حكاية لبناينة قديمة.



يحلق لحيته بحذر وهدوء والبندقية معلقة على كتفه. مشهد شهدته عشرات المرات كما أنا نفسي مارسته. ما الذي جعلني الآن اقف أمامه مذهولاً. أستوقفني المشهد. شعرت أن ثمة ما يشيع السكينة والخدر وسط رعونة وعربدة الإنفجارات والصراخ والأوامر وما يخلفه كل هذا من توتر، قلق، خوف، حيرة اللحظات الأخيرة لهذه الأرواح المأخوذة بلعبة الموت.

أنتهى الشاب من حلاقته. أخرج من حقيبته العسكرية عبوة عطر الكولونيا، فتح غطائها ووضعه في جيب بنطاله العسكري. رش رذاذ الكولونيا على وجهه الصقيل وحول رقبته. مسح وجهه ويديه.

هو رفيقي في الموضع. أعرف حكاية طقسه الصباحي الذي يبدأه بالحلاقة على أنغام النصف ساعة صباحية من أغان فيروز، يسمعها من راديو الترانسستور الصغير الذي لا يستغن عنه مطلقاً. ثم يعد قهوته التي يشربها في هذا الموعد وفي كل الأحوال.

قررت عدم الإنسحاب. دنوت منه. نظر إلى عيوني فوجد أن الذهول قد تعدى سخريتي المنتظرة مما يفعله. ابتسم ودعاني لشرب القهوة معه. كان فعلاً قد أعدها قبل بدء الحلاقة هذه المرة. قال:
– لا تقل شيئاً. أنا أمارس إنسانيتي.
– يا مجنون أنت تستعجل نهايتك. أننا منسحبون والمهاجمون لا تفصلهم عنّا غير بعض مقاومة.
– هذا ما تبقى لي من حياتي القديمة.


فجأة أنبثق في رأسي دوي غطى على دوي الإنفجارات المحيطة بنا، تبعثر الدوي إلى أسئلة صغيرة، أسئلة مدببة تنقر فيه مثل عصافير مجنونة.. وأنا.. إلى متى أظل مبعثراً لا يضبط حياتي ثبات ولا طقوس.. الإستعجال والهروب هاجسيّ حياتي الدائمين..

حتى المرأة أنتهي منها كما بدأت.. أستعجل اللحظات ولا أستمتع بها.. إلى متى أظل طريد القوم الواقفين على الباب..؟ تكورت أسئلتي العصفورية على قرار وحيد اقتحم كياني وسكنني: الهروب. نعم. الهروب من الحرب. ركنت سلاحي في الموضع وهربت. هربت لأنسج لي حياة جديدة تستند إلى ثبات من نوع ما.


دخلت التجربة متحصناً بحزمة قرارات ومواعيد صارمة أضبط بها إيقاع حياتي اليومي. بدأتها باستئجار غرفة الفندق. تبدأ حياتي من الساعة السادسة صباحاً وتنتهي عند العاشرة ليلاً. ولأن العلاقات في هذه المدينة ملتبسة وملغومة بألغام الحرب، إذ تبدأ من “السلام عليكم” لا تعرف متى وكيف ستنتهي، قررت عدم الدخول في علاقة مع محيطي الجديد.


مضت ستة شهور على ثبات حياتي. لم أغير طقوسي اليومية حتى صرت أؤديها بقوة العادة، لا بقوة الإفتعال كما بدأتها. ابدأ يومي بالنهوض وفتح شباك غرفتي. أستنشق نسيم البحر المجاور. أعد قهوتي ومعها أدخن السيكارة الأولى. أتكاسل قليلاً حتى يصل الرجل العجوز الكناس.

أتحادث معه من شباك الغرفة المطل على الزقاق الجانبي. هذا الرجل بمرور الأيام صار جزءاً من ثبات حياتي الجديدة. حتى الحوار كان هو نفسه منذ بدء تعارفنا:
– صباح الخير أبني.
– صباح الخير عمي.
– كيف الحال؟
– مثل البارحة.


وإذ يهز رأسه ويحاول الإنسحاب، أستوقفه بسؤالي الوحيد الذي لم يتغير:
– ما هي أخبار الأولاد؟
يجيبني:
– الله يلعن السياسة وديب السياسة.
وجدت الرجل يشبه حياتي المفترضة.

كل شيء غيرته الحرب في هذه المدينة المجنونة، إلا هو. ظل على عمله القديم ينظف الزقاق من النهاية إلى النهاية وحتى لا أحد يعلم من يدفع له الأجر. تتعايش في داخله كل تناقضات المدينة: مسيحي ينظف زقاق مسلمين، أكبر أولاده مع يسار المدينة، الأوسط مع يمينها أما الأصغر فقد هاجر مع أمه إلى حيث لا يدري. بعد هذا الحديث أتسكع في دروب المدينة البعيدة عن الحرب وبعد الغداء أعود لنوم القيلولة.

ثم القهوة المسائية والدوران من جديد إنما في شوارع غير الصباحية. وبعد العشاء أعود للفندق. وقبل النوم كما في كل ليلة تتناهبني كتائب من الأسئلة تظل توز في رأسي حتى تأخذني إلى تخوم النوم.


لم أغيّر شيئاً من طقوسي طيلة الشهور الماضية. لكن، اليوم استجد أمران في حياتي الجديدة. الأول، نفاذ نقودي وجدت ما بحوزتي من نقود جمعتها طيلة حياتي الحربية، لم تعد تكفي اسبوعاً آخر. والثاني، أن الرجل الكناس، لم يصل في موعده الصباحي المعتاد. ومع استمرار غيابه طيلة اليوم صرت أفكر فيه، بل قلقت عليه. وإذ سألت صاحب الفندق عنه، أجابني إجابة غامضة.

قال:
– سببان لإختفاء البشر في هذه المدينة.. الموت والفلوس..!! أدع لصاحبك بالسبب الثاني.
حزمت أمتعتي القليلة ويممت وجهي شطر البحر القريب. لا أحمل تصوراً واضحاً لما سأفعله.. فقط أن صدى الغموض في إجابة صاحب الفندق عن طرق أختفاء البشر ظلت تطن في رأسي.

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق