسه يحاول مراوغة نفسه بيقين جديد أو هروب جديد؛ أنه لا يحب البحر، يكرهه، يخافه كما الموت ولسبب يجهله.. كأنه يحاول القول؛ أنا لست مهزوماً.. لكني أكره البحر…))

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق