بورتريه أمل الزنجية, خلطة عشبية.




أمل كما وصفتها النساء في زمن لاحق هي غصن البان. وهن لم يخطئن. رغم أن في هذا التوصيف كان ثمة قدح مقصود. للبيئة التي خرجت منها نبتة (أمل) ثمة مقاييس للجمال مفارقة.. يقف على رأسها مقياس اللون، أنها تعشق اللون الأبيض رغم أنها بيئة معروضة للشمس التي لا ترحم..

وأمل خمرية اللون سمارها مشوب بحمرة الشفق الآفل.. والعيون في هذه البيئة يتسيدها اللون الأزرق والأخضر أما العيون الوسيعة التي تحاكي عيون البقرة فهي التي تقف على رأس بورصة العيون ..

وعيون أمل صغيرة صافية السواد بأهداب ممسكرة بمسكرة الطبيعة.. عيون لا تخطئ البوح أن هذه البنت تملصت للتو من فراديس نومٍ كانت تمرح في ربوعها.. كأنها أسيرة نعاس أزلي.. ولا أحد يعلم بعد كيف للحاجبين أن يظلا خيطاً رفيعاً يؤطر رموش العينين بلا تدخلات بشرية من تاتو وماتو..

أما الجسد فإن كانت الغلبة فيه ما زالت في هذه البيئة للطول المكتنز لحماً وشحماً.. فجسد أمل يوحي بالهشاشة.. طول فارع يتمايل كغصن البان مع نسمات الريح بغنج فطري.. أما هالة الشعر التي تؤطر وجه المرأة هي الأخرى محسوبة على ذلك المقياس المفارق لنفسه، الأشقر هو لون المديح..

وشعر أمل أسود على كستنائي حائر بلطخات رسام ظل حائراً زمناً طويلاً أي لون يختاره لهذه الهالة.. على العموم لا شيء يربط أمل بسلالتها الزنجية سوى غلظة الشفايف المحمرة بحمرة الطبيعة والتي ستكون في قادم الأيام هي شرارة إشعال حرائق قلوب العشاق.. شفايف محروسة بغمازتين كانتا جديرتين بتنشيف ريق الكثير من الشيب والشباب..

طفلة وصبية وفتاة وامرأة ظلت مكتفية بجمالها المتفرد.. حكايتها هي حكاية النجاح الباهر لقانون الطفرات الجينية الذي هو نفسه لا يلتزم بالقانون. ومثلما كانت هي هدية هذا القانون العبثي، ستكون في قادم السنين ضحيته. أو بمعنى أدق عقدة أبيها مع كل عاشق يتقدم لخطبتها، بردّه القاطع مثل سيف بتار:


– وليدي !! روح شوف قسمتك من أصلك وفصلك.. أحنا بينا ملوحة.
ظلت تلك (الملوحة) التي تعني للأب الحنين والتعصب لأصوله الزنجية البعيدة، هي الطلسم الذي عجز عن فك رموزه كل من تقدم لها من الخطاب.. إذ لا شيء في البنت يدل على ملوحتها (زنجيتها)..


وثمة حكاية في سيرة أمل سبقت مولدها. كانت بطلتها أمها (دمعة). تقول عن نفسها؛ بعد أن سئمت ويأست من أن تكون كسائر النساء برحم ولود، ارتكنت إلى تلك الإرادة الحاضرة الغائبة في حياة أشباهها.. إرادة الله.. الله لا يريد لنا الخلفة للذنوب الكثيرة التي ارتكبها مزعل في حياته.. ألا يكفي أنه لص الدواب المشهور بين العشائر..

لكن يا إلهي ألا تكفي توبته غفراناً لتلك الذنوب.. ما ذنبي أنا بذنوبه.. أكثير عليك كمشة لحم تكبر أمام عيني وأرى نفسي بها.. كانت دمعة تبحث عن جدوى لحياتها.. ظلت لا تمل من ملاسنة القدر وتهديده بأدعية تستحضرها من نداء رحمها الخاوي.. وكثيرة هي الأدعية التي اعتادت مع كل مغربية أن تطلقها بوجه قدرها القاسي..

وكانت المغربية هي الوقت المفضل كما عرفت من المحيطين بها.. في هذا الوقت تفتح السماء آذانها وتسمع نداء المظلومين والمكلومين وطلاب الحاجات.. في هذا الوقت يكون الملائكة على مقربة من البشر لينقلوا رسائلهم إلى الرب في عليائه.. وهو كذلك الوقت الذي تكون فيه متوحدة بصريفتها مع ذبالة ضوء فانوس نفطي يتيم..

إذ اعتاد مزعل أن يغادر صريفته إلى مضيف الشيخ ماهود.. عادة لم يبدلها منذ اتخاذه من سلف الشيخ سكناً له ولدمعة بعد أن ترك الحرمنة وتصافى مع الشيخ.. تزيح شيلتها عن جبينها لتعريه تماما كما تعري صدرها وهي تدق عليه بضربات يتحكم مزاجها الآني بحدتها..

تكون أحيانا تلك الضربات شبيهة باللطم وأحياناً أخرى تشبه المداعبة حين ينزلق كفها لمداعبة نهديها المتوثبين الكبيرين غير المستخدمين بعد لا لدر الحليب ولا لمداعبات مزعل، الذي لم تدخل بعد هذه المداعبات في قاموسه الجنسي..

وما أن تداعب حلمتيها وتشعر بلذة الإستثارة حتى تصحو على نفسها وتعود إلى السماء البعيدة تناشدها بعتاب ولوم ورجاء واحياناً بتهديد وهي تفرد إصبعها السبابة.. لكنها سريعاً ما تتراجع عنه بسيل من الاستغفارات والمعوذات.
وحصل أن استجابت السماء لذلك الجهد المثابر الذي امتد لعشرين سنة..

إستجابة جاءت على يد غجرية عابرة مرت بالسلف كما مر غيرها من غجر وفتاحين فأل وأصحاب دكاكين متنقلة على ظهور الحمير. وكانت وصفة الغجرية هي وصفة البان والمستكي والزعفران، تُطحن وتجعل على هيئة مرهم عليها أن تدهن به كل جسدها على الأخص مكان السرّة وما تحتها.. ولهذا الخليط عطر فواح لا يشبه أي عطر معروف..


في تلك الليلة يقول مزعل؛ أنه كان عائداً من مضيف الشيخ وسط ظلام دامس. خرج من سهرة الشيخ منتشياً بالخمور الجديدة التي جلبها الشيخ من سفرته إلى بغداد.. خمور ملونة لم يحفظ أسماءها بعد لا تشبه العرق برائحته الفاضحة.. بين المضيف وصريفته الكائنة على طرف السلف ليس أكثر من مئة متر.. لكنه أضاعها الآن..

لعن الظلام ودروبه ولم يلعن تلك الخمرة العجيبة في طعمها وسلاستها وما ضخته في عروقه من نشوة لم يتعرف عليها من قبل.. ظن أن سكره أخذه بعيداً إلى حيث حوطة غرف زوجات الشيخ وأولاده.. أو لعله عبر إلى حوطة السراكيل..

أنه شمَّ عطراً فواحاً ناضحاً من ظلام صريفته المضاء بفانونس شحيح.. وهذا ما لم يحصل في صريفته منذ ابتناها هنا.. هذا يحصل فقط في أكواخ وغرف الشيوخ والسراكيل.. تفوح هناك على الدوام مثل هذه العطور الطاردة والجاذبة..

أما أن تكون صريفته هي منبع هذه الفوضى من العطور.. يا إلهي ماذا يحصل لي.. عهد قطعه مع نفسه أن لا يقرب نساء السراكيل ناهيك عن نساء الشيخ.. قديما كان يفعلها في ذلك الردح من شبابه الذي قضاه في الحوافة (الحرمنة) قبل أن يستكين لصحبة الشيخ ولهذا حكاية أخرى.. قرر العودة من حيث أتى.

عاد من جديد إلى المضيف.. اصطدم هناك بصديقه الزنجي (صخر) وهو يلم سفرة السهرة بعد مغادرة الجميع.. سأله هذا:
– ها يمزعل.. ﭼـنك رديت..؟
– والله يا صخر.. ما ادري سكران.. لو ما ادري شني السالفة.. كأني تيهت بيتي..


ولم ينتظر رد صخر نقل خطواته من جديد على ذات الدرب الذي يأخذه إلى كوخه المنعزل على طرف السلف.. ومن جديد صدمته فوضى العطور.. صاح من مكانه:

– دمعة..!!
وصله صوتها:
– طب يمزعل..


عوينة ابو مزعل هاي ﭼـنها دمعة.. دخل مزعل ليرى ما لم يره طيلة عشرته بـ(دمعة).. دمعة الان بلا شيلة وبثوب نوم لا عهد له به.. ثوب شفاف بين الدشداشة الرجالية وقميص النوم الذي ترتديه زوجات السراكيل وبناتهم.. وضوء الفانوس الكائن خلفها عكس له هالة نور تحيط بجسدها اللاصف حتى من خلف القماش الخفيف.. كأنها ليست دمعة..


– دمعة !!
– سد الباب وتعال..


الصريفة ليس لها باب بهذا المعنى، أكثر من تشكيل من صفيح وجريد ووصلة بارية.. يقول مزعل لبعض خلصائه أن زواجه بـ(دمعة) بدأ تلك الليلة بعد عشرين سنة زواج.. كل ما قبلها لم يكن سوى (جفيان شر) على حد قوله.. زوج يقوم بواجبه مع زوجته..

أما تلك الليلة فحدث لي ولدمعة شيء لا عهد لنا به.. دمعة كانت امرأة.. أنثى.. وأنا الفحل الهائج.. كلما ارتوى منها أعود من جديد بذات العطش واللهفة..

وهي قالت.. لم يرتو رحمي إلا تلك الليلة.. أحست بحرارة مائه ينفذ إلى تلافيف الرحم القاحل كما تصورته.. لهذا هي تصرٌّ أن (أمل) جاءت من تلك الليلة لا من غيرها..

بقلم الروائي KAREEM KETAFA.

0 تعليقات

    أترك تعليق